موضوعات متنوعة

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

فلسفة كائن في منتصف الحكاية

نوره بابعير

ليس ثمة ما هو أكثر إرباكًا من أن تجد نفسك كائنًا في منتصف الحكاية. لا أول السطر لك، ولا خاتمته بيدك. أنت هنا، في الصفحة الممزقة بين الماضي والمجهول، تقف وحيدًا على جسر هشّ، لا تدري أهو طريق، أم مجرد فاصل زمني بين فقدين.

في منتصف الحكاية، لا يصفق أحد. لا الأبطال منتصرون، ولا الضحايا بوضوحهم متعاطف معهم. في هذا المنتصف، أنت لا تزال حيًّا بما يكفي لتحلم، لكنك مُتعب بما يكفي لتخاف من الحلم.
كأنك سطرٌ نسي الكاتب أن ينهيه.

الذين وُجدوا في البدايات، عاشوا دفءَ الفكرة الأولى، بهجة الاكتشاف، طفولة اللغة، انبهار العين بالبدايات.
أما الذين سينتهون في الخاتمة، فسيحملون لذّة الخلاص، ووضوح الغاية، وخفّة الختام.
لكن ماذا عن الكائن في المنتصف؟
ذلك الذي لا يتذكر متى بدأ، ولا يعرف إلى أين يسير، ولا لماذا لم يرحل بعد.

أنا كائن في منتصف الحكاية.

لي وجوه كثيرة، وأسماء سقطت سهوا من دفاتر الأيام. لا أملك صورة البداية، ولا حق المراجعة. كل ما لديّ، هو هذه اللحظة، بما تحمل من أسئلة عالقة، وبقايا لم تُفهم بعد.

في منتصف الحكاية، يصبح الإنسان في مواجهةٍ مع ذاته، دون أن ياخذ دور البطولة أو أقنعة الانكسار.
لا مكان هنا للبطولات الدرامية ولا للانهيارات المدوية. هناك فقط تلك التفاصيل الصغيرة التي تقتلك ببطء:
نظرة لم تفهمها، و صمتٌ طال أكثر من اللازم، كتاب لم تُنهه، مقعد فارغ ظلّ ينتظرك، وندم ثقيل لا يعرف اسمه.

في هذا المنتصف الرمادي، لا أحد يصفق لك لأنك استيقظت من سريرك رغم أن قلبك لم يخرج من ليله، لا أحد يحتفل بكونك لا تزال تقرأ، رغم أن بصيرتك قد تعبت.
لكنك، رغم كل شيء، لا تزال تمشي.

المنتصف هو فلسفة وجودية في حد ذاته.

هو سؤال: “من أنا الآن؟”بعد أن فقدت ما كنتَه، وقبل أن تُصبح ما ستكونه.
المنتصف هو لحظة النظر في المرآة دون توقع، أن تلمح وجهك الحقيقي، العاري من محاولات التجميل، والناجي من تعاريف الآخرين.
هو وقت إدراك أن الطريق لم يكن مستقيمًا، ولا معوجًا، بل كان أنت.

أعرف الآن لماذا يخشى الناس هذا الموضع من الحياة. لأن المنتصف لا يمنح إجابات. هو اختبار صامت للثبات، اختبارٌ للقدرة على العيش رغم اللايقين.

أن تكون في منتصف الحكاية، يعني أن تتقن فنّ الإصغاء إلى قلبك، وأنت لا تفهمه. أن تؤمن بشيءٍ ما، حتى وإن لم تُسمّه. أن تحبّ مسراتك المحركة لشعور سعادتك ، ليس لأنه الوقت المناسب، بل لأنك لا تملك إلا أن تُحب مسراتك الصغيرة حتى تكبر ، رغم ثقل الأشياء في بعض الأوقات .

في المنتصف، تعلّمت أن لا أنتظر الخاتمة لتمنحني معنىً، بل أن أزرع المعنى هنا، بين السطرين، بين تنهيدة وتنهيدة.
أصبحت أبحث عن المعجزة في التفاصيل: في ضحكةنقية ، في طعم الشاي، ورشفة قهوة ، في جملةٍ مكتوبة بصدق، في غيمةٍ تشبهني في مواقف إنسانية عابرة . أصبحت أكتفي بأن أعيش، لا كما تُروى القصص، بل كما تُعاش ببساطة، وبلا مجازفاتٍ مبهرة.

قد لا أكون البداية التي يُحتفى بها، ولا النهاية التي تُصفّق لها الجماهير. لكنني أنا، في منتصف الحكاية.
أصغي إلى الزمن،وأعيد ترتيب ملامحي، وأمشي، ولو تعثّرت.
أنا فصلٌ خامس، لا تعترف به الفصول الأربعة، لكن له نكهته، وظلاله، وسيرته التي لا تشبه سيرة أحد.

وأنت؟
أين أنت في حكايتك؟
هل ما زلت تكتب؟ أم علّقت القلم بانتظار شيء لا تعرفه؟
هل تُدرك أن المنتصف ليس مهلة مؤقتة، بل مساحة لتكون فيها إنسانًا كاملًا، حتى وإن كنت منقسمًا بين ما فات وما سيأتي؟

ربما الحكاية لم تكن يومًا عن البداية أو النهاية.
ربما كل ما يهم… هو هذا المنتصف.وانت بعد منتصفات حكايتك ؟

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

الحوارات , تُعلّمنا أن نكون بشرًا وأكثر إنصاتًا

نوره بابعير

يبقى الحوار هو المعبر الوحيد الذي يمكن أن يعبر من خلاله الإنسان من ذاته إلى الآخر. لكنه ليس مجرد تبادل للكلمات، بل هو مرآة تعكس عمق العقل الإنساني، وتقيس مدى نضجه وقدرته على الإنصات والفهم.

فالحوار، حين يكون نابعًا من عقلانية صادقة، يتحوّل من نقاش عقيم إلى رحلة كشفٍ متبادل، ومن معركة للانتصار إلى مساحة للاحتواء، ومن وسيلةٍ للإقناع إلى أداةٍ لاكتشاف الذات.

العقل لا يتحدث إلا إذا أُصغي له
يُولد الإنسان مزدحم بالرغبات والانفعالات، لكنه لا يُولد عقلانيًا. العقلانية تُكتسب، تُبنى ببطء، من خلال التجربة، الخيبة، السؤال، والانفتاح على الآخر. وعندما تتحقق هذه العقلانية، يصبح الحوار معها فعلًا وجوديًا، لا مجرد ممارسة اجتماعية.

الحوار بين العقول ليس حوار أفواهٍ وألسنة، بل هو لقاء بين رؤيتين للعالم. لقاء قد يكون ناعمًا ، وقد يكون عنيفًا كريحٍ تقتلع جذور الوهم من أعماق النفس. لكن في الحالتين، هو ضروري؛ لأننا، مهما ظننا أنفسنا مكتفين، نظل في حاجة إلى مرآة الآخر لنتأكد أننا ما زلنا نفكر… ما زلنا نُصغي.

بين منطقية العقل وشراهة القلب ..
الحوار لا ينشأ من العقل وحده، ولا من العاطفة وحدها، بل من التوازن بينهما. فالعقل الذي لا يعرف الرحمة، يتحول إلى آلة جافة، تقطع ولا توصل، تحكم ولا تفهم. والعاطفة التي بلا عقل، تهيم في الانفعالات، تصرخ ولا تُقنع، تحب وتكره بلا سبب.

وهنا تتجلى أهمية الحوار العقلاني: أن تُبقي قلبك حاضرًا دون أن تسمح له بأن يغرقك، وأن تُشغل عقلك دون أن تجعله سيفًا على رقبة الآخر. هو أشبه برقصةٍ بين كائنين، كل منهما يحمل ضوءًا وظلًا، ولا يتم اللقاء إلا إذا اتفقا على الإيقاع.

متى يتحول الحوار إلى صراع؟
عندما يفقد الحوار روحه العقلانية، ينحرف عن مساره ويتحوّل إلى حلبةٍ للصراع، لا أحد فيها منتصر. يحدث ذلك عندما يُقحم الإنسان الأنا في موضع الفكرة، فيغدو الدفاع عن الرأي معركة وجود، لا بحثًا عن حقيقة.

حينها لا يعود المهم “ما يُقال”، بل “من قاله” ويُغيب المنطق ليُستبدل بالتأويل المغرض، ويُستبعد الفهم لحساب التشكيك، ويُستبدل السؤال بالاتهام، والمقاربة بالخصومة.

العقلانية: ليست حيادًا بل التزام

قد يظن البعض أن الحوار العقلاني يعني البرود، أو عدم الانحياز، لكن الحقيقة أن العقلانية موقف. أن تتحاور بعقلانية يعني أن تُنصت حقًا، لا لترد، بل لتفهم. أن تزن الكلمات لا بمشاعرك فقط، بل بما تحمله من معنى ومغزى. أن تراجع نفسك إن أخطأت، وأن تعترف بأن رأيك قابل للتبديل.
الحوار العقلاني ليس ضعفًا، بل شجاعة. أن تصمت حين يجب، وتتحدث حين يلزم، لا لترتفع فوق الآخر، بل لتلتقي معه على أرضٍ واحدة، فيها من النور ما يكفي لكلاهما أن تبصرا.

في عالم يفتقر إلى الإصغاء

لقد أصبحت البشرية اليوم . الجميع يتحدث، القليل من يُنصت، وأقل القليل من يفكر بصدق. نعيش زمن “الردود السريعة” و”الحجج الجاهزة”، حيث يُختزل الحوار إلى جملةٍ مقتطعة، وتُلغى الاختلافات بانقطاع التواصل .

لكن في عمق هذا الضجيج، تظل العقلانية ضوءًا نادرًا، والحوار الصادق واحة للراحة وسط صحراء. لأن الحوار العقلاني لا يسعى للغلبة، بل للتقارب. لا يُطلق الأحكام، بل يطرح الأسئلة. لا يُقصي المختلف، بل يستدعيه إلى طاولة التفكير.

الحوار الذي نحتاجه
نحتاج اليوم إلى إعادة اكتشاف الحوار كقيمة، لا كأداة. أن نُعيد تدريب عقولنا على التفكير لا التصنيف، وعلى السؤال لا الافتراض. أن نُصغي، لا لأننا نُخطئ، بل لأننا نُريد أن نُصيب. فالحوار بين عقلانيات البشر هو جسرٌ هشّ، لكنه قادر، إن أُقيم بنيّةٍ صادقة، أن يصل ما تقطّع، وأن يُضيء ما اعتُبر ظلامًا، وأن يجعل من اختلافنا مصدرًا للثراء لا مدعاة للعداء. و تظل أعظم الحوارات هي تلك التي لا تترك فينا إجابات، بل توقظ فينا أسئلة جديدة… وتُعلّمنا أن نكون بشرًا، أكثر إنصاتًا، أكثر تفكيرًا، وأكثر تواضعًا أمام اتساع العقل الإنساني

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

“سر القبعة الطويلة: لماذا يعلو رأس الطاهي بهذا الشكل؟

نوره بابعير

في أروقة المطابخ، حيث تنبعث رائحة البهارات وتتمازج الأصوات بين تقطيع وسلق وقلي، يبرز رجل أو امرأة بقبعةٍ بيضاء، شاهقة، كأنها منارةٌ في بحرٍ يغلي. قبعة الطباخ ليست مجرد غطاء للرأس، بل هي رمز، تاريخ، وقصة طويلة من الانضباط والفن.

قد يتساءل البعض: لماذا هذه القبعة الطويلة؟ لماذا لا يكتفي الطباخ بقبعة صغيرة أو قطعة قماش تلفُّ رأسه فحسب؟
الإجابة تتعدى الوظيفة، وتكمن في الطبقات العميقة من الاحترام والتقدير لهذا الفن المتقن. فالقبعة وُلدت قبل قرون، يوم كان المطبخ مملكةً خفية، لا يدخله إلا الماهرون في لذة الطبخ.

الطول في قبعة الطباخ كان، عبر الزمن، علامةً على الرتبة. كلما علت القبعة، علت معها مكانة مرتديها. أما تلك الثنيات البيضاء التي تتراكم حولها كأمواج هادئة، فهي لم توضع عبثاً؛ بل يقال إن عددها كان يُمثل عدد الوصفات التي يتقنها الشيف، خصوصاً طرق طهي البيض، رمز البساطة والابتكار في آن.

لكن، لو تأملناها من زاوية أخرى، قد نجد في طول القبعة شموخاً يشبه شموخ الحرفيين، أولئك الذين يهبون حياتهم لإتقان صنعةٍ لا تُرى عظمتها إلا حين تتذوقها. إنها قبعة ترفع الرأس لا غروراً، بل فخراً بالتفاني، بالدقة، بالإبداع.

في عالم سريع، تتساقط فيه المعاني أمام العجلة، ما زالت قبعة الطباخ تقف، طويلةً، بيضاء، نقية. تذكرنا بأن الجمال يكمن في التفاصيل، وأن الفن لا يحتاج دوماً إلى فرشاة، بل أحياناً، إلى ملعقة… وإلى قبعة عالية، تحرس سرّ النكهة .

لم اكتف بما اكتب عن حكاية القبعة لدى الطباخ كنت اتساءل من أول شخص ارتداء القبعة حتى تشكلت علامة بارزة لدى الطباخين؟ أول من ارتدى قبعة الطباخ قبعة الشيف المعروفة و يُعتقد أنه الشيف الفرنسي الشهير ماري أنطوان كاريْم (Marie-Antoine Carême) في أوائل القرن التاسع عشر.

كاريْم كان من أوائل من نظموا قواعد الطبخ الفرنسي، ويُنسب إليه إدخال القبعة الطويلة البيضاء كرمز للنظافة والاحتراف في المطبخ. و كانت تختلف أطوال القبعات حسب رتبة الشيف في المطبخ، فكلما زادت خبرته، زاد طول قبعته.

أما من حيث الأصل التاريخي لفكرة قبعة الطهاة، فبعض الروايات وجدت أنها ترجعها إلى العصور الوسطى، حين كان الطهاة في البلاط الملكي يرتدون قبعات تميزهم، لكن كاريْم هو من رسّخ شكلها المعروف حالياً .

كيف كانت ردة فعل الآخرين تجاه قبعة الطباخ؟

عندما بدأ استخدام قبعة الطباخ في المطابخ الاحترافية، لم يكن الأمر مجرد تغيير في الزي، بل كان خطوة نحو ترسيخ الانضباط والنظام والاحترافية في بيئة العمل. في البداية، ربما لاقت الفكرة شيئًا من الغرابة أو الاستغراب، خاصة وأن ارتداء القبعة لم يكن شائعًا في بيئات الطهي التقليدية.

لكن سرعان ما بدأ العاملون في المطبخ، وكذلك الجمهور، بتقدير هذا العنصر الجديد. فقد كانت القبعة رمزًا للنظافة أولًا، حيث تمنع تساقط الشعر في الطعام، ورمزًا للمكانة ثانيًا، إذ إن طول القبعة كان يميز مكانة الطاهي وخبرته.

لقد تقبّل زملاء المهنة في المطابخ لهذه الفكرة و جاء مع الوقت فرض الطاهي الشهير “ماري أنطوان كاريم” هذا الزي كعلامة مهنية تدل على الهيبة والترتيب. و أما بالنسبة للجمهور، فوجدوا في هذا الزي ما يعكس الجدية والاحترام للمهنة، وسرعان ما أصبحت قبعة الطباخ من العلامات البصرية المرتبطة بالطهي الاحترافي. وهكذا، من كونها مجرد قطعة قماش على الرأس، أصبحت قبعة الطباخ رمزًا عالميًا، يحمل في طياته تاريخًا من التقاليد والانضباط، ويُعرف به أصحاب هذه المهنة أينما كانوا

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

فن الإنتباه للجمال

نوره بابعير

في زحمة الحياة، وانشغالاتها المتكررة، يضيع منا شيء ثمين لا يُقدّر بثمن: الإنتباه للجمال. ذلك الفن الرقيق الذي لا يُدرّس في المدارس، ولا يُلقَّن في المحاضرات، بل ينبت في أرواحنا كزهرة تحتاج إلى عين تلاحظها، وقلب يحتضن حضورها.

الجمال ليس صفةً مقصورة على الملامح أو الألوان. الجمال روح. يتجسد في التفاصيل الصغيرة التي تمرّ بنا كل يوم، في ابتسامة عابرة من غريب، في انعكاس الشمس على زجاج نافذة، في كلمات تقال بصوت دافئ، في رائحة الخبز صباحاً، في انسجام النفس مع تفردها ، في صمت الغروب، حين ينسحب الضوء بهدوء كما لو كان يستأذننا للرحيل.

ولكن كيف ننتبه للجمال؟ الانتباه ليس فعلاً آلياً، بل هو يقظة داخلية. هو قرار بأن لا نمر مرور العابرين. أن نكون حاضرين بكامل حواسنا. أن نسمح لأنفسنا أن تتباطأ قليلاً لنلتقط اللمحات العابرة التي تشبه الومضات، لا تبقى طويلاً، لكنها توقظ فينا شيئاً قديماً وأصيلاً.

هناك جمال في اللغة، في الكلمة التي تلامسنا دون أن تطرق. هناك جمال في الفن، حين يحكي عنّا دون أن يعرفنا. هناك جمال في الألم حتى، حين يعلّمنا كيف نرقّ، كيف نفهم، كيف نصغي. الجمال في كل مكان، لكنه لا يُرى إلا بالانتباه.

في زمن السرعة، فقدنا قيمة التأمل. اعتدنا أن نُستهلك، لا أن نعيش. نركض خلف كل شيء، ونفقد كل شيء في الركض. لكن لحظة توقف واحدة، لحظة إنصات إلى نغمة عصفور، أو تأمل في ظل شجرة، قد تكون كافية لتعيد ترتيب أرواحنا من الداخل.

ربما لهذا السبب نجد أن أكثر الناس سعادة هم أولئك الذين يُتقنون فن الانتباه للجمال. لا لأن حياتهم مثالية، بل لأنهم يرون الجمال رغم كل شيء. يلاحظونه في الأماكن المنسية، في المواقف العادية، ويمنحونه أهمية تستحقها.

لنُربِّ أنفسنا على هذا الفن النبيل. لننظر بعيون مندهشة، كأننا نرى الأشياء لأول مرة. لنصادق الجمال حين يمرّ، ونشكره حين يبقى.
فالحياة، في جوهرها، لا تقاس بطولها، بل بلحظاتها الجميلة التي انتبهنا لها، وتركناها تنقش أثرها في قلوبنا.

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

مأدبة الإنسان في عقله

نوره بابعير

في عالمنا الداخلي، لا تقتصر مأدبة الإنسان على ما يراه الآخرون أو ما يعبر عنه بالكلام، بل توجد مأدبة أعظم وأعقد تحدث داخل عقله هي مأدبة سرية، عميقة و عامرة بالضيوف المتنوعين: أفكاره، مشاعره، مخاوفه، أحلامه، وذاكرته التي لا تهدأ. هذه المأدبة هي ساحة صراع مستمر بين تناقضاته لمصدر كل تساؤل وتأمل، بل أحيانًا بين الإلهام والضياع نفسه .

المأدبة العقلية: ما هي؟

المأدبة العقلية ليست مجرد وصف ، بل هي صورة حية لتجربة الإنسان مع ذاته. هي لحظة جلوس متأمل، حين يواجه الإنسان ما في داخله من أفكار متناقضة، من مشاعر متداخلة، ومن رغبات متصارعة.
في هذه المأدبة، يجتمع العقل والمنطق مع الشك والشكوك، يجتمع الحلم مع الخوف، وتتناقض الذاكرة مع الحاضر. وهذا الاجتماع ليس بالضرورة سلمياً، لكنه ضروري لكي تتشكل رؤية الإنسان لنفسه وللعالم.
حينما وصفت المتواجدة بالذاكرة ضيوف لانها هي زوايا المأدبة: و في مأدبة العقل، كل ضيف له دوره مثل الخوف: هو الصوت الذي يحذر، لكنه أيضًا يمنع أحيانًا الإنسان من المجازفة. مثل الأمل: هو النور الخافت الذي يشعل رغبة الاستمرار رغم كل شيء. مثل الشك: هو الذي يعيد النظر في كل يقين، فلا شيء يبقى كما هو و الذاكرة :هي المرآة التي تعكس الماضي، وتحمله معنا في الحاضر.و الضمير: هو الصوت الداخلي الذي يراقب ويدعو إلى الصدق والعدل .

أما عن الحوار الداخلي وأثره على الإنسان فهذا العمق يأخذنا إلى التفاصيل نحو الفكرية و الانتاجية القائمة على هذه المأدبة .
حين يقرر الإنسان “الجلوس إلى المأدبة”، أي مواجهة هذه الأصوات المختلفة، يبدأ حوار داخلي عميق. هذا الحوار يساعده على فهم أعمق لذاته، وإدراك أبعاده المختلفة. إنه حوار لا يهدأ، لكنه يمنح الإنسان القدرة على اتخاذ قرارات واعية، وتشكيل معنى لحياته. تبني في تحديات مأدبة العقل اعلم أن ليست مأدبة العقل سهلة. فهي تتطلب شجاعة، لأن الإنسان غالبًا ما يهرب من مواجهة مخاوفه أو شكوكه. والانشغال اليومي هو طريقة للهروب من هذه المواجهة. لكن الهروب يولّد فراغًا أكبر، لأن المأدبة تستمر مهما غاب الإنسان عنها.

كيف نجلس إلى المأدبة حتى نجد ضالتنا ؟
الجلوس إلى مأدبة العقل لا تتطلب مكانًا خاصًا، لكنها تحتاج إلى وعي وتركيز. يمكن أن يكون في لحظة هدوء صباحي، أو أثناء نزهة في الطبيعة، أو حتى في لحظة تأمل عابرة. المهم هو الانتباه، الاستماع، والسماح للأصوات الداخلية بأن تُسمع حتّى تستطيع أن تنضج بك كما تستحق مَن التفاتك لها ، في النهاية مأدبة الإنسان في عقله هي رحلة لا تنتهي، وليست هدفًا أو لحظة تتجدد يوميًا، بل تدعونا إلى مواجهة أنفسنا بصدق، وإلى خلق معنى في وسط الفوضى. ومن خلال هذه المأدبة، أكثر وعياً، وأكثر قدرة على العيش بتوازن داخلي يليق بحياة متلائمة مع وعينا فيها .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

اليوم العالمي للشاي ” في مديح الشاي وأهله “

نوره بابعير

في ركن من أركان العالم، هناك قرية صينية تعانق الضباب، أو هناك مقهى هادئ في قلب المدن ، أو حتى في المجلس العربي حيث يتعاقب الضيوف وتتلاحق الأحاديث، وُلدت لحظة من التأمل، ترافقها رائحة الشاي الصاعدة في بخارٍ دافئ، تحكي قصة واحدة: وهي قصة الإنسان مع كأسه المفضل من الشاي .

في الواحد والعشرين من مايو كل عام،يحتفي العالم باليوم العالمي للشاي، ذلك المشروب العتيق الذي لا يعرف الحدود، ولا يعترف بالاختلافات. لكن لماذا سُمِّي هذا اليوم بهذا الاسم؟ وما سر اختيار هذا التاريخ تحديدًا؟

من يقرأ التاريخ يعرف أن الشاي.. أكثر من مجرد مشروب

قد نعتقد أن الشاي مشروب بسيط يرافق الصباحات الكسولة أو الأجتماعات العائلية، لكن الحقيقة أن الشاي هو حكاية حضارات،وتاريخ من التجارة، والسياسة، والثقافة. من الصين مهده الأول، حيث استُخدم طبيًا قبل أن يتحول إلى مشروب يومي، إلى الهند وسريلانكا وكينيا، حيث تحوّل الشاي إلى اقتصادٍ قومي ومعيشة لأجيال كاملة هناك الكثير من الوثائقيات تتحدث عن حكاية الشاي بتفاصيل أنيقة تبرز قيمة الشاي من بداية المزارعين إلى للجنة المتذوقين به .

إن اليوم العالمي للشاي، الذي أقرّته الأمم المتحدة رسميًا في عام 2019، لم يُطلق من فراغ، بل كان تتويجًا لسنوات التي كانت تحتفل بشكل غير رسمي و الذي بدأته بعض الدول المنتجة للشاي منذ عام 2005. لذلك تم اختيار 21 مايو لما جاء متزامنًا مع فترة حصاد الشاي في أغلب البلدان المنتجة، وهي المرحلة الأهم في دورة حياة هذا المشروب، و كأن البشرية أرادت أن تقول: “لنحتفل ونحن نقطف أوراق الشاي ”

الشاي عدة حكايات لنخوض بينهما حتى نعرف عن مزاياه المتعددة بين الأصابع… و ورقة حياة .

ليست كل أوراق تُحكى، ولكن أوراق الشاي حكت كل شيء. ففي ورقة صغيرة خضراء، تختبئ آلاف القصص: قصة مزارعٍ ينهض مع الفجر ليقطفها بحنان، وقصة سيدةٍ تصبها في فنجان الضيف باهتمام، وقصة شاعرٍ يغمس فكره في دفئها ليكتب بيتًا جديدًا .

لماذا نحتفل؟

وجدت أننا نحتفل بيوم الشاي هو اعترافًا بملايين البشر الذين يقفون خلف هذه الصناعة، من مزارعين وعمال ومصدّرين، ونحتفل احترامًا للثقافات التي نسجت طقوسًا فريدة حول فنجان شاي، من جلسات “الشاي المغربي” بالنعناع، إلى “الشاي الإنجليزي” مع الحليب، إلى “الشاي العدني” الغني بالتوابل جميعها ثقافة بلدان و تاريخ وحضارة .
فيكون هذا اليوم للوقوف مع القيم من الجانب التجاري ومن حقوق المزارعين، وحماية البيئة، لأن زراعة الشاي ليست فقط زراعة مشروب، بل زراعة علاقة بين الإنسان والطبيعة، بين الرغبة والهدوء، بين الاحتياج والجمال المتعة التي تحقق من قبل هولاء المزارعين هي سبب في انتشار الشاي بشكل دائم دون انقطاع .

الشاي لا يقبل السطحية بل هو لغة لا حد لها .

الشاي لا يُشرب فقط، بل يُتحدث به. كل حضارة صنعت لغتها الخاصة مع هذا المشروب: في الصين هو طقس تأمل، وفي اليابان فلسفة “تشانويو”، وفي العالم العربي رفيق المجالس والأحاديث.

الشاي لا يُطلب أحيانًا، بل يُفهم حضوره من نظرة، من طقس، من ساعة معينة. من قال إن اللغات فقط تُكتب وتُلفظ؟ ثمة لغات تُرتشف بهدوء

و في اليوم العالمي للشاي، نستمتع بأكوابنا من الشاي لا للاحتفال بمشروب، بل لنتأمل كم من الأشياء الجميلة في هذا العالم تنمو في صمت، وتُقطف بحب، وتُقدّم بدفء. نشرب إذن، لا لمجرد الارتواء، بل لنتذكر أن في تفاصيل الأشياء الصغيرة، تكمن أعمق المعاني

أما عن الشاي في دول الخليج فهو طقس للضيافة
وذاكرة البيوت…

في دول الخليج لا يُقدَّم الشاي فقط لمجرد الضيافة، بل بيان ترحيب وعربون مودة، وامتداد لذاكرة قديمة نسجتها المجالس الشعبية كان الشاي يُعدّ على الجمر، في إبريق نحاسي، وترافقه رائحة الهيل أو أعواد النعناع .
ويعرف أن الشاي الخليجي لا يُشرب على عجل، بل يُصبّ بتأنٍ، ويتكرر صبّه بكرمٍ لا يعرف الانقطاع من المجالس بل هو البداية الرسمية لكل حكاية . ولا ننسى أن “الشاي العدني” الذي انتقل إلى الخليج عبر الموانئ، واستقرّ في القلوب قبل الأكواب بطعمه الغني بالحليب والزنجبيل والقرنفل، أصبح خيارًا يوميًا لعشّاق النكهات القوية. بينما يحتفظ “شاي الكرك” بمكانته في المقاهي الشعبية، ومع الوقت قد تحول من مشروب تقليدي إلى رمز عصري للهوية الخليجية الحديثة

أصبح الشاي في الخليج ليس فقط مشروبًا، بل ركيزة من ركائز التواصل الاجتماعي، وامتدادًا حيًا للضيافة العربية الأصيلة التي تبدأ بالترحيب وتنتهي بالودّ .

إلى الذين يشربون الشاي…
أنتم عشّاق الذوق، وأصحاب مزاج يعرف متى يهدأ، ومتى يصغي، ومتى يكتفي بكأس شاي لتستقيم أمامه الدنيا.فلكم التحية، أنتم لا تشربون الشاي فقط، أنتم تصنعون به لحظة سلام و رقياً في المقام .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

الأدب قوة أخلاقية خفية

نوره بابعير

ربما يتساءل البعض: كيف يمكن لنص مكتوب أن يُهذّب السلوك أو يُقوّم الأخلاق؟ الجواب لا يكمن في المباشرة، بل في الأثر البطيء العميق، و الذي يتركه الأدب في القارئ. عندما نقرأ “الكتب ” نحن لا نحفظ قوانين العدالة، لكننا نحيا مع الصراع الداخلي ، ونفهم جميع السلوكيات حينها و كيف يمكن لرحمةٍ واحدة أن تغيّر مصير إنسان. الأدب لا يعظ، بل يعايش. لا يفرض القيم، بل يُجسّدها في الحكاية.

الأخلاق في الأدب لا تنبع من الخطابة، بل من الإحساس؛ من تلك اللحظة التي يقرا فيها القارئ وتربك أفكاره دون أن يعرف السبب تمامًا لكنها حركة في ساكن العقل شيئًا من وعيها ، أو حين يشعر بخجلٍ داخلي لموقفٍ قرأه في سطرٍ عابر. هذا الخجل، هذا التأثر، هو بداية التحول الأخلاقي الحقيقي؛ لأنه ينبع من الداخل، لا من الخوف أو العقوبة. يشعر القارئ بحاجة إلى تغيير سلوك معين اتجاه ما يقرأ.

لان الأدب يتحول أداة للوعي الذاتي و الوعي ليس مجرد إدراك لما يدور حولنا، بل هو بالأساس إدراك لأنفسنا في هذا العالم، لفعلنا، لوجودنا، لما نفكر فيه ولماذا. في هذا السياق، يأتي الأدب كمنبه حاد بارز لهذا الوعي. حين نقرأ رواية فلسفية، أو نصًا شعريًا عميقًا، فإننا لا نكتفي بتلقي المعنى، بل ننخرط في إعادة إنتاجه داخليًا. نطرح الأسئلة: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكان هذا البطل؟ لماذا شعرت بهذا الألم عند قراءتي للمشهد؟ هل أنا بريء تمامًا من الأنانية التي أدانها الكاتب ؟ لماذا نقرأ الفلسفة ؟هل نحن نحتاج إلى المزيد من الوعي و النضج ؟ لماذا نقرأ الادب هلّ أخلاقنا تقف على نبتة القراءة ومع الوقت تصل إلى حد الإشباع الذاتي ؟

يمكن في الأدب، تتكسر مرايا التبرير، ويُجبر الإنسان على مواجهة ذاته، وجهًا لوجه. الروايات الكبرى لا تريح القارئ، بل تقلقه، لأن القلق هو عمق الوعي، ومن دونه نعيش على هامش الوجود، في أمان قراءة مزيفة .

الأدب يوسع المدارك الإنسانية في كل قراءة لأدب مختلف، نحن لا نقرأ شخصيات فقط، بل نطل على عوالم جديدة، نعيش حياة أخرى دون أن نغادر مقعدنا. نقرأ تولستوي فنفهم روسيا القديمة، نقرأ نجيب محفوظ فنشعر باجواء الحارات المصرية، نقرأ دوستويفسكي فنغرق في دهاليز النفس البشرية. هذا التعدد لا يجعلنا أكثر ثقافة فحسب، بل أكثر تسامحًا، أكثر فهمًا للاختلاف، أقل يقينًا، وأكثر إنصاتًا.

الأدب يوسع المدارك لأنّه يعلّمنا أن الحقيقة ليست واحدة، وأن الخير والشر ليسا أبيض وأسود، بل طيفٌ من المعاني والدوافع والتعقيدات. وهذه الرؤية المتعددة تخلق إنسانًا أكثر تعاطفًا، أقل تطرفًا، أعمق إنسانية.

قراءة الأدب تربية داخلية مستمرة ،إذا كانت التربية الأخلاقية التقليدية تبدأ من التوجيه الخارجي، فإن الأدب يشتغل على الضمير الفردي. إنه لا يلقّن، بل يوقظ. لا يفرض القيم، بل يجعل القارئ يكتشفها بنفسه، في تجربة داخلية، تتكرر كلما فتح صفحة جديدة زادت رغبته فيَ إكمالها.

يظل الأدب هو البئر العميق الذي نلجأ إليه لا لنشرب فقط، بل لنرى انعكاس أرواحنا في مائها الساكن. ومن يقرأ بصدق، لا يخرج كما دخل. لأن الأدب، في النهاية، لا يُقرأ، بل يُعاش .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

الفلسفة فن يُمنح للأشياء معناها الحقيقي

نوره بابعير

تمر بنا الأشياء كما تمر الريح وتنثر الأشياء معها و لا نتوقف عندها، لا نسألها ولا تسألنا بل نستمر ، نأكل، نلبس، نُحب، نعمل، نحزن ونفرح، دون أن نتساءل: لماذا؟ كيف؟ وما المعنى؟ أما حين تتدخل الفلسفة، لا كعلمٍ للنخبة، بل كفن إنسانيّ عميق يُعيد إلينا قيمة الأشياء التي نسينا أن ننظر إليها بوعي. الفلسفة تفتح أعين القلب ، لا تُعطينا إجابات جاهزة، بل تفتح أعيننا على الأسئلة المنسية. لماذا نخاف ؟ لماذا نشعر بالأشياء في وسط الزحام؟ و ما معنى السعادة؟ و ما حدود الحرية الناضجة في الإنسان والعديد من تلك التساؤلات الواعية ؟

كل تلك المفاهيم، التي نمارسها دون تأمل، تُعيد الفلسفة صياغتها أمامنا، فتغدو الأشياء التي بدت عادية، محمّلة بالمعنى، ومفعمة بالدهشة. تصبح الفكرة طعامًا للروح، ويصبح التفكير حاجة لا تقل عن التنفس.

قيمة المعنى في عالم تحكمه السرعة، و السطحيات، وصناعة الصورة، تبرز الفلسفة كفعل مقاومة. تُعيد الاعتبار للباطن، للمغزى، لما هو خلف القشرة. الفلسفة لا ترفض المادة الناتجة عنها ، لكنها تسأل: ما وراءها؟

كوب شاي ، لحظة الصمت، كتاب عتيق، شروق أو غروب الشمس، كلها أشياء يومية، لكن الفلسفة تُعلّمنا أن ننظر إليها كمرآة للوجود. أن نتعمق في خطواتنا، لنفهم أن الأشياء الصغيرة قد تحمل أجوبة الأسئلة الكبرى.

الفلسفة تمنح الإنسان مرآة لذاته ، ما أثمن شيء في حياة الإنسان؟ هو ذاته. لكن الذات لا تُكتشف من الخارج، بل من الداخل. و تأتي الفلسفة، لا لتقول لنا من نكون، بل لتدفعنا اكتشاف ذلك بأنفسنا مجرد ما نفهم غاية الفلسفة في إحياءها لقيمة الأشياء تفتح لنا آفاق واسعة .

لذلك حين يتأمل الإنسان معنى وجوده، وحدود حريته، وغايته من الحياة، لا يعود مثل السابق ، بل يصبح عميق أكثر وعياً ، وهذا الوعي هو ما يجعل كل لحظة أكثر امتلاء، وكل علاقة أكثر صدقًا، وكل قرار أكثر مسؤولية. الفلسفة تُهذّب الرغبات وتُضيء وتقوي حواسنا اتجاه بعض الأشياء ، الفلسفة لا تقتل الشعور، بل تُهذّبه. تجعلنا نُحب بعمق، لا بتعلق. نرغب دون أن نستعبد. نفرح دون أن نُفرّط. نحزن دون أن ننهار. لأنها تُنير لنا طبيعة الإنسان، وتكشف كيف يكون التوازن فنًّا نابعًا من الفهم.

حين نفهم لماذا نرغب، ولماذا نغضب، ولماذا نُخطئ، نصبح أكثر تصالحًا مع ذواتنا. وحين نصبح كذلك، تصبح الحياة نفسها أكثر رحابة.

” الفلسفة لا تعزلنا عن الحياة.. بل تُعيدنا إليها أجمل مما كنا”

الفلسفة هي أدب وأسلوب الحياة، وضمير العقل، ولغة القلب حين يُريد أن يُفكّر. تعلّمنا أن لا شيء عابر. أن وراء كل تفصيل صغير حكمة، وأن الحياة، رغم صخبها، تستحق أن تُعاش بعينٍ متأملة، وعقل واعي متسائل، وقلب لا يكتفي عن البحث عن المعنى.

الأشياء تُقاس بثمنها، لذلك تُعيدنا الفلسفة إلى قيَمها. فتُعلّمنا أن القيمة لا تُشترى، بل تُدرك. وأن أجمل ما في الأشياء… هو ما لا يُرى بالعين، بل يُبصر بالعقل.

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

المهارات ثروة الإنسان التي لا تُرى

نوره بابعير

لم تعد الشهادات وحدها تكفي، ولم يعد الحفظ معيارًا للفهم، ولا الالتزام الآلي دليلًا على الكفاءة. ما تصنع الفرق اليوم، وتمنح الإنسان قيمة في عوالم العمل، والفكر، والإبداع، هي المهارات. هذه الطاقة الصامتة التي لا تُرى، لكنها تصنع أثرًا بالغًا في الحياة.

المهارة ليست مجرد “إتقان” لشيءٍ ما، بل هي نتيجة تفاعل طويل بين الفهم والتجربة، بين النظرية والممارسة، بين الرغبة الداخلية والتحديات الواقعية. إنها ما يبقى حين تختفي الوصفة الجاهزة، وحين يُترك الإنسان أمام الموقف الحقيقي، ليبتكر، ليحلّل، ليقرر.

من المعرفة إلى المهارة

الفرق بين من يعرف ومن يُتقن، يشبه الفرق بين من يقرأ عن السباحة، ومن ينجو من الغرق. المعرفة تفتح الباب، لكن المهارة تعلّمك كيف تمر عبره. وفي عالم تتقاطع فيه التقنيات، واللغات، والوظائف، تصبح المهارات هي اللغة العالمية الجديدة، التي يفهمها الجميع.

التعليم التقليدي، في كثير من الأحيان، يركّز على التلقين، على أن يعرف الطالب المعلومة، لا أن يتعامل معها. وهنا يأتي التحدي الحقيقي: كيف نحوّل المعلومة إلى قدرة؟ كيف نعلّم أبناءنا لا فقط ماذا يقولون، بل كيف يفكرون؟ كيف يبحثون؟ كيف يتخذون القرار؟

أنواع المهارات: خارطة العقل والعمل

المهارات تتنوّع مثلما تتنوع العقول. هناك المهارات الصلبة ، مثل البرمجة، التصميم، التحليل الإحصائي، الترجمة، وإدارة المشاريع. وهي مهارات يمكن قياسها، وتعلّمها غالبًا من خلال الدورات والممارسة المباشرة.

لكن الأعقد، والأكثر تأثيرًا، هي المهارات الناعمة مثل مهارات التواصل، الذكاء العاطفي، القدرة على العمل الجماعي، إدارة الوقت، حلّ المشكلات، التفكير النقدي، والمرونة النفسية. هذه المهارات لا تُعلّم في الكتب، بل تُكتسب عبر المواقف، وتُبنى مع التجربة، وتتأصل مع النضج.

المهارات ليست حكرًا على أحد

لا توجد مهارة تُولد معنا بالضرورة. كل مهارة يمكن تعلّمها، وتطويرها. الفرق بين من يمتلكها ومن يفتقدها هو الرغبة، والصبر، والممارسة. من يتقن الاستماع مثل من يتقن الحديث. ومن يعرف كيف يكتب، تعلّم ذلك عبر التجربة الطويلة، لا من موهبة نادرة.

وهنا تكمن العدالة في عالم المهارات: إنها متاحة للجميع. لا تتطلب رأس مال، ولا واسطة، ولا وراثة. تتطلب فقط إنسانًا يرى أن في داخله ما يستحق أن يُصقل ويكبر.

المهارة تبني الإنسان، وتبني الوطن

في المجتمعات التي تستثمر في المهارات، تُبنى حضارات معرفية، واقتصادات قوية، وأفراد واثقون بأنفسهم. حين يتقن الطبيب مهارات التواصل، يصبح أكثر إنسانية. حين يتقن المعلم مهارات التحفيز، يصبح صانعًا للأمل. حين يتقن الموظف مهارات التفاوض، يسهم في نجاح مؤسسته. في كل مجال، تظهر المهارة كما يظهر الضوء في الغرفة: لا يُرى، لكنه يغيّر كل شيء.

أصبحت المهارات محورًا أساسيًا في برامج التنمية، والتعليم، والتوظيف. فالعالم لم يعد يسأل: ماذا درست؟ بل يسأل: ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما المهارات التي تمتلكها لتصنع أثرًا حقيقيًا؟

كيف نزرع المهارة في الأجيال القادمة؟

إن من واجبنا كمجتمع، وكأفراد، أن نغيّر نظرتنا نحو التعليم والعمل. أن نغرس في الأبناء مهارة السؤال قبل الإجابة، ومهارة التعلّم الذاتي، ومهارة التعاطف مع الآخر، ومهارة الوقوف بعد الفشل.

أن نعيد للورش قيمتها، وللخطأ مكانه في التعلّم، وللإبداع حرّيته. أن نحتفي بمن يصنع بيده، وبمن يبرمج بعقله، وبمن يبني علاقة صادقة مع فريقه.

في كل إنسان، هناك خامة لم تُشكّل بعد. المهارة هي الأداة التي نحفر بها في دواخلنا، فنخرج أنفسنا من العشوائية إلى الدقّة، ومن التكرار إلى الإبداع، ومن الاعتماد إلى الاستقلال.

نحن لسنا بحاجة فقط إلى مهارات مهنية، بل إلى مهارات إنسانية. مهارات تجعلنا أكثر صدقًا، أكثر وعيًا، أكثر قدرة على التواصل والتفكير والمساهمة. المهارة ليست مجرد طريق إلى الوظيفة، بل إلى حياة أكثر غنى وعمقًا.

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

القراءة وتحوّلات الإنسان

نوره بابعير

في حياة الإنسان لحظات لا تصنعها الأحداث الكبرى، بل تصنعها جملة في كتاب، أو فكرة تقع على القلب . القراءة ليست هواية، وليست مجرد عادة ذهنية، إنها فعل داخلي عميق، يشبه التهذيب الروحي. الإنسان الذي يقرأ لا يبقى كما هو، لأنه يُعاد تشكيله سطرًا بعد سطر، وفكرة بعد فكرة.

القراءة ليست مجرد استقبال للمعلومة، بل هي دعوة إلى حوار داخلي، إلى مساءلة الذات والعالم. إنها لحظة يتوقّف فيها الزمن الخارجي، ليبدأ زمن آخر؛ زمن التأمل والتخيّل والانفعال. نقرأ لا لنكتسب معرفة فقط، بل لنعبر إلى أماكن لم نصلها، لنتحدث مع أرواح لم نلتقِ بها، ولنشعر بما لم يحدث لنا، لكننا نعيشه كأنه حقيقي.

في أولى مراحل وعيه، يكون الإنسان كتلة من الأسئلة، من الانفعالات الغامضة، من الإحساس المتكرر بالعجز عن الفهم. القراءة تأتي لتمنحه المفردات، لا لتشرح له العالم فقط، بل ليعيد بناءه من الداخل. الطفل الذي يكتشف الحكايات لا يعود كما كان. العاشق الذي يقرأ الشعر يرى لذة الشعر بعينٍ أخرى. الحائر الذي يقرأ الفلسفة لا تهدأ حيرته، لكنها تتحوّل من فوضى إلى سؤال ناضج.

وحدها القراءة تزرع فينا القدرة على النظر إلى الحياة بأكثر من زاوية. إنها لا تغيّر الواقع، لكنها تغيّر من يرى الواقع. تقوّم العقل، وتلين القلب، وتفتح النوافذ في جدران الذات. إنها تُهذّب، لا بالقوة، بل بالتماس العميق بيننا وبين تجارب الآخرين، أفكارهم، رؤاهم، وهزائمهم أيضًا.

نقرأ لنعرف، لكننا نقرأ أكثر لنشعر. في الرواية، نعيش حيوات لا نملكها. في الشعر، نستعير لسانًا أبلغ مما نملك للتعبير عمّا لا نستطيع قوله. في كتب السيرة، نختبر قدرة الإنسان على السقوط والقيام. في الفلسفة، نطرح الأسئلة التي لا يجرؤ الكثيرون على مواجهتها. في كل قراءة، هناك باب يُفتح في داخلنا، وغالبًا لا يُغلق أبدًا.

قد يقال إن الكتب لا تغيّر العالم، لكن من ينكر أنها تغيّر الإنسان؟ والإنسان هو من يصنع العالم. من قرأ عن العدالة، لا يمكنه أن يحتمل الظلم بسهولة. من غاص في عوالم الفكر لا يمكنه أن يقبل الجهل كما هو. من قرأ عن الشجاعة، عن المعنى، عن الألم، عن الحب، لا يمكنه أن يعود فارغًا كما كان. إننا، بغير قراءة، نظلُّ في سطح ذواتنا، نعيش في حدود التجربة المباشرة. أما القراءة، فهي توسّع تلك الحدود، تجعل الداخل أعمق، والخارج أكثر وضوحًا.

ليست القراءة مجرد معرفة تُكتسب، بل هي وعي يُعاد بناؤه. إن الإنسان حين يقرأ، لا يبحث فقط عن إجابات، بل يصير أكثر وعيًا بأسئلته، وأكثر شجاعة في مواجهة تعقيده الداخلي. يصبح أكثر قدرة على الإصغاء، وعلى الشك، وعلى الإيمان أيضًا – لا الإيمان الأعمى، بل ذلك الذي يأتي بعد أن نعرف كم أن الحقيقة أوسع من أي إطار جاهز.

ومن أجمل ما في القراءة، أنها فعل حر. لا يُفرض ولا يُشترى. هي ذلك الوقت الذي نهبه لأنفسنا، لا لنستعرض معلومات، بل لنتنفس ببطء في زمن يركض. في ظل عالم يتكدس فيه الضجيج، تأتي الكتب كصوت خافت لكنه عميق. صوت لا يصرخ، لكنه يبقى. في زحام الأيام، نقرأ لنستعيد توازننا، لنفهم ما لم يُفهم، ولنتذكّر من نكون.

القراءة لا تغيّرنا دفعة واحدة. إنها أشبه بالماء الذي ينحت الصخر قطرة بعد قطرة. نقرأ اليوم، ونظن أن شيئًا لم يتغير، لكن بعد شهور، وربما سنوات، نجد أننا لم نعد أولئك الذين كنا من قبل ، صرنا أكثر إنصاتًا، أقل حكمًا، أكثر امتلاءً، وربما، أكثر حزنًا، لكن ذلك الحزن الجميل الذي لا يُهين، بل يعلّم.

ربما لا نحتاج أن نقرأ لنكون مثقفين، بل لنكون إنسانيين أكثر. لأن القراءة، في أعمق تجلياتها، ليست تكديسًا للمعرفة، بل رفقة هادئة تذكّرنا بأننا لسنا وحدنا في هذا الطريق المعقّد،وأن بين السطور أناسًا يشبهوننا أو يختلفون عنا، لكنهم يمنحوننا فرصة أن نكون أكثر فهمًا، وأكثر حياة

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

التذوق الحسي للفن والجمال: حين تتكلم العين وتُصغي الروح

نوره بابعير

غالباً التفكير يعيد للأشياء هيبة أعماقها يبيّن الخفايا المبطنة في المعنى نفسها فيبقى الإنسان عالقاً في صحبة التفكير ، فيجد نفسه بين تفكير ناقد يحلّل للأشياء وجودها به ويترك الأخريات تأخذ أنصافها من غيرها . لذلك حينما تتكاثر الأفكار حول المواضيع تبقى رهينة البقاء حتى تجد جدواها من البحث عن المعنى وتبقى المفاهيم اساس يقود للعقل طريق فكرهُ .
لذلك غالباً ما يلامس العقل أفكاره بأشياء تلحُ عليه الاطلاع نحوها والأخذ بالانطباع من خلفها ، وهذا ما يجعلني دائماً أكتب عن الفن والجماليات و الحس مما ادرك الاثر الذي تستطيع أن تغير مجرى الانسان الذاتي إلى حس ذوقي يترك من بعده التهذيب الاخلاقي .
تهميش الفن عند البعض ليس إهمالاً منهم بقدر الجهل والتوسع للمفهوم الذي يحمله الفن للمعنى الحقيقية في حياة الإنسان . الفن في المعرفة و الثقافة والأتساع الفلسفي هو ليس مجرد مادة تُعرض ، ولا الجمال هو مشهداً يشاهد ، بل أنهما تجربة داخلية تبدأ من الحواس ، لكنها واسعة لا يمكن أن تنتهي عندها ، أن يتذوق الإنسان الفن ، هو لا يستخدم بصره دون سمعه ولا يمكن له أن يستخدم سمعهُ دون بصره وما إلى ذلك ، بل هو يُجنّد كل ما في كيانه من المشاعر و الذكريات و الخيال وهذا يولد التذوق الحسي ، بصفة تبين للإنسان مفهومها أن ما وصّل إليه من هذا الفن هو أرقى الأشياء لتفاعلك الإنساني مع الجمال .
التعمق في التفكير يولد التساؤلات المفرطة و الذي لا يرضيها إلا الفهم ، حينَما تتساءل عن التذوق الحسي نبدأ في محاولات عديدة لتفسر التذوق الحسي سواءً من منظورك أو من منظور الآخرين تبحث عن المعنى الناتجة من خلق الكلمة ما هو التذوق الحسي ؟ قد يكون هو الاستجابة الشعورية العميقة التي تحدث في النفس و عندما تتعرض لمثير جمالي مثل لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو مبنى معماري، أو عادات بشرية تميز الأساليب بين شخص وأخر ، حتى لو كانت تقتصر على زهرة في طريق، أو مشهد طبيعي بسيط. هو ما يجعل العين تُضيء عند رؤية لون متناغم، يلامس القلب و يخفق لسماع نغمة موسيقية تتسلل دون استئذان و يخلق شعور الدهشة لأشياء غير معتاد عليها فتنفض ركودها وتستبدلوا بالتذوق الحسي العميق ليفسر كل ما شعر به الإنسان من تلك اللحظة وتميزت من زاوية شعوره .
ثم تعوّد للتفكير مرّة اخرى تنغمس في المفاهيم الواسعة لهذا الوصف تجد أنه شعور خفي لا يمكن لك أن تشرحه بالكلمات لكنهُ فعلاً يعاش بالكامل ، حينما يقف عند للوحات فنية أو الميول إلى مقطوعة موسيقيّة أو تأملات في الطبيعة ، هو يعلم تماماً ما الذي يعنيه من هذا الوقوف و الاكتساب الذي أضيف له من حراك الذوق الحسي حينها .
حينَما نرى أن الفن يتشكل على مدى حواسنا، نستطيع أن نضعه بوصف جسوراً للحواس تعبر الأشياء من وجهتهُ ، الفن يتشرب حواسنا لكنه لا يبقى على سطحيتها ، العين لا تكتفي برؤية الخطوط والألوان إذا تحدثنا عن الأعمال الفنية ، بل تترجمها إلى مشاعر ، والأذن لا تسمع فقط الالحان بل تلتقط المعاني من خلف الإيقاع، واليد حين تلامس خامة فنية لا تكتفي بإدراك الملمس بل تُحسّ بالحرفية التي صنعتها ، بالزمن الذي عبرها و احتفظ فيها في أعمال فنيّة و هنا، يتحول التذوق من مجرد “إدراك” إلى “إحساس”، ومن مجرد “نظر” إلى “رؤية داخلية”. فالجمال ليس شيئًا نراه فقط، بل شيء نُحسّ به، ونتفاعل معه على مستوى أعمق.

ما زال التذوق الحسي قابل لطرح التساؤلات ، هل التذوق الحسي فطري أم مكتسب؟

هو سؤال فلسفي قديم و اختلف فيه الفلاسفة والنقاد: هل نحن نولد بحسّ جمالي فطري، أم أننا نتعلم التذوق؟ في الواقع، ربما يكون كلاهما الأمرين صحيحان . فثمة إحساس فطري يجعلنا ننجذب للجمال منذ الطفولة و طفل صغير يتأمل فراشة ملونة أو يُصغي بانبهار لصوت الناي – لكن هذا الحسّ يظل خامًا حتى تصقله التجربة، والثقافة، والمشاهدة.
من يقرأ الادب و الشعر كثيرًا، تتشكل لديه ذائقة لغوية مرهفة، ومن يزور المتاحف ويتأمل الأعمال الفنية، تتسع رؤيته للجمال، ويبدأ في تذوق ما لم يكن يراه من قبل. وهكذا، و يصبح التذوق الحسي مهارة تُنمّى، لا موهبة فطرية فقط.
أما إذا تواجد التذوق يصيح الجمال قيمة شعورية كيف ؟ الجمال ليس دائماً ما هو “متناسق” أو “مألوف”. أحياناً يكون الجمال في الغرابة، في كسر الروتين في المفارقة. أو قطعة فنية قد تكون مربكة بصرياً، لكنها توقظ فينا مشاعر غير متوقعة. وهنا يأتي دور الذوق الحسي في استقبال الفن بروح متفتحة، لا تكتفي بما تعرفه مسبقاً، بل تجرّب وتغامر وتُنصت إلى الجديد.التذوق الحسي لا يبحث عن “الإعجاب السريع”، بل عن الأثر البعيد. عن ذاك الشعور الذي يصيبك حين ترى شيئًا لا تعرف لماذا أحببته، لكنك أحببته بقوة. عن المشهد الذي يظل عالقًا فيك بعد زمن طويل.

من المفترض أن يكون التذوق الحسي هو تربية للنفس و ليس ترفاً ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية. تهذيب للمشاعر، وتوسيع لأفق الحياة. فالحياة، رغم صعوبتها، تصبح أكثر احتمالاً حين نراها بعيون تعرف كيف تلتقط الجمال حتى في التفاصيل الصغيرة. اقرأ لوحة. استمع إلى مقطوعة. امشِ في معرض، أو شاهد فيلماً فنياً، لا لتُعجب به فقط، بل لتتركه يتسلل إليك، ويُعيد ترتيبك من الداخل. لأن التذوق الحسي في جوهره، ليس فقط ما نُحب… بل ما يجعلنا أكثر إنسانية، وأكثر اتصالاً بالمعنى الأعمق لما نراه ونعيشه .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

فلسفة الذوق ” حينَما يتشكّل الإنسان بالجمال “

نوره بابعير

فلسفة الذوق ” حينَما يتشكّل الإنسان بالجمال ”

للذوق فلسفة عميقة مما نعتقد لأنها تنتج من خلال أفكارنا الواعية ثم تتشكل بين الاخلاقيات و التهذيب الذاتي اتجاه الذوق الفردي و الذوق العام بين البيئة والإنسان . لذلك ، قد نظن أنّ الذوق” هو أمر بسيط أو ثانوي، لا يتجاوز اختيار اللباس أو تفضيل نوع معين من الطعام أو الموسيقى. لكن حين نتأمل نتعمق لهذا المفهوم، نكتشف أنه يتجاوز كل ما هو سطحي، ليغدو تعبيرًا جوهريًا عن ذات الإنسان، بل وسيلة لفهم العالم والوجود.

الذوق هو أنعكاس مرآة للذات .

الذوق ليس مسألة شكلية يهتم الإنسان من خلال المظهر فقط ، بل هو جوهر يتشكل داخل النفس، ويتجلّى خارجها في السلوك والتفضيلات والأسلوب العام في الحياة. عندما نقول عن شخص ما إنه “ذو ذوق رفيع” فإننا لا نصف فقط أناقته أو اختياراته الفنية، بل نشير ضمنيًا إلى رقيه الأخلاقي ووعيه الثقافي وهذا الترابط العميق بين الذوق والأخلاق ليس جديدًا، بل هو جزء من الإرث الفلسفي والإنساني الذي تعامل مع الجمال بوصفه قيمة مرتبطة بالحق والخير، ودائماً الفلسفة تأخذ من التفكير حقها في مفهوم المعنى ومدى بقائها في حياة الإنسان وتأثيرها عليه لذلك كلما تأمل الإنسان نحو الذوق يجد هناك طرقات مترابطة بين المعنى و التأثير الناتج عليه اتجاه حياته .

فطرة الذوق ومساحة التكوين..

قد يولد الإنسان بميل فطري إلى الجمال والتناغم، لكن الذوق يُصقل بالتربية، ويتشكل بالتجربة، ويُهذّب بالقراءة والفن والتفاعل مع محيط راقٍ. فالشخص الذي ينشأ في بيئة تقدّر الجمال، وتعلّم احترام الآخر، وتغذي الحس الفني لديه، يكون أكثر قدرة على تطوير ذوقه وتوسيعه. فإن الذوق ليس ثابتًا بل قابل للنمو، مثل أي بعد من أبعاد الوعي الإنساني ، لان نمو الذوق قد يعتمد على وعي العقل في مفهومه وقد يكتسب من خلال البيئة التي يعيش بها . فيحتاج الإنسان إلى انتباه عميق ليحرك الرغبة الناضجة في بناء الذوق المتلائم مع قيم ذاته وقدرات وعيه .

الذوق في الفلسفة: ما وراء التفضيلات ..

غالباً مفهوم الذوق من زوايا متعددة. يساهم في تغيير الفكر والتفكر اتجاه المعنى للذوق فيصبح اختلاف الاّراء يعود إلى ذلك الانطباع الفكري والحسي للمعنى ، مثل إيمانويل كانط اعتبره أن الحكم الجمالي، الذي يُعد تعبيرًا عن الذوق، وبانه لا ينبع فقط من الشعور، بل من عملية عقلية تأملية. وقد رأى أيضاً أن الذوق يحمل طابعًا “كونيًا” بمعنى أنه يتجاوز الأذواق الفردية نحو إحساس مشترك بالجمال.

أما ديفيد هيوم شدد على أن الذوق يمكن تهذيبه وتطويره، لكنه أقر بانه هو بوجود تباين بين الأفراد. وعلى الرغم من أن الناس يختلفون في تفضيلاتهم، إلا أن هناك مبادئ عامة للجمال يمكن الاتفاق عليها، مثل التناسق، التوازن، والبساطة.

ينمو الذوق في جذور الاخلاق وسلوك ..

إذا تاملنا في تصرفات الناس بتفاصيل دقيقة نجد أن الذوق لا يظهر فقط في الملابس أو ترتيب المنزل، بل في أبسط تفاصيل الحياة: في طريقة السلام، في اختيار الكلمات، في نبرة الصوت، في احترام خصوصية الآخرين في أبدا الاراء والعديد من الأفعال التي لها صلة بإبراز الذوق اتجاه شخصها و إن الذوق الحقيقي هو ذلك الذي يتجلى في التعاملات اليومية، ويعكس احترام الإنسان لذاته أولًا، ثم لمن حوله وهذا الأمر جداً دقيق قد يتنبا له الإنسان المهتم في اختلاق ذات انيقة المظهر الداخلي قبل الخارج يدرك القيمة الناضجة من هذا الميول أو المكتسب من حوله . الشخص الراقي في ذوقه لا يجرح بكلمة، ولا يرفع صوته في وجه الآخرين، لا يتعدى على خصوصية الآخرين، يدرك التأدب مع ذاته قبل الآخرين ، لأنه يرى في كل فعل انعكاسًا لجوهره الداخلي. إنه يُراعي مشاعر الناس دون تكلّف، ويمارس الاحترام كعادة فطرية، لا كقناع اجتماعي الشخص الواعي دائما يحرص أن يمثّل ذائقته بالطريقة الملائمة مع وعيه .

للذوق تأثير في تكوين الهوية ..

يتشكل الذوق عبر التفاعل مع الثقافة، والاطلاع، والتجربة، ثم يساهم في تكوين الهوية الشخصية والذهنية. فالذوق لا يختصر في “ما نحب” بل يشير إلى لماذا نحب ما نحب؟وما القيمة التي تمنحها أذواقنا لذواتنا. اعتقد أن التساؤلات الذاتيّة لها دور في حراك الدوافع و الفهم اتجاه أذواقنا الفكرية و الحسية و الفعلية، تلك العادات والانطباعات الصادرة هي تمثل داخلنا في أطار هويتنا الثقافية و البيئيّة و المكتسبه من تجارب الحياة اليومية .
و المجتمعات التي ترتقي بذوق أفرادها، تكون أكثر تحضرًا، لأنها تنتج أفرادًا يقدّرون الجمال،ويحترمون النظام ويتواصلون برقي. بينما غياب الذوق، أو تسطيحه، يؤدي إلى الفوضى البصرية، والسلوكية، وحتى الفكرية تجرد الإنسان من أخلاقياته وسلوكياته المفترض أن تتواجد به كانسان ملم بانسانيته

الذوق في أنصاف الـزمن و التّيه من نافذة التقليد

حالياً في وسائل التواصل الاجتماعي تُفرض علينا يوميًا آلاف الصور والمقاطع والمؤثرين، أصبح الذوق مهددًا بالسطحية والنسخ و لم يعد كثير من الناس يختارون بناءً على ذائقتهم الحقيقية، بل بناءً على ما يفرضه “ الوقت ”. وهذا يشكّل خطرًا على الهوية الفردية، إذ يُفقد الإنسان خصوصيته، ويجعله تابعًا لأذواق الآخرين دون وعي ، لكن لا ننسى أن ما زال هناك من يحرص على تشكيل ذوقه الخاص، بقراءة الأدب، والتأمل في الفن، وملاحظة الجمال في تفاصيل الحياة اليومية، لا في مظاهرها الصاخبة. وهؤلاء هم من يُعوّل عليهم لإعادة الاعتبار للذوق كقيمة إنسانية وثقافية.

الذوق كفعل فلسفي وحضاري وانساني.

الذوق ليس رفاهية، ولا مختصّ بجودة قيمة للنخبة، بل هو فعل يومي يعكس درجة وعي الإنسان بنفسه وبالآخرين. حين نرتقي في ذوقنا، فإننا نرتقي في إنسانيتنا. نغدو أكثر رهافة في الشعور، وأكثر اتزانًا في ردود الأفعال، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يليق وما لا يليق تصبح القابلية في الأشياء و رفضها تفتح أفاقنا الأخرى من الأذواق المختبأة في مسار حياتنا ، حتى الانسجام الذي قد يفرض بقائهُ علينا يعيدنا إلى المبدأ الذوقي القائم عليه ، مجرد الفهم في مراحل الذات وانغماسها في الذوق هنا كل إنسان بفطرته يقدر يشكل فلسفته الخاصة اتجاه مفاهيمه للذوق وانسجامه معها في اداء حياته .

الأهم من ذلك أن نفهم بأن الذوق هو فلسفة شخصية، واختيار وجودي، يعكس كيف نرى أنفسنا، وكيف نريد أن نُرى وأن نترك الاثر من ذلك العبور لكل ما يصدر منا .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

فن الجمال في حياة الإنسان

نوره بابعير

” الجمال أسلوب حياة يعزز من جودة الإنسان وعلاقاته ومشاعره”

في عمق ضجيج الحياة وتسارع وتيرتها، يظل الجمال ركيزة أساسية تهب الإنسان لحظات من السكينة والتأمل. و”فن الجمال” ليس رفاهية كما يظنه البعض، بل هو حاجة نفسية و روحية تعزز التوازن الداخلي، وتمنح للحياة معناها الإنساني العميق.

منذ أزمنة بعيدة، يسعى الإنسان إلى تجميل محيطه، سواء من خلال الفن أو العمارة أو الملبس و الزينة وقد اعتبر الفلاسفة الجمال هو من أحدى فروع الفلسفة، لما له من أثر عميق في تشكيل الذائقة والسلوك والخلق و التهذيب فليس غريبًا أن نجد الجمال متجذرًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ من ترتيب المنزل، إلى تنسيق الألوان، بل وحتى في الكلمة والتصرف والإبداع والإنجاز.

الجمال لا يُقاس بالمظهر وحده، بل هو أوسع من ذلك بكثير فهو يكمن في الأخلاق، في التعامل الراقي، في الكلمة الطيبة، وفي البساطة التي تعكس رقيًّا داخليًا. وكلما ازداد وعي الإنسان بقيمة الجمال في سلوكياته، ارتقت علاقاته بالآخرين، وازدادت جودة حياته الشخصية والاجتماعية والإبداعية .

و أن تذوّق الجمال سواء عبر الفن أو الموسيقى أو الطبيعة له تأثير إيجابي في تقليل مستويات التوتر، وتعزيز الشعور بالسعادة والرضا والانتماء و هذا ما يسعى إليه الإنسان لدمج مفاهيم الجمال في أنظمة التعليم، والهندسة المعمارية، وتصميم الأشياء العامة ، ليفهم الإنسان قيمة هذه المفاهيم و الأنظمة اتجاه جودة الحياة .

فن الجمال ليس رفاهية كما يُظن، بل هو أسلوب حياة ينعكس على طريقة تفكير الإنسان، ونظرته للكون، وتفاعله مع الآخرين. وعندما نبني في النفس عادة حب الجمال، نزرع فيها قيم الذوق، والإبداع، والتقدير، والسلام الداخلي.

و يظل الجمال رسالة صامتة من الحياة هادئة ، تقول لنا إن في التفاصيل قد نجد دهشة تستحق التأمل، وأن في كل لحظة فرصة لاكتشاف معنى أعمق للوجود .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

وفي المعارض عقولاً ناهضة وثقافة واسعة

نوره بابعير

وفي المعارض عقولاً ناهضة وثقافة واسعة
معارض الكتب تحدث العقول الناضجة المستنيرة الراغبة في مجال العلم و المعرفة الهادفة في أتساع وعيها إلى مدى البعيد و الشغوفة بالإبداع الثقافي بين الفكر و الفكر الأخر بين التوافق وَ الاختلافات بين التواصل في المخيّلات و تعمّق فيَ الفلسفات بين تساؤلات مجهولة و أجوبة مدروسة بينَ الحوارات الثمينة وَ الورشات الحكيمة تسيّر الأقدام وكلها شغفًا فيَ الاكتساب بالنهوض الدائم بالتوسع الناتج عَن الغزارة التوعوية فيَ المجالات المسرحية و الأفلام السينمائية و الموروث التاريخي و ما يخص معرفته وبين إلكترونيات و وسائل الاجتماعية والإعلام ، تصنع المحتوى من المحتويات لتخرج بزوارها البارعين في الإختيار الناجحين بقضاء أثمن الأوقات .
تبقى الثقافة طريقًا طويلًا تضع الحقائب في أيادي باحثيها ليكملوا تِلْك المسافات الفارغة بأثر علمها، تخلق الأتزان في علم و أساسيات الفهم فيَ رصانة العقل الواعي و العقل المحتاج إلى هذا الوصول من الوعي المكتمل.
تِلْك التجربة الذي تتسع في المساحات الثقافية تجعلنا في إطلاع مزهر يخلق في النفوس منابت ثمارها تستطيع من خلالها تفهم العقول الملائمة معها و المنافسة لها ،تلك الخطوة تجعل القراء و الزوار فيها شيئًا من الضوء يُرافِق العقول في مسائل السطور وضوءً يرافق الذهول في مفارق الحضور ، رغم أن المعارض ذات أوقات محددة الأيام إلا أنها تستطيع أن تغير حقولنا بقفزات واعية و قد تبني في الأطفال جوانب قيمة وفي الإعلام إزدهار مكانها .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

“الادب بين الايجابيه والسلبية”

حنين العصيمي

**”الأدب بين الإيجابية والسلبية”**

في اختيارك للكتب والأفلام التي تتابعها، هل تفضل اختيار الكتب المأساوية، السوداوية، ذات النهايات الدرامية الحزينة، أو الأفلام المليئة بالمعاناة والدموع؟ هل تفضل رؤية شرور الدنيا المتجسدة بالخيانة، الغدر، الكراهية، الفقر، الجوع، الظلم، الانكسارات العاطفية، وقصص الغرام المستحيلة، الفراق، الموت، القهر، وغيرها من المآسي الأخرى… أعني ، أليس الواقع مليئًا بكل ذلك أصلًا؟

نظرة واحدة على الواقع اليوم وستجد كل ذلك وأكثر… ملايين الضحايا، ملايين الفقراء، ملايين المحطمين مع اختلاف الأسباب…
والقصص التي ترتعد لها فرائصك وتكون بمثابة مادة خام لصنع أكثر الأفلام رعبًا وحزنًا…
بل والأسوأ أنها حقيقية تمامًا وخالية من ادعاء الممثلين، وصنع الكاميرات، وألوان المساحيق، وتهذيب وزخرفة الحروف…
بل إن أبطالها أشخاص حقيقيون من لحم ودم تعرفهم أو قابلتهم أو سمعت عنهم من مصادر مختلفة… بل وربما تكون قصتك أنت.

في إحدى النوادي الأدبية التي حضرتها،
وفي نقاش مع الزملاء ، ذكر أحدهم أنه يفضل الكتب التي تجعله يصطدم بالواقع! وفي حقيقة الأمر، بلى، خاصةً إذا كان هذا الواقع يستحق تسليط الضوء عليه، أو كانت قضية مأساوية منسية تستحق الطرح…
والأمر سيان بالنسبة للأفلام السينمائي الخ ..

لكن إن كان الواقع يميل إلى السوداوية، والكتب وغيرها من الفنون المختلفة سوداوية أيضًا، فأين المفر؟ أليس من واجب الأدب والفن بأنواعه أن يكون المهرب والملاذ الآمن الذي ينتشلنا من رمادية العالم، من همومنا اليومية ومسائلنا الشائكة؟ أليس من المفترض أن يكون هو المخرج السري الخاص بنا، الذي يجعلنا ندخل عالمًا أقل ظلمة، ويجعلنا نصدق بأن العوض موجود، وأن النهايات السعيدة من نصيب الأشخاص الطيبين الذين ناضلوا على مدار الأحداث، وأن الحبيبين يلتقيان في آخر القصة لأن الحب دائمًا ينتصر، أو أن الجائع سيشبع لا محالة ما دام يعمل ويأمل، وأن الحزن لا يدوم، والفرح يتجدد ليشمل العالم أجمع، وحبل الكذب قصير يلتف على رقبة صاحبه ويخنقه في النهاية، والأشرار الظلمة لا يصفق لهم، بل يتم نبذهم واحتقارهم، أما عن نهايتهم فهي قاسية وعادلة كفاية، لأن القدر يتربص بهم وبأعمالهم، فظلمهم يتبعهم مهما طال الزمن أو قصر…

ألن يولد هذا شيئًا من الأمل أو بريق الأمل في نفس القارئ… ذلك الأمل الذي نهرب إليه ونستظل بظله.. ونستأنس بوجوده .

– حنين العصيمي

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

وفِي شدائد الأفكار هزائم الأفعال

نوره بابعير

وفِي شدائد الأفكار هزائم الأفعال

ربّما فاصلة تُصنع الغرابة في كل شيء لكنها تقود السّير على قوة جسورها ، تفرّق الفَهْم بين المبدأين ، هناك من يُنهي الفهم وأخر يبتدأ مع تلك النهاية التي تمثلت فيها كل الأشياء على أنها في أطراف فهمها ، لكن تشبثت في حقائق تكاثرت من منابت وحيها .

الفَهْم وحدهُ من يفسر المعنى المخبأة في جدار الكلمات و تلامس العقل على مَدَى انتقائها ، تلك التساؤلات التي تطرح من العقل لم تكن كافية ليدرك الإنسان أن على شرفة الفهم أحيانًا الأجوبة تضع الفاضلة الحقيقية بين كل سؤال و اخر ، تبين المستوى المخزون من وعي الإنسان ثم تشكلك في نضج عميق يوهبك الإنتباه و تنبؤات لتستطيع أن تقف أمام موقفك بوضوح .

التأني الذي يجتاح العقل و يملأ عليه السكون هو البصيرة التي يحتاج إليها كل إنسان ويظن أن أعتمد عليها من خلال العين ، لا أدري ربّما عين القلب أقوى لترى ما يحجب عن النظر نفسه ؟

الانشغالات التي تصيب العقل قد تجعله خاليًا من الإنتباه فيبقى في انغماس لا يمثل حقائق الوعي بقدر خدائعة ، لأبد من الفصل و تفعيله للعقل ، حتى يتمكن العقل من أحياء وعيهُ ، النجاة التي يبحث عنه كل إنسان هو دافع العقل الناضج ، قد يرغب في النضج لكنه متجردا منه لا يعرف كيف السبيل إليه ، يرى أنه ناضجًا ولكن من الداخل يعرف النقص الذي لم يغطيهُ ذاك النضج حتى يصبح شامخًا ، الفواصل هي تشبة المراحل كلما أيقنت أنك تفهم زادت عليك المفاهيم من غيرها ، وتشعرك بالاستيعاب الواعي دون الفراغ ، القوة التي تستطيع أن تكونها ، هي الذّات التي تمتلكها ، الاستثمار بالذّات نجاة دائم يجعلك تقفز دون مخاوفًا من المساحات التي سرت عليها أو سوف تقف أمامها ، تؤمن بأن العقل الذي يحتوي النضج هو عميق بما يفهم ويفسر و يحلل الاشياء على رغباتها ثم يلامس الرغبة التي يتحقق من خلالها نجاحه ، التعامل مسألة أخرى تبين لك القيمة من ذلك الأثر ، لكنها بينك وبيّن ذاتك تجعلك أكثر دقة فيما تفكر ، تلك الأفكار الصاخبة تعطيك الأفكار الراكدة ، وبين الركود و الصخب غزارة وعيا شاق لكنهُ اثلج الشعور في انفعالات موقفه ، يبقى متوازيا لا يملك الاحتراق الذي يفسد كل شيء ولا يملك البرود الذي يبهت الأشياء كلما وقع يجد أنه حكيم نفسه لا شيء ياخذه منه سوى إرادته فيما يرغب .

أحفظ مسافة عقلك مع الاشياء حتى تستطيع أن تنجو من الفوضى ، من الثرثرة الفارغة بلا وعي ، من الزوائد الخالية منك ، من قلة الفرص ، وأتساع القبول ، من دهشة الأفكار ، واتزان الأفعال .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

نظرية السيارة الحمراء

سارة العتيبي

في موسوعةِ الخيال تخيَّل بأنك تقودُ السيارة متوجهاً الى العمل، وتم سؤالك كم عدد السيارات الحمراء التي رأيتها اليوم في الطريق ؟
من المحتمل .. لن تعرف الإجابة؛ لأنَّك لم تبحث عنها بمُبالاة ولم تُعرها اهتماماً.
ولكن ماذا لو تم اخبارُك قبل أن تقود سيارتك الى العمل بأنّ تلاحظ عدد السيارات الحمراء في طريقك ؟
وبالمقابل على كل سيارة حمراء تجدها ستحصل على 100 دولار نقداً، ستلاحظ نفسك بدأت بالبحث عن سياراتٍ حمراء تلقائيًا وبوعيٍ تام وبتركيزٍ أكبر، وسوف تبدأ بملاحظة سياراتٍ حمراء موجودة في كل مكان وسيصبح عقلك اكثر وعياً بها، وبذلك ستبدو السيارات الحمراء وكأنَّها تتكاثر بينما هي في الواقع عكس ذلك.
نظرية السيارة الحمراء (Red car Theory) هي نظرية تشير إلى آلية إدراك الفرص المحيطة وملخصها أن إدراك الأفراد للفرص المحيطة بهم يتأثر بما يختارون التركيز عليه من أهداف، وعليه سيشعرُ الفرد كما لو أن الفرص زادت من حوله بعد أن ركز على هدف معين.
آلية تطبيق نظرية السيارة الحمراء:
يمكن الاستفادة من نظرية السيارة الحمراء في تحقيق إنجازات عديدة على الصعيدين الشخصي والمهني، ويمكن تطبيقها من خلال برمجة الدماغ على التفكير بالطريقة الآتية : التركيز على الهدف المراد تحقيقه وإمداد العقل بالكلمات المفتاحية التي تساعد على ذلك، – وبناء تصور عقلي يركز على النتيجة المراد تحقيقها من الحصول على الفرص، والمثابرة في التركيز على الأهداف المرجوة، وتوسيع الوعي بالفرص المحيطة.
• عندما تسيرُ في الحياة وأنت غير واعي بما يدورُ حولك، ستمرُ الحظوظ والفرص وانت لم تعرها اهتماماً قط، إنَّ كلُ شيءٍ يمكن تحويلهُ الى فرصة!. كُن أكثر وعياً واستمِر في البحث.

يا ترى كم سيارة حمراء ستلاحظها اليوم؟

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

العلم نورٌ وضّاء

أ.بشاير خالد الصفران

العلم نورٌ وضّاء
الكاتبة: أ.بشاير خالد الصفران

تتجلى حكمةُ الانسان بمدى ادراكه بمستويات الاحداث، فالإنسان الحكيم هو انسان مُتزن انفعالياً وعاطفياً وهو ايضاً ناضج فكرياً ومعرفياً، وصفة الحكمة هي هبة من الله يؤتيها من يشاء من عباده، فنسأل الله باسمه الحكيم ان يؤتينا الحكمة التي من اوتيها فقد اوتي خيراً كثيرا، فعندما اتأمل بتفاصيل هذه الصفة الذهبية اشعر وكأنني ابحرت نحو عالم واسع من الجَمال، فالإنسان الحكيم يُحجم الأمور بما يُناسبها من مقياس فهو لا يعير اهتمامه لتوافه الأمور، لأنه على فقه ان وقته ثمين ولا توجد لديه مساحة لتوافه الأمور ان تأخذ حيّزاً من حياته، فالإنسان الحكيم عالياً بعقلانيتهِ ورَشاده، مُحلقاً نحو آفاق العلم الرصين، والثبات هو اجزى ما يستوطن مُهجته، ويتمتع بسمو ذكاءه الاجتماعي وزهو احتوائه للمواقف بكل حنكة وفن، والعلم نورٌ وضّاء يُضيء المَدارك ويرتقي بها لأقصى سلالم المعرفة والفِكر السديد، والغنى هو غنى النفس وملؤها بما ينفعها من علم ومعرفة وتهذيب للذات، وغنيمة القناعة والرضى التي تُعلينا طمأنينةً وسلاماً داخلياً، ودقة اختيار الحروف والكلمات في حواراتنا وانتقاء الانقى والارقى كي تبقى مخلدةً في العقلِ والقلب. ما أجمل أن يُعز الانسان نفسه بالعلم والتعلم وما ألطف أن تكون نظرته لتفاصيل الحياة إيجابية وفؤاده مُشبعاً بالتفاؤل والتلألؤ السامي، منعماً بالرحمة وتفاصيلها الحنونة التي تشبه علو الغيمة البيضاء في سِعه السماء الزرقاء حيث ان الرحمة حياة ومن يتحلى بها فقد حَيا، فجمال الرحمة تطغى على روح الانسان بهاءً وجاذبيةً بقلبٍ مشع بألوان الحنية التي لها رونقاً فريداً وتأثيراً واسعاً تتمركز في لُب الانسان كإشراقة الشمس المتجلية التي تعلو لتلون دُنيانا بأشعتها البراقة، وبألطاف نسيم الندى المنعش الذي يسمو بنا لنرتقي كفراشةٍ بأجنحةٍ زاهيةٍ وبروعة ألوانها الملفتة وحُسنها، العلم خيرٌ من الجهل، فالعلم نور للعقل وتاجٌ مرصع بالمجوهرات الفكرية والمعرفية الشامخة، أما الجهل على عكس ذلك تماماً فهو يقود بك للانغماس بالتوافه والغرق في بحر هائجٌ ومُعتم، العلم والتعلم رِفعة وعِزة للعقل البشري، تبّصر ذاتك جيداً أيها الانسان، وأكرمها بما يليق بها من علم ومعرفة وجَمال، فالجمال مكنون بالعقلِ والمنطق فإذا ارتقى العقل ونضج نقى اللسان وسَما، وأعلم أيها الانسان أن الله لا يكلف نفساً إلا بقدر استطاعتها وتحملها لأنه أعلم بك سبحانه من نفسك ويعلم ما تستطيع أن تتجاوزه كي تكتسب العبرة والقيمة المستفادة من الحياة.

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

غازي القصيبي ” سيرة لا تنسى في حقائب الأدب “

نوره بابعير

هناك شخصيات تحفر لنفسها البقاء القيم حتى من بعد رحيلها تجعل من أفعالها دور في تفعيل الآخرين لم أجد شيئًا يثير الدهشة مثل الأديب غازي القصيبي كانت الأيام تصور كل تعاملاته الحقيقية مع الحياة مع تلك المناصب الذي كان يتحول معها في كل مرة يصنع الآمل في مساحاتها ليوقظ الإنجاز على أكتاف غيره ، كان متنبهًا في تهذيب ذاته متألقا فيَ ارتقاء الرُّوح واللين ، ممتلئًا بالحياة الشغوفة إتجاه إنجازاته و خبرته العملية و الثقافية ، يرى أن الثقافة هي المحرك الأول في تغيير إعداد داخل الإنسان ثمّ ذلك الفعل يرتب العقل نحو صواب منطقيته ، لم يقف عند عتبه واحده ولا يهمل كل خبرة معقدة ، كان يرى الحق في المشاء وينسجم مع المتاهات حتى يخلق الضوء بنفسهُ ، و يروي الحكايات ليغيره و يلبس ثوب الحكمةً من مأزق مواقفه ويتحلى بالنضج من تجارب فعلهُ .

كان متوازياً في الفكر العملي خلق الإدارة في الإرادة و اللين في العاطفة ، كان يسعى في النهار منجزاً و كان يغني في المساءُ شعرهُ ، اجمع بين عقلاً ناضج و قلباً شاعرًا، تلك السطور الذي بقيت أثارها فوق صفحاتهُ حملت إلينا كل المتاعب الذي مال فيها و انتصبت به و تلك القراءات التي كان يتحدث عن وعيها ظلت تنمو مع اتزان رؤيته فيها ، وتلك اللقاءات التلفزيونية التي كانت تأخذ من اقوالهُ البساطة في الحوار و العمق في الجواب كلها كانت تأخذ بأيدينا إلى تغيراً جذريًا يصقل فينا المعرفة التي تملأ علينا فراغ عقولنا منها ، وتجعل من الهزائم التي نقع فيها دافعًا قوي يؤهلنا إلى قفزات غيرها .

كان شاعرًا يصنعُ من الكلمات جمالها و من الإلقاء أثراً علَى مسامعنا ، وحينما تغيب عنا لم يغيب بل ظل رفيقاً للأشياء المحفورة به في الأدب والعمل الإداري ، أصبحت الإدارة ترتبط باسم غازي القصيبي وكأنه يبلل الأشياء بمفهومًا بدا منه واتسع باجتهاد زائره ، لم يكن قاسيًا بل كان يحاول إن يفهم الأشياء بمعانيها لا بمعتقداتها المرتكزة على مخيلاتها، تعلم ليتمكن من ثمار نفسهُ و حينما أثمرت ارضهُ كان يشارك النَّاس خير علمهُ و رقي فعلهُ و انتقاءه فكرهُ وتعاملهُ مع الآخرين و الحياة بما تحملهُ من حكايات البهاء و بقايات الإبداع و نهايات موثرة و قناعات واعية .

الأديب غازي القصيبي ، شخصية مبدعة لم يكن قاصدًا في حديث عنه كانت الأشياء كلها تتحدث عنه تخبر القارئ عن مدى الأفكار التي ترافق الكتابة الذي كان يمارسها ، و عن الإشعار التي أزهرت على مشاعرهُ فكأن أهلاً لها ، أبرز لنفسه المكانة القيمة وإلى الآن تحمل في داخلها حكاية الأيام و صقل الخبراء و صناعة المهن و الإنجازات .

موضوعات متنوعة, نادي أعضاء جدل

أعجوبة معجزات الخالق

أ.بشاير خالد الصفران

أعجوبة معجزات الخالق

ليلةٍ كباقي الليالي الهنيّة يشيد عنوانها بديع الخلق الجليل، ففي وسط ظلام الليل الدامس كنتُ جالسةً اتأمل جمال تلألؤ السماء بالنجوم البراقة وبهاء البدر المنير في وسط السماء عالياً ومضيئاً، لوهلة عَلا معه فكري بأعجوبة واصبح مضيئاً كضياء وجه المؤمن النقي، حيث ابحرت بعمق المعاني والأماني التي ليست على الله مستحيلة، عندما اتبصر عظمة الله سبحانه وجلاله اشعر وكأن القلب يرتوي بماء عذبٍ يملئ الفؤاد ويطهره، وعندما اتبصر لطف الله الخفي بعباده وكأن القلب له اتصال بربٍ رحيم يشعر بحال عبده ليُخرجه من الظلمات إلى النور، ومن الجزع إلى الصبر، ومن القنوط إلى الأمل، معجزات الخالق تستحق التأملات، فكم من مريضٍ شفاهُ الله، وكم من حزينٍ جبر قلبه، وكم من مهمومٍ قر عينه، وكم من منتظرٍ أعطاه الله حتى ارضاه، هو الله ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء، ومعجزات الله ليست كمثلها معجزات فهو يختار لنا ما هو الأنسب لحياتنا دائماً ويرتبنا ويرتب أمور حياتنا بما يراه خيرٌ لنا وتجهلهُ محدودية إدراكنا لخيرة الله واختياراته، هو الله الوهاب يهبنا من نعيم الدنيا والأخرة حتى يُرضينا ويجبر شروخ قلوبنا، هو الله السميع يسمع أنين اللب في غسق الليل ويرى جروح مُهجتنا لكنه ليس بغافل حاشاه جل جلاله، فسبحانه يعلم أنك قادر على تجاوز ما ينزل عليك من شدة، فاللطيف لا يحمل نفساً إلا وسعها، فعليك أن تعمل بالأسباب وتلجئ إلى الله حباً وطاعةً وتطلب منه طلب العبد التقي، أن يُذهب ما حل بك من سخط، وأن يُنعم عليك بالخيرات والعوض الجميل، فبعد الصبر عوض جميل من الله ومع العسر دائماً يسر وفتحاً من عنده جل جلاله، حيث اقسم الله سبحانه في كتابه الكريم مرتين في سورة الشرح تحديداً وقال: إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، ففي مجمل الآية الشريفة يتبين عظمه ولطف الله بعباده وان الشر يعقبه خير وان العتمة تعقبها رؤية ونور وان الحزن يعقبه فرح وهناء، فلا تظن أن الأزمات والمحن دائماً من غضب الله عليك وكن متيقظاً وتبصر جيداً أن أشرف الخلق الذين هم الأنبياء ابتلاهم الله سبحانه، فالابتلاءات ليست دائمة والأحزان ليست دائماً كالغيمة السوداء تلاحقك أينما ذهبت، دائماً هناك جانب مشرق في كل امر، وجه فكرك ونظرك للجانب الجميل في حياتك، تبصر عطايا الله لك وكن راضياً وقنوعاً بما لديك، ولا تمدن عينيك لما عند غيرك وأشعر بالامتنان والشكر لله عز وجل بكل ما انعم به عليك، فبالامتنان يطمئن القلب ويهدأ الفؤاد، لا تقلق حول أمور تظن انها تسير بميلان لكن تبصر قدرة الله وستدرك أنها مستقيمة، فمن كان مع الله لن يخيب ومن توكل على الله تباركت حياته بل والاجمل صحح له نظرته للحياة فأصبحت الظروف التي كان يراها ألم اصبح يراها خير من الله بل وأمل، فالقرب من الله دائماً حياة وهناء وخير، ما أجلً أن يكمن في جوهرنا اليقين والثقة بالله سبحانه، ففي سورة الزمر اية تحفها الطمأنينة من كل جانب، حيث قال تعالى: أليس الله بكافٍ عبده؟، هذا الاستفهام الذي يورث في القلب السكينة هذا السؤال الذي يضخ المهجة أماناً ويجدد الروح في الجسد، والجواب بين ثنايا العبد وقلبه، فأليس الله بكافيك أيها الانسان؟ أيها العبد المأمون لك ربٌ أقرب اليك من حبل الوريد، ولك ربٌ يقول ادعوني استجب لكم، ولك ربٌ امرهُ بين الكاف والنون، فليطمئن قلبك ولتهدأ نفسك فلك ربٌ قريبٌ مجيب.

الكاتبة: أ. بشاير خالد الصفران