أناشيد طائر الهوما سرد شائق لأشكال الصراع الإيديولوجي وتجلياته في فضاءات متعددة | بقلم : نذير جعفر
متعب بن ظمنه في روايته: أناشيد طائر الهوما»
سرد شائق لأشكال الصراع الإيديولوجي وتجلياته في فضاءات متعددة
في روايته السابقة: «عرش من الرمال»بجزئيها، انشغل الروائي والقاص والسيناريست الكويتي متعب بن ظمنه بصحراء الجزيرة العربية وعوالمها في ماضيها البعيد، وما دار فيها من صراعات وحكايات حب وطموح ووفاء وغدر، وصراع على السلطة والنفوذ، مستبطناً أسرارها وأساطيرها وطبيعتها الموزعة ما بين الرمال المتحركة والجبال الشامخة، ومشاغل قبائلها وزعمائها في مواطن إقاماتهم وترحالهم، وفي أحلامهم الشاسعة وواقعهم المتأرجح ما بين مواسم الخصب والجفاف.
ومن الصحراء في الماضي البعيد بما تثيره من أسئلة وشجون بوصفها قيمةً جمالية مطلقة معادلة للحرية من جهة وخاضعة للأعراف والتقاليد من جهة ثانية، يخطو الكاتب في روايته الجديدة: أناشيد طائر الهوما … أزمان محمد الأوزبكي وأحواله نحو الأرياف والبلدات الصغيرة والعشوائيات والمدن المكتظة والعواصم المعاصرة بما تضج به من فقر مدقع وثراء فاحش، في سياق صراع متعدّد الأشكال والمستويات والانتماءات القومية والدينية والإيديولوجية، سواء بين التيارات الجهاديّة والسلطات الحاكمة، أم بين قوى الاحتلال الأجنبي وقوى التحرّر الوطني.
وقد استدعى هذا المسار تنقل الشخصيات الرئيسة والمرافقة لها في تنفيذ مهماتها الجهادية بين دول وعواصم ومطارات عدة أجنبية وعربية، تبدأ من بلدات حيرات ومزار شريف وبلخ الملقبة بأم البلاد وطشقند في أوزبكستان؛ مروراً بكابول في أفغانستان، ومكة المكرّمة والطائف وجدة في المملكة العربية السعودية، وبعقوبة والموصل والحديثة في العراق، ودمشق ودير الزور في سورية، ودبي، وأثينا، وصولا إلى نهاية المطاف وخاتمة الرواية معاً عبر مهمة جهادية في تل أبيب، من دون أن تغيب كل من روسيا وأميركا عبر دور كل منهما في أفغانستان والعراق على نحو خاص.
الشخصيّة المحورية التي تبدأ الأحداث معها وتتمحور حولها وتستمر حتى توقفها، هي شخصية محمد الأوزبكي الذي يشكّل الثّيمة الرئيسة في عنوان الرواية: «أناشيد طائر الهوما … أزمان محمد الأوزبكي وأحواله». والربط بين محمد الأوزبكي وطائر الهوما لا يتوقف على العنوان وحده بل يشمل في رمزيّته السرد برمته مبنى ومعنى ودلالةً في هذه الرواية. فطائر الهوما كما جاء في استهلال الرواية: «يقضي حياته محلّقاً في الهواء، يرتحل بين عوالم مختلفة، ويعيش أجواءً متنوّعة لم يعرفها كأنه محكوم في كل مرة إلى البدايات، يطل من عليائه إلى شخوص يحاولون الاتصال به وهو يلامس الغيوم ولكن نهايته تكون حين يلامس الأرض ويتناثر على أديمها إلى أن يصحو مرّةً أخرى». وهذا التوصيف يتطابق تماماً مع شخصية محمد الأوزبكي ومساراتها وأفعالها كما سيراها القارئ في إقاماته المتعدّدة وترحاله من بلد إلى آخر برّاً وجواً بحكم إيمانه بعقيدته نصرةً للمظلوم، وتكليفه بمهماته الجهادية ردا على قوى الاستعمار والاستكبار، وتنفيذه لتلك المهمات يحيل إلى أناشيده وكذلك إلى أزمانه وأحواله المتعدّدة والمتباينة التي تتقاطع مع مراحل حياته وتنقلاته أرضاً وجوا عبر سرد تتجاور فيه النزعة الواقعية الصرفة مع التخييل الفني الشائق والساحر.
تتبع عنوان الرواية الرئيس عناوين فرعية تشكل نقاط ارتكاز وتشويق للقارئ، وتلقي بظلالها على المشاهد السردية موحية بدلالاتها من جهة ومحفّزة على متابعة القراءة بما فيها من جماليات المجاز وجاذبيته وتنوعه من جهة ثانية، نحو: (ذاكرة الشتات) الذي يحيل إلى تنقل أسرة محمد الأوزبكي في طفولته وشبابه ما بين أوزبكستان وأفغانستان ضمن بلدات وأحياء ومدن وما عانته من مشقات في التأقلم لا سيما في الأحياء العشوائية. ومثله (الروائح التي تسكننا) الذي يشير فيه إلى روائح الخوف والقتل والرعب من الرجال المتجولين في الأحياء الشعبية ببنادقهم الآلية. والسائرون إلى الجنة) والمقصود به الذين استشهدوا في مذبحة أنديجان وسواهم من ضحايا الحروب المشتعلة. وقريباً من الكعبة) وفيه مقاربة لقداسة المكان وروحانيته. وبنادق الآلهة): هي التي لا تخطئ صدور الكافرين. و(أخوة يسكنون الهوامش المقصود به سكان أرض السواد في العراق. وأشلاؤهم الطرية) يسلّط الضوء على المتاجرة بأعضاء ضحايا التفجيرات، ورأيت المعبر): يصور سبيل النجاة من تفجير أودى بحياة الآخرين الذين تحولوا إلى أشلاء . و (طيوف هيلاس الشاحبة) الذي يرصد وصول محمد الأوزبكي إلى أثينا ووصفه لها. ومزامير الدسائس الخفية) الذي يكشف خطط تغيير خرائط الشرق الأوسط. ومغامرات غير آمنة): يصوّر رحلة محمد الأوزبكي مع مرافقه اليان في الطائرة من مطار ابن غوريون بجواز سفر مزوّر للقيام بمغامرة إخفاء الطائرة الماليزية عن الرادارات لتهريب أحد المطلوبين. وضفاف الموت البارد) وفيه رصد لمسار السفر من أقاصي أفريقيا إلى موسكو وما يترتب عليه من مخاطر وأناشيد القربان الحي): وفيه لقاء محمد الأوزبكي ومرافقه اليان بالرئيس ترامب في قبو عمارة ضخمة في تل أبيب خلف البنك الفيدرالي وسماع أحد الحضور مخاطباً ترامب بأن دولا كثيرة ستتلاشى عن وجه الأرض.
تحيل هذه العناوين الفرعية إلى أحداث الرواية الأسرة بوصفها نقاط استناد وتذكير للقاري وتحفيز له بما فيها من صدق فنّي وعاطفي يعزّز مسارات السرد الذي يوحي أكثر مما يقول محققا بذلك المتعة الجمالية من دون كلل أو ملل.
الصيغة السردية
جاء معظم السرد في أناشيد طائر الهوما من الصفحة الأولى حتى (237) بصيغة ضمير المتكلم first- person narrative التي توهم بتماهي صوت الراوي في النص مع صوت المؤلف الحقيقي في الواقع، كما توهم بواقعية التجربة، وحقيقية الشخصيات. ومن هنا يأتي الربط الظالم بين شخصية المؤلف وشخصيّة بطله مع أن السرد بضمير الغائب أو المخاطب قد يكون أحيانا اختيارا فنيا حتى في مجال رواية السيرة.
في هذه الصيغة لا يكون الراوي خارج العالم الروائي كما هو الشأن بالنسبة إلى ضمير الغائب، بل شخصيّة مركزية فيه، أو شخصيّة مشاركة في صنع أحداثه. وهذا ما يسمح بتأويل خطابه بوصفه خطابا للمؤلف، وتحديد وجهة نظره بوصفها وجهة نظر المؤلف نفسه. مع أن آلية التحليل النصي لا تقتضي ذلك إلا إذا كان هناك قرائن مُرجحة .
يتتالى السرد في هذه الرواية عبر ضمير المتكلم محمد الأوزبكي الذي يتقمص شخصية أوري الإسرائيلي ولا يكتفي بنقل الأحداث، أو تصويرها، بل يشارك في صنعها كطرف رئيس فيها، وبذلك يقف معها لا وراءها، وهذه الصيغة أتاحت للشخصيّة إمكانية البوح الذاتي في استحضار ماضيها، وعلاقتها بالحاضر، وما رافق ذلك من تداعيات، وذكريات وتعليقات تستوقف القارئ، وتحفزه على
التأمل كطرف مشارك في العمل الروائي. لكن اقتحام سرد السيرة برنامج السرد الروائي، جعل صوت الراوي المتكلّم «محمد الأوزبكي / أوري» بؤرة مركزية تطغى على ما عداها وتصبغه بصبغتها.
وحينما يغيب صوت الراوي المتكلم محمد الأوزبكي أوري في الربع الأخير من الرواية على أثر التفجير الذي أصيب فيه يحضر صوت الراوي الغائب الذي يسم الرواية الكلاسيكية على وجه الخصوص ويكون فيه الراوي هو، هي، هم مهيمناً، خارج نطاق الحكي، يقف وراء الأحداث والشخصيات، ويوجهها من بعيد نحو مصائرها . وهذا المنظور قد يبدو الراوي من خلاله حياديا حيناً، ومجرّد شاهد على ما حدث، فيقنع قارئه بخطابه، أو منحازاً حيناً آخر لفكرة يحاول الانتصار لها بتدخله المباشر، فيثير الشكوك حول مصداقيته الفنية والإيديولوجية.
الشخصية الروائية ونماذجها في أناشيد طائر الهوما تقسم الشخصيات الروائية من حيث أفعالها ، وأقوالها، ودوافعها المعلنة والمضمرة، ومصائرها إلى:
شـخـصـيــات مــركـبـة «ديـنــامــيــة dynamics»، أو كما يسميها بعضهم معقدة، نامية، مــدوّرة(1). وهي تمتاز بالتحولات الدرامية والتراجيدية التي تطرأ على سلوكها وأفعالها ومواقفها داخل البنية الحكائية فتنقلها من حال إلى آخر، ومثالها شخصية «محمد الأوزبكي / طائر الهوما / أوري» الذي دفعه إحساسه بالقهر والظلم ومعاناة أسرته
وتدخل القوى الدولية في مصير بلده إلى الالتحاق بالجماعة الجهادية وإتقان العمل على الحواسيب واختراق برامج البنوك وتحويل ما يلزم والقيام بمهمات خطيرة تكلّفه بها جماعته قادرة على النفاذ إلى الدوائر الأمنية واختراق البرنامج الانتخابي للولايات المتحدة الأميركية وحركة المطارات وتحويل خط سير الطائرات وغير ذلك.
ومثله خاله عبد الرحمن وشخصيات عدة من المجاهدين والقيادات الأفغان والأوزبك والعرب التي أطبقت شهرتها الآفاق. وتلتحق بهذا الركب شخصيّات نسوية عدة أيضا منها الشابة غولنار التي تقاذفتها أقدارها إلى مصائر متناقضة سلوكا وممارسة مع نفسها والعالم من حولها إلى أن تنتهي بالالتحاق مع المجاهدين والعمل مع عدد من النسوة في إعداد الطعام لهم. كما تبرز شخصيات نسوية تقوم بأدوار بارزة مثل زارينا، وبراخا .
شخصيّات رئيسة ( محورية) تستأثر بالتبئير السردي، وتوجه دقة تفاعلاته، مثل شخصية والدة محمد الأوزبكي «مريم» التي تُعدّ نقطة تبئير مركزية تنطلق منها وتتلاقى عندها مجمل الأحداث وشبكة العلاقات التي تربطها بمحيطها وامتدادات أسرتها من الأم والأب إلى أجداد أجدادها بما فيهم الأبناء والبنات مشكّلة بذلك دائرة واسعة من العلاقات التي تكاد تربك القارئ بحيثياتها. شخصيّات مرجعية: (تاريخية دينية سياسية): لهذا النوع من الشخصيات حضورها في الوعي الجمعي، وتأثيرها المسبق على التلقي وتوجيه مسار القراءة، مثل الملا عمر، أسامة بن لادن ترامب إسلام كريموف، رستم عنايتوف … إلخ.
تلك وقفة موجزة عن رواية تستدعي دراسة موسعة تلم بمجمل تقنيات خطابها وشخصياتها ودوائر الصراع فيها، حتى يفيها الدارس حقها.
بقلم: نذير جعفر
المصدر: جريدة البيان