المدونة

فصل من رواية التحقيق لـ : خوان خوسيه ساير

سواء أكان رجلًا أم شيئًا آخر، خرج ذلك الشخص، أو ربما الكيان، وسط ضوء الغسق العكر، وتماهى مع اختلاجات البشر وسط أفول النهار الذي كان يبزغ مرة ثانية من دون سب معروف مع أضواء الفجر الأولى؛ كي يصطاد العجائز الضعيفات العزلاوات، مع أن تسمية فعلته بالصيد قد تبدو لا معقولة؛ بسبب طابعها الساخط وأسلوبه المتأني الذي يصبو إلى الكمال في ارتكاب الجرائم.
حين وقف مورڤان، في ذلك المساء الشتوي، بالقرب من نافذة غرفة مكتبه في «المكتب الخاص»؛ بعد أن عاد من الغداء، وهو ينظر عبر أغصان شجرة الموز المشذبة إلى السماء البيضاء التي تنذر بتساقط الثلوج، كان هذا الطيف قد ارتكب جرائمه -وقد أخبرتكما أن تتشبثا جيدًا بمقعديكما- سبعًا وعشرين مرة.
تمرغ الرجل المتوحد الذي ارتكب هذه الجرائم في وحل الجنون من دون أدنى شك؛ لكنه لتنفيذها على أرض الواقع وظف أكثر أشكال نفاذ البصيرة تنوعًا سواء أتعلق الأمر بالدهاء أم بعلم النفس أم بالمنطق؛ إذ تبين تحليه بمهارة دقيقة في تعامله مع الأُطر المادية، وتجلى هذا في الغياب التام لكل الأدلة التي يُمكن التحقق من ثبوتيتها بخصوص جرائمه وتنقلاته. يبدو أن الإغراء الكلاسيكي الشائع بين الكثير من المجرمين المصابين بجنون العظمة لتحدي الشرطة كان مُضمرًا في سلوكه؛ فبعد إنشاء «المكتب الخاص» في جادة «ڤولتير»، بدأ يتصاغر ما قد يُسمى بنطاق تحركاته، وضاق محيط الدائرة الداخلية التي يرتكب فيها جرائمه قليلًا حول المكتب، وهكذا ارتكب جريمته الأخيرة -السابعة والعشرين- قبل ذلك المساء بأسبوع، على بعد مربعات سكنية قليلة منه، ونفذها بمهارته الأسطورية وقدرته المعتادة على الإفلات من العقاب. رجاء لا تنسبا هذه الحقائق البديهية، التي يتمازج فيها الخبل والمنطق وحب المخاطرة المرتبط بجنون العظمة والإصرار المسرحي الطوبوغرافي،إلى ابتذالٍ ما في روايتي؛ إذ إن سببها آلية غامضة مُحكمة إلى حد الاختناق أجبرته على تنفيذ خطته الهوجاء للإبادة بالأساليب نفسها التي تظهر في روايات الصحف المسلسلة، ولأسباب لم يدركها على الأرجح.
كما قلت لكما، ارتُكبت الجرائم الأولى في الحيين العاشر والحادي عشر؛ لكن آخر ثماني عشرة ضحية سكنت الحي الحادي عشر. قررت القيادات العليا في «فرقة مكافحة الجرائم»، وبالتأكيد وزارة الداخلية، إنشاء «المكتب الخاص» تحت قيادة مورڤان، في جادة «ڤولتير»، لتسهيل الأمور. هكذا، صار تحت إمرته خبير في الحوسبة، وسكرتيرتان وستة عملاء يرتدون الزي الرسمي، وثلاثة من أفراد الشرطة السرية، والمفتشان كومب وجون، والمفوض لوتريه. عمل المكتب طوال ساعات اليوم الأربع والعشرين؛ كأنه مخفر، وضمت الشقة الواسعة التي خصصها له مجلس البلدية حجرتين يُمكن استخدامهما كغُرفتَي نوم، ومطبخًا أُنشئت فيه قاعة للمؤتمرات الصحفية. وفَّر المخفر المقابل -ومكانه في إحدى البنايات الملحقة بمجلس البلدية- بقية طاقم المرؤوسين بين عملاء ومخبرين وسُعاة وحُجَّاب ومساعدين، وعربات إسعاف وأجهزة خلوية؛ بخلاف مواد لوجستية كُرِّست على وجه الخصوص للعمليات الطارئة. إذن، يُمكننا قول إن مورڤان قاد مجموعة من المحققين من أصحاب الباع الطويل، وقوة تدخل سريع، كما ظل في الوقت نفسه على اتصال دائم مع شبكة من فقهاء القانون، والوشاة، والساسة، والأطباء النفسانيين، والاختصاصيين الاجتماعيين، والأطباء، والجمعيات العائلية، ولجان الأهالي، والصحفيين. داخل هذا الصخب، عانى مورڤان بسبب طبعه المائل قليلًا إلى الوحدة، لهذا أناب المفوض لوتريه في التعامل مع أغلب جوانب العمل التي تتطلب ظهورًا علنيًّا؛ فحقق الأخير صيتًا واضحًا بفضل تصريحاته أمام الإعلام وظهوره المستمر في التلفزيون. من المستحيل -كما يقول التعبير الشائع- أن يتخيل المرء شخصين أكثر اختلافًا منهما، وهي مسألة سأطلعكما على تفاصيلها لاحقًا. ورغم ذلك، أودع مورڤان ثقته الكاملة في لوتريه الذي كان -إحقاقًا للحق- أفضل أصدقائه منذ سنوات عديدة. لكن دعونا لا نستبق الأحداث؛ فما ينبغي معرفته الآن هو أن العملية الأمنية التي رسمتها «فرقة مكافحة الجرائم» لم تأت، طوال الأشهر التي عملت فيها، بأي نتيجة؛ مع أنها -على الأرجح- كانت الأكثر تطورًا وتأقلمًا مع الظروف في القارة كلها. أُلقي القبض على خمسة أو ستة مشتبهين، وحدث هذا -إحقاقًا للحق- بطريقة عشوائية، ثم أفرج عنهم بعد استجوابهم. حين جرى التحقق من البلاغات الواصلة -وأغلبها مجهولة- تبين أنها كانت خاطئة أو كاذبة. كذلك كلما وقعت جريمة قتل لم تأت مكالمات لتبنيها في اليوم التالي إلا من أشخاص غير متزنين أو مستفزين أو مُحبين للمزاح، وبالنسبة إلى الفتيين أو الثلاثة فتية الذين سلموا أنفسهم طواعية بعد أن أفرطوا في قراءة دوستويڤسكي، فلم يُعاقبوا على جرائمهم الُمتخيلة إلا بقضاء بضعة أيام تحت الملاحظة في «مستشفى الأمراض النفسية». لا حاجة إلى قول إن الأثر المثير بطبعه لهذه الحوادث قد تعاظم بسبب الصحافة والراديو والتليفزيون، بل السينما أيضًا؛ إذ جرى تصوير فيلمين على عُجالة، أولهما بعد الجريمة الحادية عشرة، وثانيهما بعد الجريمة العشرين، وهذا لكيلا نتحدث -حتى وإن شق تصديق المسألة- عن الأدب سواء في صورته المقالية أم الروائية أيضًا. كان المفوض لوتريه بفضل سليقته اجتماعيًّا أكثر من مورڤان بل أكثر مرونة منه من المنظور الأخلاقي، وفقًا لرأي الجميع، لهذا أصبح متحدثًا إعلاميًّا باسم «المكتب». هكذا، صارت هيئته مألوفة لدى مشاهدي التليفزيون في كل أنحاء البلاد، بل القارة كلها. استلطفه الجمهور بسبب النسبوية() التي انتهجها وعادت جذورها إلى الأساليب القذرة نوعًا ما لفرقة «لا موندين»()التي بدأ فيها مسيرته، ومظهره الذي بدا مثل شُرطيي السينما أكثر من رجال الشرطة الحقيقيين؛ ورغم أنه مقامر وزير نساء، ولم يأنف شرب الكحول أو شَد سطر من الكوكايين أحيانًا -وفقًا لبعض الأشخاص- كي يتجاوز شعوره بالإنهاك، فقد تشرَّب الجمهور الذي شعر تجاهه بميل فطري بياناته الإعلامية بمتعة واضحة، وتَجَاهَل أن كل جمله التي شابتها اعتبارات إنسانية وشعارات أبويَّة أمنية، وامتلأت باصطلاحات فنية وقانونية ونفسية وشُرطية، قالت في نهاية المطاف إنهم لم يحققوا أدنى نتيجة ممكنة بعد أشهر من استنزاف الوقت والقوى والمال. ظل أولئك الذين وُلدوا في أزمنة أخرى كي يصيروا بشرًا، وصاروا الآن مجرد مُشترين، ووحدة قياس في منظومات التحويلات الائتمانية، وكسورًا رقمية في نسب المشاهدة التليفزيونية، وهدفًا للافتات إعلانية تُصنِّفهم وفق خصائص اجتماعية ورقمية معينة، يتشربون بين كل ملعقتين تناولوهما من أطعمتهم التي فكوا تجميدها في الفرن أو الميكرويڤ، وهم داخل منازلهم المُكيفة التي ارتطمت بنوافذها ندف الثلج ودفقات المطر المتجمد؛ ظل كل هؤلاء يتشربون بارتياح غير مبرر وسذاجة لا تنضب بياناته الإعلامية التي سجلها سلفًا ومنحتها صورته الغامضة انطباعًا خادعًا بأنه يهمس بها في أذن كل واحد منهم عبر الشاشات المغناطيسية، بل وبأنه يوشك دائمًا على الانبثاق من أجهزتهم التليفزيونية. من جهة أخرى، عرف لوتريه، مثل كل الرجال البارزين في عصره، أن الأغلبية العظمى من سكان هذه القارة -وبقية القارات من دون شك- يخلطون بين العالم الحقيقي وبحر التمثيليات الإلكترونية الشفهية، إلى درجة أنه قد يكفي المرء أن يعرف ما يجب قوله في الإطار المصطنع لتلك التمثيليات كي يشعروا برضا نوعي وإحساس أنهم قد شاركوا في مداولات ستُغيِّر من مجرى الأمور أيًّا كان ما يحدث فيما سُمي سلفًا الحياة الواقعية، هذا إن كان هناك شيء يحدث أصلًا. على الرغم من نهجه النسبوي، وسليقته المُفرِطة في اتقادها (لأنه على الأرجح شاهد أفلامًا بوليسية أكثر من اللازم واستمد سلوكه من نماذج شديدة البدائية جعلت طباعه البوليسية ظاهرة جدًّا للعيان مثل خطاه شديدة الحسم كلما دخل أي مكان، وصفعاته التي خرجت قبل أوانها في الاستجوابات)، فإن لوتريه لم يفتقر إلى البصيرة أو الدقة في استدلالاته، وقدِر على التمييز بوضوح بين الخير والشر -حتى وإن لجأ أحيانًا إلى الدهاء البلاغي لإخفاء المسألة- وهذا أيضًا على الرغم من الأساليب الفاسدة قليلًا التي انتهجها إبان حقبته في «لا موندين»، واستدعت قاعدتها الذهبية غير المكتوبة أن يعمل رجال الشرطة بطريقة المجرمين نفسها تقريبًا لتحقيق أقصى درجات الفعالية. إن تجاهَل أحيانًا بعض التفاصيل بشكل لافت، فقد فعلها على الأرجح لأنه أراد -بطريقة غير مباشرة- أن يدفع الآخرين إلى التفكير في أن المسعى المقصود من هذا التجاهل الظاهري هو أنه يُمكن لأساليب أسرع أن تتوصل إلى ما تتأخر دقة مورڤان المُفرطة نفسها عدة شهور في تحقيقه. رغم ذلك، تشاركا بصفتهما شرطيين خصلة واحدة: لقد اعتادا بشكل غريزي تقريبًا، بعد السنوات التي قضياها في «فرقة مكافحة الجرائم»، انتهاجَ منظومة قياس تراتبية للجرائم؛ فأنفا المجرمين الصغار ومتوسطي الأهمية ولم يضعاهم في باليهما أصلًا، واضطلعا حصرًا بالكبار منهم؛ باهتمام -ربما مفرط- أرجعه الكثيرون إلى الصرامة المهنية، وقلّةٌ أخرى -هي الأفطن على الأرجح- إلى الافتنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *