فصل من كتاب المكتبات في العالم القديم | بعنوان : مكتبة الإسكندرية
مكتبة الإسكندرية
تأسست مكتبة الإسكندرية نحو 300 قبل الميلاد. أو بعد عقود قليلة، كانت الأولى من نوعها، وظلَّت عبر التاريخ القديم أعظم مكتبة على الإطلاق. ومع ذلك، يبدو جلِيّاً أنَّ تلكَ المكتبة قد تأسست على نحوٍ مفاجئٍ ودخلت حيِّزَ الوجود. كانت أقرب مكتبة -من حيث الحجم- إلى مكتبة آشور بانيبال التي أسست لاستخدام الملك وتخصَّصت في تلبية المواد اللازمة لاحتياجاته الخاصة. كانت المجموعة التي جمعها أرسطو معاً -على الرغم من مداها وتنوعها- ذات غايات شخصية بحتة، وهي أداة لدراساته المتنوعة. كانت مكتبة الإسكندرية شاملة، وتضم الكتب من جميع الأنواع ومن كل الأماكن، وكانت مكتبةً عامة، ومفتوحة لأي شخص يتمتع بمؤهلات علمية أو أدبية مناسبة. ما الذي تسبب في نشوء مثل هذه المؤسسة في هذا الوقت بالذات؟ لماذا في الإسكندرية؛ المدينة التي لم تكن أقدم بكثير من المكتبة نفسها؟
أدت الحملة المذهلة للإسكندر الأكبر التي مكَّنتهُ من الفوزِ بإمبراطورية امتدت من موطنه في مقدونيا إلى الحدود الغربية للهند إلى تغيير العالم اليوناني. حتى ذلك الحين كان معظم اليونانيين مواطنين في دول المدن – أمماً صغيرة تتكون من مدينة ومحيطها المباشر. كان لكل منها سياستها وثقافتها الخاصة، وكان لكل منها خصوصيتها واستقلاليَّتها الشديدة. أدت فتوحات الإسكندر إلى وضع حدّ لذلك. بعد ذلك، كانت جميع دول المدن -تقريباً- داخل إمبراطورية واحدةٍ وخاضعةً لسيطرة حاكم استبدادي.
أثارت وفاة الإسكندر عام 323 قبل الميلاد صراعاً لا هوادة فيه بينَ مجموعة مختارة من المقدونيين الذين خدموا بصفتهم ضباطاً رفيعي المستوى؛ يتمتع كل منهم بقدرات عالية وطموح لا يرحم، حيث كان كل واحد منهم قد وضع يديه على بعض ممَّا كان يحكمه قائده السابق. بعد عام 300 قبل الميلاد بقليل، تم تحقيق نوع من التوازن. كانت الإمبراطورية التي شكلها الإسكندر ممزقة إلى ثلاثة أجزاء كبيرة: سلالة الأنتيجونيد، وعاصمتها في موطن مقدونيا؛ التي كانت تسيطر على اليونان. سيطر السلوقيون -مع عواصمهم في أنطاكية وسلوقية بالقرب من بابل- على معظم آسيا الصغرى وسورية وبلاد ما بين النهرين. وسيطرَ البطالمة على مصر وأسسوا عاصمتهم في المدينة التي أسسها الإسكندر عام 331 قبل الميلاد وأطلق عليها اسمه. تُعرف هذه الفترة التي تأسس فيها هذا العالم الجديد من الإمبراطوريات اليونانية الكبيرة بالعصر الهلنستي،واستمرت حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد، وفي ذلك الوقت خرجت عن سيطرةِ الرومان.
كانت ثقافة دول المدن منعزلة ومبنية على عوالم صغيرة يسكنها مواطنوها وتعكس عالمهم. أنتج العصر الهلنستي ثقافة امتدت عبر حدود جغرافية ضيقة، وهيَ ثقافةٌ تتماثلُ مع الثقافة الإغريقية، ولكن بشكلٍ متفاوتٍ بناءً على المكوّن المكاني. لم يكن لدى دول المدن ثرواتٌ كبيرةٌ تحت تصرفها بل اقتصرت على ما يمكن أن تنتجه من موارد محلية؛ أمَّا حكام الممالك الهلنستية فحظوا بخزائن إمبراطورية يلجؤون إليها. تميَّزَ ذلكَالعصرُ باهتمامات فكرية أوسع من ذي قبل وكانَ الحكَّامُ في تلكَ الفترة على استعدادٍ لدعمِ هذه الاهتمامات.
في أثناءِ تقسيم الغنيمة الإقليمية، خرج البطالمة بنصيبٍ أفضل. كانت مصر أغنى بكثير من أراضي خصومها. من ناحية، أنتجت التربة الخصبة على طول نهر النيل محاصيل وافرة من الحبوب، وكانت الحبوب بالنسبة إلى العالم اليوناني والروماني بمنزلةِ الزيت بالنسبة إلينا اليوم؛ فمكَّنها ذلكَ من السيطرةِ على السوق في كل مكان. ومن ناحية أخرى، تميَّزت مصر بكونها الموطنَ الأبرز لنبات البردي، وهوَ ما خوَّلَحكَّامها احتكار مواد الكتابة الرئيسة في العالم. سعى جميع الملوك الهلنستيين إلى تزيين عواصمهم بهندسة معمارية فخمة وبناء سمعة ثقافية. أخذ البطالمة زمامَ المبادرة وتفوَّقوا على ممالكَ أخرى. ركز أول أربعة أفراد من الأسرة الحاكمة على السمعة الثقافية للإسكندرية؛إذ كانوا أنفسهم من المثقَّفين.
كان بطليموس الأول (305 – 282 قبل الميلاد) مؤرخاًومؤلفاً وسارداً موثوقاً لغزواتِ الإسكندر. ومن المؤكَّدِ أنَّهُتخصَّصَ في علم الرياضيات على الأقل؛ إذ يعودُ إليه الفضل في الحصول على إجابة إقليدس حينَ سألهُ عمَّا إذا كانت هناكَ طريقة أقصر لتعلم الهندسة من خلال العناصر، حيثُ حصل على الرد الشهير، «لا يوجد طريق ملكي في التَّعلّم». كان بطليموس الثاني (282-246) عالماً شغوفاً بعلم الحيوان، وكان بطليموس الثالث (246-222) راعياً للأدب، وكان بطليموس الرابع (222-205) كاتباً مسرحياً. اختار كل منهم كبار العلماء والباحثين بوصفهم معلمين لأطفالهم. ولذا ليس من المستغرب أن هؤلاء الرجال سعوا إلى جعل عاصمتهم المركز الثقافي للعالم اليوناني.
كان عليهم أن يبدؤوا من الصفر؛ إذ كانت الإسكندرية مدينة جديدة تماماً حيث كان سكانها يتألفون في الغالب من جنود وبحارة القوات المسلحة للبطالمة، والبيروقراطيين والكتبة في إدارتهم، ومجموعة مختلطة من التجار ورجال الأعمال والحرفيين والنصابين وغيرهم ممن يرون فرصة في ذلك. كما كانت ساحة لعب جديدة. كان لا بد من إبعاد المفكرين عن الغوصِفي مكان تكون فيه كل المظاهر الخارجية أرضاً ثقافية قاحلة.
قدم البطالمة مثل هذه الإغراءات التي لا تقاوم؛ حتى إنه خلال القرن الثالث قبل الميلاد -فترة ذروة الثقافة للمدينة- تمكنوا من بناءِ مجتمع مميَّزٍ هناك. من أثينا، لم يحظَ بطليموس الأول بوجودِ إقليدس فحسب، بل حظي أيضاً بوجودِ ستراتو؛ الفيزيائي الأبرز في ذلك العصر، وحظيَ بطليموس الثالث بوجودِ إراتوستينس؛الجغرافي الذي كان حسابه لمحيط الأرض دقيقاً بشكل مذهل. كما استقرَّ هيروفيلوس في الإسكندرية، فقد كانَ رائداً في علم التشريح، وتدرَّبَ في المركز الطبي الشهير في كوس حيث عمل أبقراط. حتى أرخميدس العظيم تم إقناعه بمغادرة مسقط رأسه سيراكيوز لإقامة قصيرة هناك.
ما ساعد بشدة في جذب المثقفين إلى المدينة هو قيام بطليموس الأول بتأسيس المتحف الشهير. في العصور القديمة، كانت كلمة متحف تشير عادة إلى مؤسسة دينية، معبد لعبادة إلهات الإلهام muses. أنشأ بطليموس معبداً تصويرياً للفنانين، وفضاءً لتنمية الفنون التي يؤدُّونها. لقد كانَ طابعاً قديماً لمركز فكري:عيَّنَ البطالمة الأعضاء الذين كانوا عبارةً عن مؤلِّفينمشهورين وشعراء وعلماء في مناصبَ مدى الحياة،وتمتعوا براتب كبير وإعفاء ضريبي (لا يوجد شرط كبير في المملكة البطلمية) إضافةً إلى مجَّانية السكن والطعام. لم يكن هناك خطر من نفاد الأموال؛ فقد وفَّرتالمؤسسة منحةً فورَ إنشائها من قبل بطليموس الأول. بالنسبة إلى المقر، منحَ بطليموس فضاءً داخلَ القصر؛علاوةً على غرفة يمكن للأعضاء تناول العشاء فيها مجتمعين. لقد كانوا -باختصار- بمنأى عن التفاصيل المتواضعة للحياة اليومية من أجل قضاء وقتهم في مساع فكرية عالية – تماماً مثل نظرائهم في مراكز الفكر اليوم. وكما هو الحال اليوم، لم يتفق الأعضاء دائماً مع بعضهم بعضاً؛ فقد وصفهم أحدهم بأنهمدود كتب ثرثارون
يعيشون في الأمة المصرية المكتظة بالسكان،
في نقاش لا نهاية له وهم يتدفقون حول محطة إلهاتِالإلهامِ.
علاوة على كل الفوائد الشخصية التي حظيت بها هذهالمجموعة المدللة، كان تحت تصرفها مورد فكري لا يقدر بثمن: لقد أسس البطالمة مكتبة الإسكندرية خدمةً لهم.
كانت من بنات أفكار بطليموس الأول؛ رغم أنها -ربما-لم تظهر إلى الوجود حتى عهد ابنه. في زمن بطليموس الثالث، كانت هناك مكتبتان؛ الأولى في القصر تخدم أعضاء المتحف مباشرة، و«مكتبة الابنة» التي تقع في حرم الإله سيرابيس على مقربة من القصر. نحن لا نعرف شيئاً عن الترتيبات المادية؛ باستثناء الحقيقة السلبية المتمثلة في أنه لم يكن لأي منهما مبنى خاص. من المحتمل جداً أن تتكوَّنَ المكتبة الرئيسة من رواق مع مجموعة من الغرف خلفها، وهي ميزة شائعة في القصور المعاصرة؛ ستعمل الغرف على وضع المقتنيات على الرفوف ويوفر الرواق مساحة للقراء.
من المحتملِ أن يكونَ للمكتبة الأخرى ترتيب مماثل. كانت المشكلة الأولى التي واجهها البطالمة هي كيفية الحصول على الكتب. كانت مصر تتباهى بثقافتها العريقة والمتميزة، وكانت هناك كتب كثيرة في جميع أنحاء البلاد – باللغة المصرية القديمة. كانت هناك كتب يونانية يمكن شراؤها في أثينا ورودس ومراكز أخرى للثقافة اليونانية، لكنَّ ذلكَ لم يكن متاحاً في الإسكندرية الناشئة حديثاً، فرأى البطالمة أنَّ المال والسلطة الملكية هما الحل، فأرسلوا وكلاء بحقائب ماليةٍممتلئة وطلباتٍ لشراء جملةٍ من الكتب التي يمكنهم الحصول عليها، والتي شملت جميع الموضوعاتوالتصنيفات، وكلما كانت النسخة أقدم كان ذلك أفضل. تم تفضيل الكتب القديمة بوصفها لم تتعرَّض إلى عملياتِ نسخٍ كثيرة، وبالتَّالي ستكونُ أقلَّ عرضة لوجود أخطاء في النص. اتبع الوكلاء الأوامر بقوة إلى درجة أنه -كما تدعي إحدى السلطات القديمة- نشأتصناعة جديدة لتلبية الطلب الذي أنشؤوه هناك – تزوير النسخ «القديمة». ما لم يتمكن البطالمة من شرائهِ حصلوا عليه بطريقتهم؛ فعلى سبيل المثال: صادروا أي كتب تم العثور عليها في السفن التي تفرغ حمولتها في الإسكندرية؛ تم منح المالكين نسخاً (إحدى الميزات التي كان يتمتع بها البطالمة كانت الكثير من ورق البردي للنَّسخ)، وذهبت النسخ الأصلية إلى المكتبة. كان بطليموس الثالث حريصاً على الحصول على نسخ أثينا الرسمية لمسرحيات إسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيديس إلى درجة أنه كان على استعداد؛ ليس فقط لتخصيص مبلغ هائل من المال، ولكن أيضاً إلى اللجوء إلى التَّحيل من أجلِ بلوغِ غايتهِ؛ فطلب استعارة اللفَّاتِ الثمينة لتنسخَ عليها الأعمال.
كُدِّست الكتب التي حصلوا عليها حديثاً في المستودعات أثناء خضوعها لإجراءات إلحاقٍ أولية. عادةً ما تحتوي اللَّفَّاتُ على علامة تبويب متصلة بأحد أطرافها تحمل اسم المؤلف وعرقيَّتهُ؛ فقد كانَ العرق ضرورياً، لأن الإغريق كان لديهم اسم واحد فقط، ولأن العديد من الأسماء شائعة، وغالباً ما كان لدى الأشخاص المختلفين الاسم نفسه. في المستودع، أضيفت المزيد من التعريفات إلى علامات التبويب للمساعدة في تمييز النسخ المكررة من العمل نفسه، كما تمَّ تمييزها من حيثُ المنشأ، وهكذا ختمت الكتب التي تم الاستيلاء عليها من الموانئ بعبارة ek ploiôn ، التي تعني «من السُّفن»، أمَّا الكتب الأخرى فتمَّ تمييزها بوضعِ اسم المحرِّر أو مالكها السَّابق.
كانت السياسة المتَّبعة قائمةً على الحصول على كل شيء؛ من ذلكَ الشعر الملحمي المهيب إلى كتب الطبخ الرتيبة. سعى البطالمة إلى جعل هذه الكتب مستودعاًشاملاً للكتابات اليونانية وكذلك أداة للبحث. كما احتوت تلكَ الكتب على ترجمات باللغة اليونانية لأعمال مهمة بلغات أخرى. أفضل مثال معروف هو الترجمة السبعينية؛ النسخة اليونانية للعهد القديم (الاسم، الذي يعني «سبعين»، مشتق -مع بعض تقريب الرقم-من التقليد الذي كان يقول إنه كان هناك اثنان وسبعون مترجماً). كان هدفها الأساسي هو خدمة المجتمع اليهودي؛ الذي كان العديد منه يتحدثون اليونانية فقط ولم يعد بإمكانهم فهم اللغة العبرية الأصليَّة أو الآرامية، لكن بطليموس الثاني دعم المشروع، وهوَ الذي -بلا شك- أراد العمل في المكتبة. يكاد يكون من المؤكد أن المكتبة كانت تحتوي على نسخة من القائمة الزمنية للفراعنة التي ترجمها كاهن مصري يُدعى مانيثو من المصرية إلى اليونانية.
حرص بطليموس الثاني على إيلاء اهتمام خاص بكلاسيكيات الأدب التي ضمَّت أعمال كبار المسرحيين الأثينيين وهوميروس وغيرهم من الشعراء القدامى. أصبحت المكتبة غنيَّة بشكل خاص باحتوائها أعمالَ هوميروس وذلكَ لسبب وجيه: كان هوميروس هو الشاعر الذي يحظى بالاحترام من قبل جميع اليونانيين بغض النظر عن المدينة أو المنطقة التي ينتمون إليها. لقد كانوا ينظرونَ إلى ملاحمه بنظرتنا نحن اليوم نفسِهاإلى الكتاب المقدس. لقرون -منذُ القرن السادس قبل الميلاد- استمعت أجيال وأجيال إلى الشعراء وهم يلقونَ قصائدهُ بنشوةٍ غامرةٍ. ومعَ مرور الوقت، دوِّنت قصائدهُ كثيراً، لكنَّ ذلكَ لم يوقف الشعراء عن ترديد قصائدهِ، بل على العكسِ، لقد بلغت مجداً خوَّلَها أن تستخدمَ كنصوص مدرسية للأطفال. لكن لم يتم إنشاء أي نسخة رسمية في أي وقت مضى. بحلول الوقت الذي كانت فيه المكتبة تجمع الكتب، كانت هناك نسخ متعددة مع وجود اختلافات عديدة في النصوص التي قدموها..وتراوحت الاختلافات بينَ سطورٍ محذوفةٍ وسطورٍ مضافةٍ، وأخرى مغيَّرةَ؛ علاوةً على الصياغة المختلفة وما إلى ذلك من النِّقاط. بناءً على ذلك، حصلت المكتبة على نسخ متعددة، تميَّزت بما أشرنا إليهِ من اختلافات، من حيث المنشأ خاصَّة؛ فهي تمتلك نسخة «من خيوس»، وأخرى «من أرغوس»، وأخرى «من سينوب»، وما إلى ذلك. مثل هذه المقتنيات صاغت أولمساعي البحث الإسكندري، وهو إنشاء نص قياسيّلهذه الأعمال الأكثر رفعةً في الأدب اليوناني.
بلغ مجموع اللَّفَّاتِ في المكتبة الرئيسة 490 ألف لفَّة؛في «مكتبة الابنة» وحدها 42800 لفَّة. لا يقدِّمُ لنا هذا المعطى أيَّ فكرة عن عدد الأعمال أو المؤلفين الذين تم تقديمهم؛ نظراً لأن العديد من اللفَّات احتوت على أكثر من عمل واحد والعديد منها، كما في حالة هوميروس، كانت مكررة. ولا نعرف الوظيفة التي تمايزُ بين المكتبتين.
كان لا بد أن تكون المكتبة الرئيسة الموجودة في القصر مخصصة لاستخدام أعضاء المتحف في المقام الأول. أمَّا المكتبة الأخرى فكانت عبارة عن معبدٍ ديني؛ من المفترض أنَّهُ خدم مجموعة أكبر من القراء. ربما كان هذا هو السبب في أن حجم الكتب هناك، كانَ أصغر بكثير؛ فقد اقتصرت على الأعمال مثل الكلاسيكيات الأدبيَّة الأساسية، التي من المرجح أن يطَّلع عليها عامة الناس.
على رأس المكتبة كان هناك أمين مكتبة معين من قبل البلاط، وهو مفكِّر بارز كان غالباً ما تكون لديه مهمة إضافية للعمل بصفة مدرس للأطفال الملكيين. كان زينودوت أول من شغل هذا المنصب، وقد اشتهر بكونه رائداً في صناعةِ نص سليم لقصائد هوميروس. كان -بالضرورة- رائداً في علم المكتبات أيضاً، ومن المؤكَّدِ أنَّهُ هو الذي أنشأ النظام الذي تستخدمه المكتبة اليوم في التَّرفيف. ذكرنا أعلاه تصريح سترابو بأن أرسطو «علم الملوك في مصر كيفية ترتيب مكتبة»؛ يفترض أن زينودوت قد استوعبَ جيِّداً طريقةَ أرسطو في التَّنظيمِ ووظفها لمصلحتهِ. يجب أن تكون خطوته الأولى هي فرز القوائم وفقاً لطبيعة محتوياتها – شعراً أو نثراً، أدباً أو علماً. وصنَّف الأدب، المصنَّف العلمي وغيره من الأشياء. احتوت علامات التبويب على أسماء المؤلفين أمَّا التعريفات الأخرى فتمت إضافتها أثناء إجراءات الإدراج، ولكن في كثير من الأحيان دون إضافة أيٍّ من العناوين؛ احتوت العديد من القوائم على أكثر من عمل واحد، بل ضمَّت الكثير من الأعمال؛ مثلاً مجموعات الشعر لا يمكن أن تدرجَ تحتَ مظلَّةِ اسمٍ واحدٍ. عندما كان العنوان مفقوداً، كان على زينودوت أن يفتح الكتاب ويتفحَّص النَّص.
كانت خطوته التالية هي تخصيص غرف، أو أجزاء من الغرف، لمختلف فئات الكتابات التي استبعدها. ووضعت الأعمال المناسبة على الرفوف؛ مرتبة حسب ترتيب المؤلف أبجدياً.
يقودنا هذا إلى إحدى المساهمات العظيمة التي ندين بها للعلماء في مكتبة الإسكندرية وهو الترتيب الأبجدي بوصفه أسلوباً للتنظيم. بقدر ما نعلم، كان زينودوت أول من استخدمها، في مسرد للكلمات النادرة التي جمعها.
نظراً لأن المؤشرات واضحة أنه منذ البداية قد تم وضع مقتنيات المكتبة على الرف بطريقة أبجديَّةٍ، فإن الاستنتاج الطبيعي هو أن زينودوت -بعد أن وجد النظام مفيداً لمسرد المصطلحات الخاص به- قد قام بتطبيقه على المجموعة. يبدأ الترتيب الأبجدي من الحرف الأول. كانت هذه ممارسة جميع العلماء القدماء لجميع الأغراض لعدة قرون، ويبدو أن مثل هذا الترتيب البسيط يلبي احتياجاتهم. لم تظهر الأبجدية الكاملة حتى القرن الثاني الميلادي.
من المؤكَّدِ أنَّ زينودوت هو من وضع النِّظامَ الأولي للمكتبة؛ فقد جند الموظفين المطلوبين من أجلِ فرز الكتب إضافةً إلى المدققين والكتبة؛ النسَّاخين، المصلحين، وما إلى ذلك. لابد أنه كان هناك العشرات من هؤلاء الموظفين الماهرين؛ لكن لا نملكُ معلوماتٍ ملموسة حولهم مطلقاً، ولكن يمكننا أن نكتفي بتصوُّرِ وجودهم؛ مثل العديد من العمال ذوي الياقات البيضاء في العالم اليوناني والروماني، ومن المرجح أن الأغلبية العظمى كانوا من العبيد.
في السنوات الأولى للمكتبة -عندما كانت المقتنيات محدودة نسبياً- كان يكفي وجود نظام يمكّن المستخدم من العثور على ما كان يبحث عنه بالذهاب إلى غرفة معينة، أو إلى مجموعة معينة من الأرفف في الغرفة، ويمرر عينه على ألسنة القوائم المصطفة هناك بترتيب أبجدي تقريبي. في الواقع، كان النظام كافياًللمستخدمين المتمرسين حتى عندما كانت المكتبة بكامل قوتها. تروي القصة أن أريستوفان البيزنطي -الذي كان مديراً بين 200 و185 قبل الميلاد، والذي كانَ يعملُ يومياً بكلِّ ما أوتيَ من الحماسة والاجتهاد في قراءة جميع الكتب بشكل منهجي- عندما عمل بصفته محكِّماًفي مسابقة الشعراء التي أقيمت أمام الملك، استبعدوا الجميع باستثناء شخص واحد بسبب الانتحال. وحينَ طلبَ الملك إثبات هذه التُّهمة، هرع إلى المكتبة و«بالاعتماد فقط على الذاكرة، أخذَ مجموعةً من اللَّفَّات من خزائن الكتب».
ربما كان هذا الإنجاز الشجاع ممكناً لأمثال أريستوفان البيزنطي، ولكن بعد أن وصلت المجموعة إلى حجم معين، احتاج القراء العاديون إلى نوع من المساعدة في العثور على الأعمال التي يستمتعون بها اليوم. ووجدوا العونَ في شخصية ذات أهمية عالية؛ليس فقط في تاريخ مكتبة الإسكندرية، ولكن في تاريخ المعرفةِ بشكلٍ عام. رجل جمع بين القدرة على كتابة إبداعات شعرية واستعداده للدخول في رحلةٍ شاقةٍمتمثلة في تجميع مئات قوائم الكتب التي تضم آلاف المداخل، هذا الشخصُ هو كاليماخوس القوريني.
كانت قورينة مسقط رأسه، وهيَ عبارةٌ عن ميناء بحري على ساحل ليبيا غرب الإسكندرية، وكان في ذلك الوقت تحت حكم البطالمة. كانت عائلته من الأعيان، لكنَّ ظروفها ساءت سريعاً. شقَّ كاليماخوس طريقه إلى العاصمة؛ حيثُ عمل مدرِّساً في مدرسة ابتدائية في إحدى الضواحي هناك. بطريقة ما لفت انتباه بطليموس الأول؛ الذي دعاه للانضمام إلى زمرة المثقفين في البلاط، وفي عهد بطليموس الثاني كان الشخصية المهيمنة فيها. ربما يكون قد خلف زينودوت بصفته أميناً للمكتبة. إذا لم يكن الأمر كذلك، فهو بالتأكيد مسؤول عنها بشكل ما؛ طالما أنَّهُ كان الرجل المسؤول عن فهرسةِ محتوياتها.
بصفته باحثاً، كان أعظم إنجاز لكاليماخوس هو كتابهُالضخم، «جداول» Pinakes أو ، لإعطائه عنوانه الكامل، جداول الشخصيات البارزة في كل فرع من فروع التعلم مع قائمة من كتاباتهم. كان عبارةً عن مسح ببليوغرافي مفصل لجميع الكتابات اليونانية. لقد ملأت ما لا يقل عن 120 كتاباً؛ أي خمسة أضعاف عدد كتاب إلياذة هوميروس. ما جعل مثل هذا المشروع ممكنا هو وجود مكتبة الإسكندرية؛ التي وجدت على رفوفها كل هذه الكتابات، مع استثناءات نادرة. وهناك اتفاق عام على أن التجميع نشأ من قائمة أرفف لمقتنيات المكتبة التي وضعها كاليماخوس.
لم ينجُ كتابُ بينيكس. ومع ذلك، لدينا ما يكفي من المراجع والاقتباسات التي صمدت إلى القرون اللاحقة وهيَ كافية لتقديم فكرة وافيةٍ عن طبيعتها ومداها. قسّم كاليماخوس جميع الكتَّاب اليونانيين إلى فئات، ولنكونَ أوفياءَ لمصطلحاتهِ رتَّبهم في «جداول». ولا شكَّ في أنَّها الطَّريقة نفسها المتَّبعة في ترتيب مقتنيات المكتبة على الرفوف. كما قام بعمل تقسيم أساسي أولي إلى شعر ونثر، وقسم كلّاً منهما إلى أقسام فرعية. بالنسبة إلى الشعر، كان هناك جدول للشعراء المسرحيين؛ مع تقسيم إلى جدول فرعي لكتاب التراجيديا وآخر لكتاب الكوميديا، وجداولَ لشعراء الملاحم وجدول للشعراء الغنائيين، وما إلى ذلك. بالنسبة إلى كتاب النثر، كان هناك جدول يضم فلاسفة، وخطباء، ومؤرخين، وكتّاباًفي الطب، إضافةً إلى «جدول متنوع» (هذا هو المكان الذي تم فيه إدراج كتب الطبخ). كل جدول يحتوي على أسماء المؤلفين بالترتيب الأبجدي (بالحرف الأول وحده بالتأكيد). كان لكل مؤلف سيرة ذاتية مختصرة تتضمن اسم الأب، ومكان الميلاد، وفي بعض الأحيان اللقب – تفاصيل مفيدة لتمييزه عن غيره من الكتاب الذين يحملون الاسم نفسه. هنا -على سبيل المثال- مدخللعالم الفلك الشهير إيودوكسوس الذي، إن لم يكن بالضبط في كلمات كاليماخوس، مشتق منها: إيودكسوس، الأب إيسخينيس، من كنيدوس؛ عالم الفلك، المهندس، الطبيب، المشرع. درس الهندسة في عهد أرشيتاس والطب في عهد فلسطون الصقلي.
بعد رسم السيرة الذاتية، ظهرت قائمة بأعمال المؤلف بالترتيب الأبجدي، و-في كثير من الحالات- يجب أن تكون قد استمرت في أعمدةٍ متواترة.
كانت المشكلة الرئيسة، التي واجهت كاليماخوس، هي كيفية التعامل مع المداخل التي تضمنت أكثر من فئة واحدة. في حالة أريستوفانيس -على سبيل المثال- لميتبع هذه الطريقة: كاتب فقط للكوميديا، تم إدراجه ضمن جدولِ هؤلاء الكتاب (لا شك في أنه كان على رأسِ القائمة نظراً لأنَّ اسمهُ يبدأ بالألف). ولكن أين وضع كاليماخوس نفسه، مؤلف النثر والشعر وأنواع مختلفة من كل منهما؟ هل سجل نفسه في عدة أماكن مع سيرته الذاتية؟ هل استخدم الإحالات المرجعيَّة؟ ليس لدينا أي وسيلة تمكننا من معرفة ذلكَ.
وُضعت قوائم من الكتابات من هذا النوع أو ذاك من قبل. كانت جداولُ كاليماخوس هي الأولى من حيث الشمولية؛ فقد قدمت عرضاً منهجياً، في مجموعة واحدة من اللَّفَّاتِ الورقيَّة، ضمَّت جميع الكتابات اليونانية والنصوص الأدبية والعلمية وحتى الوظيفية من قبيل كتب الطبخ. كان قادراً على تحقيق ذلك لأنه كان بإمكانه استشارة جميع المقرَّبين من مكتبة الإسكندرية. لقد قدَّم بدورهِ مفتاحاً يمكِّنُ كلَّ من يفتحُ كتاب بيناكس من تحديد موقع أيِّ كتاب على الرُّفوف، وبذلكَ يكونُ قد أنشأ أداةً مرجعيَّة حيَّة.
ركز كل من زينودوت وكاليماخوس؛ الشخصيَّتين المهيمنتين على السَّاحة المعرفية في الإسكندرية -في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد- على الأدب. أمَّا الشخصية العظيمة الثالثة فهي إراتوستينس؛ الذي شغل منصب أمين المكتبة بينَ 245 و205 قبل الميلاد وبسط هيمنتهُ الفكرية على النصف الثاني من القرن وترك بصمته في العلم. لقد درسَ العديد من المجالات الأخرى التي كانت مغيَّبةً عن أقرانهِ حينها، من الذين أطلقوا عليه اسم Beta؛ أي «رقم 2»؛ أي الرجل الذي تركَ أثراً بسيطاً في عدد من المجالات إلى درجة أنه لم يكن قادراً على أن يكون رقم واحد في أي مجالٍ. ولكنَّ هذا التّصوّر مجرَّدٌ من الصحَّة؛ كانَ إراتوستينس على درجةٍ من الكفاءة التي تخوِّلهُ أن يكونَ من الأوائل في علم الجغرافيا، فقد ألَّفَ كتابين -على الأقل- حول هذا الموضوع؛ لم يبقَ أثرٌ للكتابين، لكنَّ النِّقاشات التي دارت في أوساطِ الجغرافيين اللاحقين تمكننا من معرفة الكثير عن مضامينهما. لقد كانَ ماهراً في علم الفلك والهندسة، وجُنِّدَ خدمة للجغرافيا وكانت مهمَّتهُ تحديد حجم الكرة الأرضية وموقع الأراضي المعروفة عليها. لقد أشرنا بالفعل إلى حسابهِ الدقيق والمذهل لمحيط الأرض. تشكل الأراضي المعروفة -في خريطته للعالم-كتلة مستطيلة واسعة تمتد من المحيط الأطلسي في الغرب إلى المحيط الذي يحدُّ الهند في الشرق. لم تمكنه مقتنيات المكتبة من فهم كتابات أسلافه فحسب؛بل زودته بمعلومات جديدة عن المجالات التي نادراً ما تعرفوا إليها. بالنسبة إلى الهند كان قادراً على الرجوع إلى الرِّوايات التي تركها أعضاء بعثة الإسكندر الاستكشافية. بالنسبة إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، وهي منطقة نائية أخرى، كان قادراً على الرجوع إلى تقارير الفرق التي أرسلها البطالمة حتى الصومال لمطاردة الأفيال من أجل ضمِّها إلى فيالق الجيش.
اثنان من العلماء البارزين أتيَا بعدَ إراتوستينس، وشغلا كلاهما مديرينِ للمكتبة، وهما كلٌّ من أريستوفانيس البيزنطي الذي أدار المكتبة بينَ 205 و185 قبل الميلاد وأرسطرخس الساموسي الذي أدار المكتبة من 175 إلى 145 قبل الميلاد، وكلاهما أعاد التركيز على الأدب واللغة، وجعل نصف القرن هذا عصراً ذهبياً للبحث في هذه المجالات.
خطا زينودوت -الأمين الأول للمكتبة- الخطوات الأولية في إنشاء نص سليم لأعمال هوميروس من خلال مقارنة وتحليل مختلف النّسخ المتوافرة من القصائد ومقارنتها ببقيَّة النسخ المتاحة، تماماً كما يفعل المتخصّصون في أعمالِ شكسبير مع الإصدارات المختلفة لطبعات مسرحياتهِ في النسخ الرباعية والنسخ المطوية. واصل أريستوفانيس وأرسطرخس الساموسي هذا العملَ بعمق أكبر وركَّزا على شعراء آخرين مثل هسيودوس، وبندار، وغيرهما من الشعراء الغنائيين. وقدم أرسطرخس الساموسي النتائج التي توصل إليها في التعليقات، والكتب التي استشهد فيها بمقاطع معينة ثم أتبع كل فقرة بتعليقات حولَ معناها، كما شرحَ أي مصطلحات أو تعبيرات غامضةٍ أو ما إذا كانت الكلمات فعلاً للمؤلف وما إلى ذلك، وهيَ ذاتها الطَّريقةُ التي تعامل بها مع هيرودوت.
مجال آخر من الدراسات الأدبية التي عززوها هو علم اللغة. كانت الكلمات النادرة والقديمة التي ظهرت في نصوص هوميروس وغيره من الشعراء القدامى محلَّ اهتمامِ المفكرين اليونانيين. أول محاولة رسمية لمعالجتها قام بها الشاعر الباحث فيليتاس؛ الذي عاش نحو 300 قبل الميلاد. قام بتجميع عمل وسمهُ بكلماتٍ متنوِّعة وقد علَّق فيه -دون أن يتَّبعَ ترتيباً منهجيّاً- علىهذه المصطلحات المتنوِّعة. حقَّق ذلكَ الأثرُ نجاحاً كبيراًوكسبَ شهرةً واسعةً جدّاً إلى درجة أنَّهُ كانَ مألوفاًللشخصِ العادي مثل قاموس ويبستر -على سبيل المثال- اليوم. وهكذا، في مسرحيَّة كوميدية تم عرضها بعد نصف قرن على الأقل من زمن فيليتاس، هناك مشهد يخبر فيه مضيف، يخطط لإقامة حفل عشاء، كيف ناقش متعهد الطعام الذي وظفه القائمة بهذه اللغة الفاخرة والقديمة «لا أحد على وجه الأرض يستطيع أن يفهمه… سيتعين عليك الحصول على الأعمال الكاملة لفيليتاس والبحث عن معنى كل كلمة». اتبع زينودوت خُطا فيليتاس فقام بعمل تجميع مماثل وقدم -كما أشرنا سابقاً- التحسن الكبير في ترتيب الإدخالات وفقَ الترتيب الأبجدي. اتخذ أريستوفانيس البيزنطي الخطوة المنطقية الآتية: في عمل يسمى «الكلمات» أو Lexeis، قام بتضمين كلمات من جميع الأنواع؛ منها التي نستعملها اليوم ومنها القديمة، والتي تتطلب -بطريقة ما- التعليق أو التفسير. مثل العديد من المنتجات العلمية في هذا العصر، لم ينجُ ذلكَ العمل وكلُّ ما لدينا من معلومات متأتية من المراجع اللاحقة. فيما يأتي مقتطف من مسرد يرجع تاريخه إلى أربعة قرون بعد عصره، وربما أخذَ في النهاية من عمله؛ حتى لو لم يحدث ذلك؛ فمن تقليده:
Melygion: مشروب السيكيثيين. جلاوكوس، في الكتاب الأول من وصف الأماكن الواقعة على يسار البحر الأسود:
عندما وافق العَمَلةُ، قام بفضِّ التجمع، ومضى كلُّ فردٍ إلى منزله، وأعدوا المشروب. هذا المشروب مسكر أكثر من النبيذ. وهوَ مصنوعٌ من عسل مغلي بالماء مع إضافة عشب معين. لأن بلادهم تنتج الكثير من العسل وكذلك الجعة التي يصنعونها من الدرع.
يعالجُ المدخل الأول مصطلحاً غير عادي؛ فهوَ كلمة مستعارة من بعض اللغات المنطوقة في منطقة البحر الأسود. يبدأ بتعريف معجميٍّ موجز، ويضيف -تماماًكما هو الحال في قاموس أوكسفورد الإنجليزي العظيم- مثالاً على استخدامه، ويختتم بالتَّوسع في التفاصيل.
ظلَّت الدراسات في اللغة والأدب الشغل الشاغل خلال المرحلة الأخيرة من الحياة الثقافية في الإسكندرية، من النصف الثاني من القرن الثاني حتى 30 قبل الميلاد؛عندما أنهى احتلال روما لمصر نهاية عهد البطالمة. تم تلخيص النتائج في أعمال ديديموس، وهو عالم لا يعرف التَّعب إلى درجة أنه قرأ 3500 كتاب وفقَ إحدىالشّهادات، و4000 كتاب وفقَ شهادةٍ أخرى كما حصل على لقب تشاليسينتيروس «الشجاعة البرونزية»؛ أي نوع الشجاعة التي تولِّد مثل هذه النتائج. استمرَّ لقب الشجاعة البرونزية خلال النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، وكانت المهمَّة مبنية على العمل في المكتبة بتفانٍ بينما كان العالم الغربي ممزقاً بسبب الحروب الأهلية في روما.
لقد وضعَ تعليقات وافرة: على الإلياذة وعلى الأوديسة وعلى مسرحيات الشعراء الهزليين، ولا سيما مسرحيَّاتأريستوفان، وعلى مسرحيات الشعراء التراجيديين،وخاصة سوفوكليس، كما علَّق على خطب ديموستين. لقد وضع العديد من المسارد؛ لم تشمل جميع الكلمات كما فعل أريستوفان البيزنطي ولكن على أنواع معينة: مسرد للشعراء الهزليين، مسرد للشعراء التراجيديين (هذا يشمل ما لا يقل عن ثمانية وعشرين كتاباً، أطول من الإلياذة)، مسرد مصطلحات الكلمات الصعبة، مسرد المصطلحات المجازية، مسرد الكلمات الغامضة في المعنى.
أنتجت المرحلتان الأوليان من الثقافة الإسكندرية أدوات لا غنى عنها للمعرفة مثل النسخة النصية الرسمية، والتعليق، والمسرد كما أضافت المرحلة الأخيرة أداةً أخرى تتمثَّلُ في القواعد. كان المؤلف ديونيسيوس ثراكس أو ديونيسوس التراقي -نسبةً إلى والدهِ الذي كانَ يحملُ اسماً يعودُ إلى تراقيا- في الواقع كان من مواليد الإسكندرية، وكان أحد العلماء القلائل الذين عاشوا هناك. كان تلميذاً لأرسترخوس، وعندما اضطر معلمه في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد إلى مغادرة المدينة نتيجة لاضطرابات سياسية، غادر أيضاًوقضى بقية حياته في رودس. تعامل جميع علماء الإسكندرية -وخاصة معلم ديونيسيوس- بطريقة أو بأخرى مع عناصر قواعد اللغة اليونانية وجوانبها.
تمثَّلت مساهمة ديونيسيوس في تنظيم المادة المكتوبة في كلٍّ متماسك ومن ثمّ إنشاء أول كتاب في علمِ النَّحو.
على عكس العديد من الآثار التي أنتجتها الثقافة الإسكندرية، نجا هذا الأثرُ ولدينا فكرةٌ عن محتواه. في خمسين صفحة فقط، يقدم ديونيسيوس مسحاً موجزاًللغة اليونانية؛ بدءاً من الحروف الأبجدية ومروراً بأقسام الكلام وأشكالها المختلفة، بما في ذلك تصريفات الأسماء وتصريفات الأفعال. ظلت القواعد النحوية القياسية لتلاميذ المدارس اليونانية لأكثر من ألف عام،واستمرَّت حتى القرن الثاني عشر الميلادي.
اعتمد الرومان على قواعد النحو اللاتينية الخاصة بهم، ومن خلالها أصبح نموذجاً لجميع القواعد النحوية الحديثة.
كم من الوقت استمرت مكتبة الإسكندرية؟ لقد صمدت إلى 48 قبل الميلاد؛ إلى أن ابتلعتها النيران كما يقول بعضهم. ولكنَّ بعضهم الآخر يقولُ عكسَ ذلك ويشيرون إلى أنَّها تضرَّرت فقط ولم تتأثَّر كثيراً.
في عام 50 قبل الميلاد. عبر قيصر نهر روبيكون وتسبَّب في اندلاع حرب أهلية كبيرة بينه وبين خصومه بقيادة بومبي. بعد ذلك بعامين، في بلدة فارسالا في شمالي اليونان، حقق قيصر نصراً حاسماً، وهرب بومبي إلى الإسكندرية. وطارده قيصر ببعضِ السفن والرجال. بحلول الوقت الذي وصل فيه، قُتل بومبي غدراً؛ لكن قيصر اختار البقاء.
كانت كليوباترا -ابنة بطليموس الثاني عشر المتوفى في الفترة الأخيرة- تتشاجر مع أخيها حول من سيتولى العرش، وكان قيصر مهتماً بدعم قضية هذه الشابة الآسرة والبارعة. عندما حرِّض الإسكندريوُّنَ ضد الرومان، انفجر الوضع السياسي وتحوَّل إلى أعمال عنف، ووجد قيصر -بقواته الضئيلة- نفسه في مكان صعب وخطير. لقد تحصن في منطقة القصر؛التي كانت بالقرب من الواجهة البحرية، وفي لحظةٍ ما، لتجنب خطر «الانقطاع عن سفنه، اضطر إلى درء الخطر بإشعال النيران، فانتشرت ألسنتها انطلاقاً من الموانئ -حيثُ تصنع السفن- إلى أن امتدَّت إلى المكتبةِ فأحرقتها بالكاملِ». هكذا يكتب بلوتارخ عن قيصر،لكنَّ المؤرخ ديو كاسيوس يروي روايةً مختلفة إلى حدٍّما: «أضرمت النيران في العديد من الأماكن، ونتيجة لذلك، اشتعلت ترسانات بناء السفن ومخازن الحبوب والكتب التي قيل إنها بأعدادٍ كبيرةٍ وتحتوي على أجودِ الكتب». فُهِمَ من كلماته أنها تعني أن الدمار لم يشمل المكتبة بأكملها، بل اقتصر على الكتب التي تصادف وجودها في المستودعات على طول المياه. يتم تعزيز هذا من خلال اعتبارات أخرى.
واجهَ البطالمة اللاحقون -أولئك الذين اعتلوا العرش منذ منتصف القرن الثاني قبل الميلاد- اضطراباتاجتماعية متزايدة ومشاكل أخرى، ولم تعد المكتبة تحظى بالاهتمام الذي كان أسلافهم يولونها إيّاه. وبالفعل، انتهج بعضهم نهجاً ديكتاتوريّاً كردَّة فعلٍ سياسية: فقد أعطاها بطليموس الثامن (145 – 116) لضابط من حرس القصر وبطليموس التاسع (88 – 81) لأحد أنصاره السياسيين.
بعد أن استولت روما على مصر عام 30 قبل الميلاد،حافظ الأباطرة على استمرار عمل المتحف والمكتبة، لكن العضوية في المتحف مُنحت الآن -في معظمها- ليسلرجال متعلمين، ولكن للرجال الذين تميزوا في الخدمة الحكومية؛ في الجيش، حتى في ألعاب القوى – ما يعادل، بطريقة ما، الدرجات الفخرية اليوم. ربما حدث الشيء نفسه معَ أمناء المكتبة، ويمكننا أن نضربَ مثالاًعلى ذلكَ يتمثَّلُ في تيبيروس كلاوديوس بالبيلوس؛ الذي اشتغلَ في مرحلةٍ ما من منتصف القرن الأول الميلادي، إدارياً، ومسؤولاً حكومياً، ورجلاً عسكريّاً. ربما لقيت المكتبة حتفها عام 270 بعد الميلاد أو نحو ذلك؛ عندما انخرط الإمبراطور أوريليان في قتال مرير في الإسكندرية في سياق قمع تمرد مملكة تدمر. أثناء الصراع دمر القصر وما يحيطُ بهِ، وعلى الأرجح، دمِّرت المكتبة أيضاً.