المدونة

سرديّة النجاة في «مجتمع الغرقى» للكاتبة السورية وسام الخطيب

سرديّة النجاة في «مجتمع الغرقى» للكاتبة السورية وسام الخطيب
بقلم: عماد الدين موسى
المصدر: صوت سوري

في مجموعتها القصصية «مجتمع الغرقى»، تُبحر الكاتبة السورية وسام الخطيب في أعماق النفس البشرية المهددة بالانهيار، لتفكك عبر لغة رمزية شديدة الكثافة ثنائيات السلطة المنكسرة، والأمومة المقاوِمة، والذاكرة التي ترفض النسيان وسط الركام. هذه القراءة النقدية تغوص في دهاليز المجموعة، وتكشف كيف تحول الأدب إلى أرشيف سري لإنقاذ الإنسان من الغرق الرمزي داخل واقع مضطربة عن دار «جدل»، تقدّم الكاتبة السورية وسام الخطيب حكايات تتقاطع عند فكرة الغرق الرمزي داخل واقع مضطرب، وتكشف عبر مصائر شخصياتها عن هشاشة الإنسان وهو يحاول الحفاظ على معنى الحياة وسط التحولات القاسية.
تبدو الحكايات منفصلة من حيث البنية، غير أنّ خيوطاً خفية تشدّها إلى فضاء دلالي واحد: فضاء الغرق الرمزي داخل واقع تتجاور فيه الحرب، والخراب، والتحولات النفسية العميقة. يحمل العنوان الرئيس مفتاح القراءة، فالغرق هنا ليس فعلاً فيزيائياً بل حالة وجودية يعيشها الأفراد حين تتصدع المعاني الكبرى، ويصبح الواقع أعنف من قدرة اللغة على احتوائه.
تتجه قصص وسام الخطيب نحو رصد تلك اللحظة الحرجة التي ينهار فيها التوازن الداخلي للشخصيات، فتبدأ رحلة التيه داخل متاهة النفس والذاكرة، ليتداخل الحلم بالعنف، والغرابة بالمألوف. وتغدو المجموعة أشبه بمرآةٍ سيكولوجية لمرحلة تاريخية معاصرة في المنطقة العربية، تتوالد من خلالها الأسئلة حول السلطة، الهوية، الحرب، الأمومة، والذاكرة. وتشتغل الكاتبة على هذه الثنائيات عبر لغة سردية شديدة الكثافة، تنحاز إلى الصورة المركبة والرمز، وتستثمر تقنيات المفارقة والخيال الأسود لكشف العطب العميق الذي يصيب الإنسان حين يباغته العيش داخل عالم مهدد بالانهيار.
العنف وتفكك بنية السلطة
يحضر العنف في قصص المجموعة بوصفه بنية سردية تتغلغل في تفاصيل الشخصيات، إنه نظام كامل يطبع العلاقات الإنسانية ويعيد تشكيل وعي الأفراد بأنفسهم وبالعالم.
في قصة «بنات ميدوسا»، يظهر نموذج الضابط العسكري الذي بنى مجده على تراتبية السلطة والقمع. تُقدَّم الشخصية منذ البداية بوصفها تجسيداً لقوة الدولة الحديدية، ثم تبدأ ملامح الانهيار النفسي بالتسلل إلى هذا البناء الصلب:
«مات متكوّماً قرب سلة المهملات في إحدى الزوايا المعتمة، مات أخيراً داخل زنزانة منفردة».
تنقل هذه الجمل القصيرة انقلاباً راديكالياً في المصير، فالضابط الذي عاش محاطاً بالأوسمة والرهبة ينتهي جسداً مهزوماً في زاوية مظلمة. يتعمّد السرد هنا تقزيم اللحظة الأخيرة، ليكشف المسافة الهائلة بين صورة القوة المتخيّلة وهشاشة الوجود الإنساني في نهايته.
تستثمر الكاتبة هذا التحول لتفكيك خطاب البطولة العسكرية، فالشخصية التي اعتادت قراءة العالم عبر منطق السيطرة والامتثال تفقد قدرتها فجأة على فك شفرة نظرة امرأة واحدة. تتحول تلك النظرة إلى لغز يؤرق الضابط ويقوده إلى الانهيار العقلي، ليتحول من جلاد مُهاب إلى طريدٍ تلاحقه أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها.
يبرز هنا أحد أهم محاور المجموعة: المعرفة بوصفها سلطة مضادة، فالطاغية الذي يمتلك قوّة السلاح، يعجز تماماً أمام سر إنساني صغير. وبذلك يتحول السرد إلى مساءلة عميقة لفكرة القوة ذاتها، إذ يكشف أنّ القمع قد يمنح السيطرة على الأجساد، لكنه يقف قاصراً عن ترويض الروح البشرية أو فهمها.
فضاء الحرب ومفارقات الولادة
تنتقل الكاتبة في قصة «سرير الحرب» إلى فضاء يبدو مغايراً في الظاهر، غير أنّه يظل مشدوداً بجاذبية السياق ذاته: سياق الحرب التي تعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية.
تتناول القصة حياة امرأة ترغب في إنجاب طفلٍ رغم أحزمة الخراب التي تحيط بها، فيمطرها المجتمع بسيول من الأحكام اللائمة، غير أنّها تمضي في خيارها مدفوعة بحاجة غريزية وعميقة لابتكار معنى للحياة. تمزج الكتابة هنا بين الواقعي والغرائبي، فالحمل يحدث بصورة مفاجئة ومكثفة، ثم يتحول الجنين إلى كائن استثنائي الملامح. في لحظة اكتشاف الحمل، تصف الساردة هذا الإحساس: «أحسّت بسمكة صغيرة وناعمة تسبح بين أحشائها، شعرت بالجنين يتحرك في داخلها».
يظهر الجنين هنا كسمكة تسبح في بحر داخلي، في استعارة ذكية تعيد وصل القصة بالعنوان الإطاري للمجموعة (الغرق)، لكنه غرق مقلوب، إذ يتحوّل الجسد الأنثوي إلى رحم بكر، وتبدو الحياة كأنها تشق طريقها الخصيب عبر الماء والعتمة في مواجهة جفاف الموت الخارجي.
يحمل الطفل عند ولادته ملامح غريبة تضعه خارج التصنيفات المجتمعية المألوفة، فتدرك الأم حجم القسوة التي تنتظره، وتتجه إلى عزله وحمايته، لتغدو الأمومة هنا فعلاً سياسياً ومقاومة في وجه واقع مشوه. تطرح القصة بذلك سؤالاً فلسفياً حول الطبيعة الإنسانية، إذ يتحول الطفل «المشوّه» في نظر المركزية المجتمعية إلى كائن جميل وفريد في عين أمه، ويكشف هذا التحول عن قدرة الحب على إعادة صياغة مفاهيم الجمال والقيمة.
مقاومة الفقد بالتدوين
تبرز قصة «الصورة تموت وحيدة» بوصفها إحدى أبرز نصوص المجموعة تماسكاً، إذ تنشغل بذاكرة ما بعد الخراب عبر رحلة السارد إلى قريته المدمّرة بحثاً عن صوره القديمة التي التقطها خلال عمله مصوّراً. تبدو الرحلة في قشرتها الخارجية سعياً وراء لقىً مادية، لكنها سرعان ما تتعمّق لتغدو حَفْراً في الذات واستعادة لما تبقّى من أثر الهوية المتشظية.
تتحول الصور هنا إلى أرشيف بصري للحياة الآفلة، وتغدو الشاهد الأخير والوحيد على وجود الوجوه والأمكنة بعد أن احترقت البيوت وتلاشت الملامح، لتكتسب عملية البحث أبعاداً أسطورية لإنقاذ التاريخ الشخصي والجماعي من المحو.
ويتجلى هذا البعد الرمزي مع حضور المرأة التي رفضت مغادرة القرية، لتظهر بوصفها «سادنة الذاكرة» وحارستها، تجمع ما نجا من الحطام وتحتفظ به في خزانة صغيرة، كأنها تؤسس متاحف سرية للبلاد المفقودة. تنكشف عبر هذا المشهد رؤية الكاتبة لجدوى الكتابة نفسها، فالقصة تبدو شبيهة بتلك الخزانة التي تصون بقايا الحياة قبل أن يبتلعها نسيان التاريخ الرسمي، ويؤدي الأدب دور الأرشيف الذي يحفظ ما يتوارى خارج سرديات التاريخ الرسمي.
جدلية السرد بين الشِعرية والغرابة
تحمل لغة وسام الخطيب طاقة تصويرية عالية، فالجمل قصيرة، مكثفة، ومشحونة بالاستعارات، مما يمنح الإيقاع السردي سرعة وتوتراً مستمرين. تميل الكاتبة إلى بناء صورها على عناصر حسية بدئية كالماء، والجسد، والظلمة، والأصوات، وهي عناصر تتحوّل إلى مفاتيح رمزية متكررة تخلق شبكة دلالية تربط النصوص بعضها ببعض خفية.
المعرفة بوصفها سلطة مضادة تشكل أحد أهم محاور المجموعة، فالطاغية الذي يمتلك قوّة السلاح، يعجز تماماً أمام سر إنساني صغير
يحتل الماء موقعاً مركزيّاً في هذه الشبكة الرمزية، فيظهر مرة في صورة البحر الملتهم، وتارة في صورة المطر المطهر، وأخرى في صورة السائل الأمنيوسي الذي يحيط بالجنين. هذا التناص الداخلي يمنح دلالة الغرق عمقاً إضافياً، إذ يتحول من مجرد حادثة إلى استعارة كبرى للحياة نفسها.
تعمل اللغة في المجموعة على مستويين متوازيين: مستوى أفقي (سردي) ينمي الأحداث، ومستوى عمودي (شِعري) يبني طبقات من التأويل حول تلك الأحداث، ما يمنح النصوص طابعاً تأملياً يجعل فعل القراءة تجربة غنية بالاحتمالات.
الكتابة طوق نجاة
تتسم قصص «مجتمع الغرقى» بجرأة فكرية وجمالية واضحة، فالشخصيات تتحرك داخل فضاء مأزوم ومثقل بالعنف، لكنها تواصل السعي نحو معانٍ صغيرة تمنح الحياة قابلية للاستمرار. وتنكشف، من خلال هذا المسار، حالة الغرق بوصفها تجربة وجودية مشتركة تتوزع بين الشخوص بدرجات متفاوتة: فثمة من يغرق في وهج السلطة، وآخر في دهاليز الذاكرة، وغيرهما في الحب أو الأمومة، مما يوسع دلالة العنوان لتشمل بنية المجتمع بأكمله.
ضمن هذا الأفق، تتحول الكتابة عند وسام الخطيب إلى فعل إنقاذ رمزي، إذ تبدو كل قصة في المجموعة أشبه بيدٍ تمتد في عمق الماء بحثاً عن كائن يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة. ومن خلال هذا الجهد السردي، تنجح الكاتبة في تدوير الألم الجماعي وتحويله إلى مادة فنية تفتح أفق التفكير في مصير الإنسان داخل عالم مضطرب ومهدد بالزوال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *