المدونة

فصل من رواية يوم ابن آوى | لـ فريدريك فورسيث

خلال النصف الثاني من شهر يونيو، وطوال شهر يوليو من عام 1963، هزت فرنسا جرائم سطو عنيفة على المصارف ومحلات الصاغة ومكاتب البريد، جرائم لم يسبق لها مثيل في ذلك الوقت، ولم تتكرر أبداً بعد ذلك.
هوجمت المصارف في كل مكان، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، من لصوص يحملون الأسلحة النارية ونصف الآلية. كما شاعت مداهمات محلات الصاغة خلال تلك الفترة؛ إلى درجة أنه قبل انتهاء قوات الشرطة المحلية من التحقيق في جريمة السرقة، وأخذ شهادات صائغ المجوهرات ومساعديه المهزوزين والنازفين في أغلب الأوقات، كانت تُستدعى للتحقيق في جريمة سرقة أخرى مماثلة في المنطقة نفسها.
أطلق اللصوص النار على موظفيْن في بنكين مختلفين -كل في مدينة- في أثناء محاولة كل منهما مقاومة السرقة، وقبل نهاية شهر يوليو، تفاقمت الأزمة إلى درجة استدعاء رجال فيلق الجمهورية، وهي فرق مكافحة الشغب المعروفة لكل فرنسي باسم «فيلق الأمن الجمهوري»، وتسليحهم لأول مرة بمدافع رشاشة. أصبح من المعتاد بالنسبة إلى مرتادي المصارف أن يمروا بحارس أو اثنين من حراس فيلق الأمن الجمهوري في زيهم الأزرق؛ كل منهم يحمل مدفعاً رشاشاً مُعمَّراً.
رداً على سيل شكاوى المصرفيين وصائغي المجوهرات؛ ممن احتجوا بشتى السبل على طوفان الجرائم التي ابتُلوا بها، تكررت عمليات تفتيش الشرطة للبنوك ليلاً بدرجة غير مسبوقة. غير أن هذا كله كان بلا جدوى؛ لأن اللصوص لم يكونوا مجرمين محترفين قادرين على الإغارة على أقبية المصارف خلال ساعات الظلام، وسرقة ما اختُزن فيها ببراعة، بل مجرد لصوص ملثمين، مسلحين ومستعدين لإطلاق النار إذا ما استُفزوا بأي طريقة.
الخطر كله تمثل في وضح النهار؛ إذ أصبح من الممكن أن يفاجأ أي بنك أو محل مجوهرات في أي مكان في فرنسا بظهور رجلين أو ثلاثة رجال مسلحين وملثمين في وسط يوم العمل التقليدي، يصيحون في الجميع «ارفعوا أيديكم!!».
في أواخر شهر يوليو تمكنت الشرطة من إصابة ثلاثة لصوص في ثلاث مدن مختلفة وحبسهم. تبين أن أولهم محتال صغير يستخدم تنظيم الجيش السري بصفته ذريعة لإشاعة الفوضى، أما اللصان المتبقيان فكانا من رافضة أحد الأنظمة الاستعمارية السابقة، وسرعان ما اعترفا بأنهما من رجال تنظيم الجيش السري. وعلى الرغم من استجوابهم بمزيد من الصرامة في مقر الشرطة، لم ينطق أي من الثلاثة بحرف حين سئلوا عن السبب الكامن وراء سلسلة السرقات التي ضربت البلاد فجأة. كل ما ذكروه هو أن «الزعيم» (رئيس العصابة) اتصل بهم وحدد لهم الهدف؛ الذي تمثل في السطو إما على بنك وإما على محل مجوهرات. في نهاية المطاف، فهمت الشرطة أن السجناء لا يعرفون شيئاً عن الغرض من هذه السرقات. كل ما يعرفونه هو أنهم وُعدوا بحصة من مجموع سرقاتهم، ولأنهم مجرد نكرة فقد صدعوا لأمر «الكبار».
لم تستغرق السلطات الفرنسية وقتاً طويلاً لإدراك أن تنظيم الجيش السري وراء تفشي هذا البلاء، وأن التنظيم -لسبب غير معلوم- بحاجة ماسة إلى المال في أسرع وقت ممكن. لم تكتشف السلطات السبب حتى مضي الأسبوعين الأولين من شهر أغسطس، وبطريقة غير متوقعة بحال.
بيد أنه خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر يونيو، علَت موجة الاقتحام والسرقة التي جردت المصارف ومحلات الصاغة من المال والمجوهرات على نحو سريع ومفاجئ للجميع، وبلغت من الخطورة مبلغاً حث المسؤولين على تسليم هذا الملف إلى المفوض موريس بوفييه؛ رئيس إدارة التحقيقات الجنائية التابعة للشرطة القضائية، والذي حظي بين السلطات باحترام واسع. في مكتبه الصغير المكدس بالقضايا في مقر الإدارة المركزية للشرطة القضائية الفرنسية، الواقع على ضفاف نهر السين -وتحديداً في 36 كاي ديز أورفيفر- أعد المفوض ورجاله مخططاً يعرض مقدار المال المسلوب وقيمة إعادة البيع التقريبية للمجوهرات المسروقة. بحلول النصف الأخير من شهر يوليو، تعدى المجموع مليوني فرنك جديد؛ أي ما يوازي أربعمئة ألف دولار. حتى مع اقتطاع مبلغ معقول لتغطية نفقات تنفيذ عمليات السطو، ومبلغ إضافي كحصص للمجرمين الذين نفذوا هذه العمليات؛ فإنه بحسب تقدير رئيس إدارة التحقيقات، يبقى مبلغاً ضخماً من المال لا يعرف أحد مصيره.
في الأسبوع الأخير من شهر يونيو، وجد الفريق يوجين جيبو -رئيس جهاز مكافحة التجسس والأمن الداخلي- تقريراً على مكتبه من رئيس مكتبه الدائم في روما. جاء في التقرير أن الرجال الثلاثة الكبار في تنظيم الجيش السري؛ مارك رودان ورينيه مونتكلير وأندريه كاسون، يقيمون معاً في الطابق العلوي من فندق يقع بالقرب من شارع فيا دي كوندوتي. وأضاف التقرير أنه على الرغم من التكلفة الواضحة للإقامة في فندق في هذا الحي الاستثنائي، اتخذ الثلاثة الطابق العلوي لأنفسهم، والطابق السفلي لحراسهم الشخصيين. ويقوم ثمانية رجال أقوياء من الأعضاء السابقين بالفيلق الأجنبي الفرنسي على حراسة الرجال الثلاثة ليلاً ونهاراً؛ الذين لم يخاطر أي منهم بالخروج من الفندق ولو مرة واحدة. افترض رجال الخدمة السرية أنهم هناك لعقد مؤتمر من نوع ما؛ غير أنهم -مع مرور الأيام- استنتجوا أنهم يتخذون كل الاحتياطات الممكنة للتأكد من عدم وقوع أي منهم ضحية لعملية اختطاف أخرى كالتي وقعت لأنطوان أرجو. ارتسمت على وجه الفريق يوجين جيبو ابتسامة كئيبة وهو يتخيل كبار رجال التنظيم الإرهابي ترتعد فرائصهم داخل ذلك الفندق في روما، ورفع التقرير بوصفه إجراءً روتينياً لا مفر منه. على الرغم من الخلاف المرير الذي كان ما يزال قائماً بين وزارة الخارجية الفرنسية في كيه دورسيه ووزارة الخارجية الألمانية في بونة بشأن التعدي على وحدة الأراضي الألمانية في فندق إيدن وولف في شهر فبراير من العام السابق، كان ما يزال لدى يوجين جيبو كل الأسباب ليسعد برجاله في وحدة الإجراءات الذين نفذوا الانقلاب. مشهد رؤساء تنظيم الجيش السري المفزوعين وحده تعويض يكفي وزيادة. في أثناء تفحص الجنرال ملف مارك رودان قرر أن يقضي على بذور الشك التي بدأت تطل برأسها في صدره. سأل نفسه علام يفزع رجل مثل مارك رودان إلى هذه الدرجة وبهذه السهولة؟ إن رودان -بوصفه رجلاً يتمتع بخبرة لا يستهان بها في وظيفته، ويدرك واقع عالم السياسة والدبلوماسية تمام الإدراك- يعلم جيداً أن من المستحيل أن يحصل على إذن لتنظيم عملية اختطاف أخرى. لم تتضح له الخطورة الحقيقية وراء الاحتياطات التي اتخذها رجال تنظيم الجيش السري الثلاثة للحفاظ على سلامتهم، إلا بعد وقت طويل.
* * * * * *
.
في لندن، أمضى ابن آوى الأسبوعين الأخيرين من شهر يونيو والأسبوعين الأولين من شهر يوليو في نشاط موجَّه ومخطط له بعناية. من يوم عودته وقد وضع هدفاً لنفسه يتمثل في الحصول على كل كلمة كُتبت عن شارل دي جول، وكل كلمة كتبها شارل دي جول، وقراءتها بعناية. قرر ابن آوى الذهاب إلى مكتبة الإعارة القريبة، والبحث عن الرئيس الفرنسي في الموسوعة البريطانية، ووجد في نهاية القسم المخصص للرئيس قائمة شاملة بالكتب التي يحتاج موضوع بحثه إليها.
تمثلت خطوة ابن آوى التالية في إرساله عدة رسائل إلى عدد كبير من المكتبات المعروفة؛ مستخدماً اسماً مزيفاً وعنواناً معاداً توجيهه إلى شارع برِد في حي بادينجتون، وبهذا استطاع أن يحصل على الكتب المطلوبة بالبريد. وكل يوم يجلس الإنجليزي في شقته يلتهم هذه الكتب التهاماً حتى ساعات الصباح الأولى؛ كي يبني في ذهنه صورة مفصلة بدقة عن ذلك الرجل الذي يقطن قصر الإليزيه؛ منذ نعومة أظفاره حتى هذه اللحظة. لم ير في المعلومات المتنوعة التي حصل عليها فائدة عملية تُذكر، ولكن من وقت إلى آخر كانت تتبدى لابن آوى سمة شخصية للجنرال أو عادة معينة في كتاب من الكتب. ما وجده الأكثر إفادة فيما يتعلق بشخصية الرئيس الفرنسي كان مجلد «حد السيف» من مذكرات الجنرال، الذي أوضح شارل دي جول فيه بالتفصيل الدقيق موقفه الشخصي من الحياة، ومن وطنه، ومصيره كما رآه.
وابن آوى ليس رجلاً غبياً أو بطيء الفهم، وعلى هذا فقد استمر يقرأ بنهم ويخطط بدقة. كما أن الطبيعة حبته بملكة القدرة على حفظ قدر هائل من المعلومات والحقائق، تحسباً لوقت قد يحتاج فيه إلى استخدام أي منها لاحقاً.
بيد أنه على الرغم من قراءته لأعمال شارل دي جول، والمؤلفات التي كتبها عنه رجال عرفوه جيداً -على نحو قدّم صورة كاملة لرئيس فرنسا الفخور المتكبر- لم يستطع ابن آوى أن يعثر على إجابة السؤال الذي سيطر على ذهنه منذ تلك اللحظة التي دخل فيها غرفة مارك رودان في ذلك البنسيون الصغير في فيينا يوم الخامس عشر من شهر يونيو الماضي، وقَبِلَ مهمة اغتيال الرئيس. بحلول نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو، لم يتوصل بعد إلى إجابة هذا السؤال: متى يجب أن يضرب ضربته؟ وأين؟ وكيف؟
كمحاولة أخيرة، توجه إلى غرفة المطالعة في المتحف البريطاني، وبعد التوقيع على طلب الحصول على إذن لإجراء بحث باسمه المزيف المعتاد، بدأ في مطالعة النسخ القديمة من صحيفة لو فيجارو اليومية الرائدة في فرنسا.
لا يُعرف بالضبط متى حصل ابن آوى على الجواب المنتظر، ولكن في وسعنا أن نفترض حدوث هذا في غضون ثلاثة أيام من اليوم السابع من شهر يوليو. في غضون تلك الأيام الثلاثة؛ بدءاً من بذرة فكرة تفتق عنها ذهنه بعد قراءة مقالات كاتب عمود في عام 1962، ومراجعة الملفات التي تغطي كل سنة من سنوات رئاسة شارل دي جول منذ عام 1945، تمكن القاتل المحترف أخيراً من العثور على إجابة سؤاله. استنتج أنه خلال ساعة محددة في يوم بعينه، سوف ينزل شارل دي جول إلى الجماهير؛ سواء كان مريضاً أم لم يكن، وسواء كانت الأحوال الجوية جيدة أم سيئة، غاضاً الطرف كلياً عن أي خطر يمكن أن يداهمه جراء ذلك. ومنذ اللحظة التي توصل فيها ابن آوى إلى هذا الاكتشاف، انتقلت استعداداته من مرحلة البحث إلى مرحلة التخطيط العملي.
بعد ساعات طويلة من التفكير مستلقياً على ظهره في شقته يحدق في السقف المطلي بلون القِشْدة، ويدخن بلا توقف سجائر كينج سايز المعتادة ذات الفلتر، اتضحت التفاصيل الأخيرة في ذهن ابن آوى أخيراً.
خطرت له ما لا يقل عن عشرة أفكار؛ لكنه رفضها جميعاً قبل أن يستقر في النهاية على الخطة التي قرر تبنيها، ويجد جواب آخر سؤال: «كيف سيفعلها؟»، بعد أن حدد بالفعل «متى» سيفعلها «وأين».
لقد وعى ابن آوى تماماً أنه في ذلك العام -1963– لم يكن الجنرال شارل دي جول رئيساً عادياً لفرنساً؛ فقد حظي بطاقم حراسة هو الأشد دقة ومهارة في العالم الغربي بأسره. وكما ثبت في وقت لاحق، كان اغتياله أصعب بكثير من اغتيال رئيس أمريكا جون كينيدي. لم يعلم القاتل الإنجليزي أن خبراء الأمن الأمريكيين سمحوا لنظائرهم الفرنسيين بالاطلاع على الاحتياطات التي اتخذوها لحماية حياة الرئيس كينيدي، وأنهم عبروا عن استيائهم من ضعف الإجراءات التي اكتفى بها جهاز المخابرات الأمريكي. وفيما بعد ثبتت صحة رأي الخبراء الفرنسيين في الأساليب الأمريكية حين قُتل جون كينيدي في دالاس، في شهر أكتوبر من عام 1963. استطاع هاوٍ نصف مجنون أن يقضي على الرئيس الأمريكي في دقائق معدودة؛ في حين عاش شارل دي جول حتى تقاعد في سلام، ورحل في النهاية بشكل لائق آمناً في منزله.
ما عرفه ابن آوى هو أن رجال الأمن الذين يخطط للتغلب عليهم هم من بين الأفضل في العالم، وأن كامل جهاز الأمن المحيط بشارل دي جول في حالة تأهب دائم تحسباً لأي احتمالات، ويتوقعون محاولة اغتيال زعيمهم في أي وقت، وأن التنظيم الذي اختار أن يعمل لحسابه مليء بالواشين الذين يفشون خططه وأسراره للشرطة الفرنسية السرية. لكن إن قرر النظر إلى نصف الكوب الممتلئ، ففي وسع ابن آوى الاعتماد على نقطة عدم الكشف عن هويته، وعلى رفض الرئيس الفرنسي القاطع للتعاون مع قوات الأمن الخاصة به. في اليوم المختار، سوف يجبره كبرياؤه وعناده واحتقاره لحقيقة الخطر المحدق به على الخروج إلى العلن لبضع ثوان مهما حذره المحيطون به من مخاطر ذلك.
* * * * * *
.
هبطت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الاسكندنافية -القادمة من بلدة كاستروب الألمانية- في مطار لندن، وتوقفت على بعد أقدام قليلة من مبنى الركاب. أزّت المحركات بضع ثوان، ثم توقف الصوت تدريجياً حتى تلاشى تماماً. في غضون دقائق معدودة، أنزلت الطائرة سلمها، وبدأ الركاب الخروج بعد إلقاء نظرة أخيرة على المضيفة المبتسمة في الأعلى، وتوديعها بإيماءة أو تلويحة سريعة. على منصة المراقبة، رفع الرجل الأشقر نظارته الداكنة إلى أعلى جبهته، وبدأ يتفحص ما حوله بمنظار كان في حوزته. كان فوج الركاب النازلين من الطائرة هو الفوج السادس الذي خضع لهذا الفحص الدقيق في صباح ذلك اليوم؛ بيد أنه مع ازدحام المبنى بالناس المتكدسين في ضوء الشمس الدافئ ينتظرون وصول الركاب ومحاولة تمييزهم بمجرد خروجهم من الطائرة، لم يظهر على المراقب أي اهتمام.
عندما خرج الراكب الثامن إلى النور ورفع رأسه، بدا بعض التوتر على الرجل الواقف فوق المنصة، وتتبع الوافد الجديد بمنظاره حتى وصل إلى أسفل الدرج. كان الراكب القادم من الدنمارك قسيساً أو كاهناً، يرتدي زياً رمادياً تقليدياً مزوداً بياقة إكليركية؛ بدا في أواخر الأربعينيات من عمره بسبب قصة شعره الرمادي متوسط الطول، والمُسرَّح إلى الخلف؛ لكن ملامح وجهه بينت أنه أصغر سناً. كان رجلاً طويل القامة عريض المنكبين، تبدو عليه اللياقة البدنية. لم يختلف في بنية جسده كثيراً عن الرجل الواقف يراقبه من فوق المنصة.
في أثناء دخول الركاب صالة الوصول للحصول على جوازاتهم وتخليص الإجراءات الجمركية، ألقى ابن آوى بالمنظار في حقيبته الجلدية، وأغلقها، وتحرك بهدوء نحو الباب الزجاجي؛ وصولاً إلى الصالة الرئيسة.
بعد خمس عشرة دقيقة خرج القسّ الدنماركي من منطقة التفتيش في المطار حاملاً حقيبة يده وحقيبة سفره؛ دون أن يبدو أن أحداً ينتظره. توجه من فوره إلى مكتب بنك باركليز لتغيير العملة.
حسب ما قاله لرجال الشرطة الدنماركية حين استجوبوه بعد ستة أسابيع، لم يلحظ القسّ الدنماركي الشاب الإنجليزي الأشقر الذي كان يقف إلى جواره منتظراً دوره في الصف بحسب ما يبدو؛ بينما يتفحص ملامح الدنماركي بهدوء من خلف نظارته الداكنة. لم يتذكر حتى أنه رأى هذا الرجل.
ولكن عندما خرج من الصالة الرئيسة لركوب حافلة المطار كان ابن آوى يسير خلفه ببضع خطوات حاملاً حقيبته الجلدية. تؤكد الشواهد أنهما لا بد وصلا إلى لندن على الحافلة نفسها.
حين وصلت الحافلة إلى محطة غرب لندن الجوية، تعين على القسّ الدنماركي انتظار حقيبته بضع دقائق أمام مقطورة الأمتعة بمؤخرة الحافلة، وحين استلمها انطلق من فوره متجاوزاً مكاتب التسجيل بالمطار إلى حيث لافتة المَخرج المزودة بسهم توضيحي بالإضافة إلى كلمة «تاكسي» المتعارف عليها في مختلف الدول. تتبعه ابن آوى إلى حيث مؤخرة الحافلة، واستمر في طريقه وصولاً إلى موقف الحافلات الذي توقفت فيه سيارته الرياضية مفتوحة السقف في موقف سيارات موظفي المطار. ألقى بحقيبته على مقعد الراكب، ثم ركب السيارة وشغلها، وتحرك بها بمحاذاة الجدار الأيسر للمبنى حيث يتمكن من رؤية صف سيارات الأجرة الطويل أسفل الممر المسقوف ذي الأعمدة. ركب الدنماركي سيارة الأجرة الثالثة، التي انطلقت على طريق كرومويل، متجهة نحو نايتسبريدج. وانطلقت السيارة الرياضية خلفه.
أمام فندق صغير ومريح بشارع هاف مون، توقفت سيارة الأجرة، ونزل منها القسّ الغافل تماماً عن الإنجليزي الذي يتتبعه. انطلقت السيارة الرياضية متجاوزة مدخل الفندق، وفي غضون دقائق قليلة وجد الإنجليزي عداداً احتياطياً لانتظار السيارات في الركن البعيد من شارع كرزون. في غضون خمس دقائق، كان ابن آوى قد وضع الحقيبة في صندوق الأمتعة، وأغلقه بالمفتاح، ثم ذهب واشترى صحيفة إيفينينج ستاندارد من بائع الصحف الواقف في سوق شيبرد، وعاد إلى بهو الفندق. انتظر خمساً وعشرين دقيقة أخرى قبل أن ينزل الدنماركي إلى الطابق السفلي ويعيد مفتاح غرفته إلى موظفة الاستقبال. بعد أن علقت الموظفة المفتاح في مكانه، تأرجح بضع ثوان من الخطاف. وهنا استطاع الرجل الجالس في البهو على مقعده المريح ذي الذراعين؛ الذي ينتظر صديقاً -على ما يبدو- والذي أنزل صحيفته عندما مر الدنماركي به في طريقه إلى المطعم، أن يلاحظ أن الرقم على المفتاح كان 47. بعد بضع دقائق، توجهت موظفة الاستقبال إلى المكتب الخلفي، وذلك من أجل التحقق من حجز تذكرة مسرحية لأحد النزلاء. وهنا تحرك الرجل ذو النظارة الداكنة بخفة وهدوء نحو الدرج دون أن يلاحظه أحد.
لم يكف شريط ميكا المرن بعرض بوصتين لفتح باب الغرفة 47 المتصلّب، فاستعان ابن آوى بسكين صغير لدمج الألوان من النوع الذي يستخدمه الرسامون، وفُتح القفل الزنبركي بعد تكّة واحدة. ولأن القسّ نزل إلى الطابق السفلي لتناول طعام الغداء دون نية في الخروج، ترك جواز سفره على منضدة السرير الجانبية. في غضون ثلاثين ثانية عاد ابن آوى إلى الطُرقة، تاركاً حافظة الشيكات السياحية كما هي؛ على أمل أنه من دون دليل على السرقة، ستحاول السلطات إقناع الدنماركي بأنه فقد جواز سفره في مكان آخر. قبل وقت طويل من انتهاء القسّ الدنماركي من قهوته، غادر الإنجليزي دون أن يراه أحد، وقبل أن يمر وقت طويل من عصر ذلك اليوم -بعد أن فتش القس غرفته تفتيشاً دقيقاً- هرول إلى مدير الفندق كي يبلغه باختفاء جواز سفره. فتش المدير الغرفة هو أيضاً، وبعد تبيُّن أن كل شيء آخر كان موجوداً؛ بما في ذلك دفتر الشيكات السياحي، بذل مدير الفندق كل جهده لإقناع ضيفه المرتبك بأنه لا حاجة للاتصال بالشرطة وإحضارهم إلى فندقه؛ إذ إن من الواضح أن القس فقد جواز سفره في مكان ما خلال رحلة العودة. ولطيبة القسّ الدنماركي وعدم تأكده من وضْعه في ذلك البلد الأجنبي، وافق مضطراً على أن هذا هو ما حدث لا بد. وعلى هذا ذهب في اليوم التالي للإبلاغ عن فقدانه جواز سفره في القنصلية العامة الدنماركية؛ فمنحوه هناك وثيقة سفر اضطرارية يستطيع من خلالها العودة إلى كوبنهاجن في نهاية فترة إقامته في لندن المحددة بأسبوعين. وبعدها لم يعر القس الدنماركي ما حدث مزيداً من الاهتمام. قدم موظف القنصلية العامة بلاغاً بفقدان جواز سفر باسم القسّ بير جِنسن من سانكت كيلسكيرك بكوبنهاجن، ولم يعر الأمر مزيداً من الاهتمام هو الآخر. حدث هذا في الرابع عشر من شهر يوليو.
بعد مرور يومين تعرض أمريكي لخسارة مماثلة. هذه المرة كان طالباً من سيراكيوز في ولاية نيويورك. حين وصل الأمريكي إلى مبنى أوشيانيك في مطار لندن قادماً من نيويورك، قدم جواز سفره من أجل صرف أول شيكاته السياحية في مكتب أميريكان إكسبريس. بعد صرف الشيك، دس النقود في جيب سترته الداخلي، وجواز السفر في حافظة شفافة مضغوطة وضعها في حقيبة يد جلدية صغيرة. بعد بضع دقائق، حاول جذب انتباه الحمال بأن وضَعَ الحقيبة أرضاً؛ ليكتشف أنها اختفت بعد ثلاث ثوانٍ. في البداية اتهم الحمال، ولجأ إلى مكتب تحقيقات بان أميريكان؛ الذي وجَّهه بدوره إلى أقرب ضابط شرطة أمن بالمطار. قاده الضابط إلى مكتب، وهناك شرح الشاب الأمريكي له مشكلته.
بعد أن استبعد البحث احتمال أخذ شخص آخر لحقيبة اليد عن طريق الخطأ، رفع المسؤول تقريراً يدرج ما حدث بوصفه سرقة متعمدة.
اعتذر الموظفون للشاب الأمريكي الرياضي طويل القامة وأعربوا عن أسفهم الشديد على ما يفعله النشالون ولصوص الحقائب في الأماكن العامة هذه الأيام، وأخبروه عن الاحتياطات الكثيرة التي اتخذتها سلطات المطار لمحاولة الحد من سرقات الأجانب الوافدين. كان الشاب لطيفاً بما يكفي ليعترف بأن أحد أصدقائه تعرض للسرقة بطريقة مماثلة في محطة جراند سنترال بنيويورك.
في نهاية المطاف، وُزعت نُسخ من التقرير بطريقة روتينية على جميع أقسام شرطة مدينة لندن؛ إلى جوار وصف حقيبة اليد المفقودة ومحتوياتها من أغراض وأوراق بما في ذلك جواز السفر. بيد أنه مع مرور أسابيع دون العثور على أي أثر لحقيبة اليد أو محتوياتها، توقف الجميع عن التفكير في الحادث.
في تلك الأثناء توجه مارتي شولبيرج إلى قنصليته في ميدان جروفينور، وأبلغ هناك عن سرقة جواز سفره، فأصدروا له وثيقة سفر تمكنه من العودة إلى الولايات المتحدة بعد إجازته التي ستستمر شهراً في مرتفعات إسكتلندا مع حبيبته من برنامج التبادل الطلابي. سُجِّل فقدان جواز السفر في القنصلية، وأُبلغت وزارة الخارجية بواشنطن. وبعدها نسيت كلتا المؤسستين كل شيء عن ذلك الحادث.
لن نعرف أبداً عدد الركاب القادمين من الخارج، والوافدين إلى مبنى الركاب في مطار لندن؛ الذين فُحصوا بعناية من خلال منظار يحمله رجل أشقر هادئ يقف في منصة المراقبة المقابلة في أثناء خروجهم من طائراتهم ونزولهم درجات السلم القصير. على الرغم من اختلاف الشخصين اللذين فقدا جوازي سفرهما في السن، فقد جمعتهما بضع سمات مشتركة؛ إذ بلغ طول كل منهما نحو ستة أقدام، وامتلك كلاهما منكبين عريضين وبنية رشيقة؛ فضلاً عن عينين زرقاوين وملامح قريبة الشبه من ملامح الإنجليزي الهادئ الذي تبعهما وسرقهما. على الجانب الآخر، كان القسّ جنسن يبلغ من العمر ثمانية وأربعين عاماً، ذا شعر رمادي ونظارة قراءة ذهبية الإطار؛ في حين كان مارتي شولبيرج في الخامسة والعشرين من عمره، كستنائي الشعر يرتدي طوال الوقت نظارة مستطيلة سوداء الإطار.
هذان هما الوجهان اللذان فحصهما ابن آوى بمنتهى الدقة في أثناء جلوسه إلى مكتبه في شقته القريبة من شارع جنوب أودلي. احتاج ابن آوى يوماً وثلاث زيارات متتابعة؛ الأولى إلى مصمم أزياء مسرحية، والثانية إلى أخصائي بصريات، والثالثة إلى متجر ملابس رجالي في ويست إند متخصص في الملابس الأمريكية المصنوعة في نيويورك؛ للحصول على عدسات لاصقة زرقاء اللون، ونظارتي نظر؛ إحداهما ذهبية الإطار والأخرى سوداء، وطقم كامل يتألف من حذاء رياضي جلدي أسود، وقميص، وسروال داخلي، وبنطال أبيض مائل إلى الصفرة، وسترة خفيفة من النايلون الأزرق السماوي لها سحاب أمامي، وأطواق وأكمام من الصوف الأحمر والأبيض؛ كلها مصنوعة في نيويورك، فضلاً عن قميص إكليركي أبيض، وياقة إكليركية بيضاء منشاة، وصدرية سوداء. ولم ينس ابن آوى أن يزيل كل أثر للملصقات التي تبين بلد المنشأ من القطع الثلاث الأخيرة.
أما زيارته الأخيرة في ذلك اليوم فاستهدفت بازاراً في تشيلسا، متخصصاً في الشعر الرجالي المستعار، يديره رجلان مثليان. وهناك طلب صبغة لتلوين الشعر بلون رمادي متوسط، وأخرى لتلوينه باللون البني الكستنائي، والتي حصل معها على تعليمات دقيقة ومفصلة حول كيفية تطبيق الصبغة لتحقيق أفضل النتائج في أقصر وقت حيث يبدو الشعر طبيعياً تماماً. كما اشترى عدة فُرَش شعر صغيرة مخصصة لهذا الغرض. وبصرف النظر عن مجموعة الملابس الأمريكية، حرص ابن آوى على ألا يشتري أكثر من غرض واحد من كل متجر.
في اليوم التالي، وتحديداً في الثامن عشر من شهر يوليو، نُشرت فقرة صغيرة في ذيل إحدى صفحات جريدة لو فيجارو، تُعلن تعرُّض المفوض هيبوليت دوبوي، نائب رئيس إدارة التحقيقات الجنائية التابعة للشرطة القضائية، لسكتة دماغية في مكتبه في كاي ديز أورفيفر في باريس، ووفاته في طريقه إلى المستشفى. ذكر الخبر أيضاً اسم خليفته؛ المفوض كلود لوبيل، رئيس قسم جرائم القتل، الذي تقرر أن يتولى مهامه الجديدة على الفور نظراً إلى ضغوط العمل على جميع الأقسام خلال أشهر الصيف. أما ابن آوى، الذي لم يتوقف عن مطالعة كل صحيفة فرنسية متوافرة في لندن بصفة يومية، فلم يقرأ الفقرة إلا بعد أن لفتت انتباهه كلمتا «التحقيقات الجنائية» في العنوان، لكنه لم يطل التفكير في هذا الذي قرأه.
قبل أن يبدأ ابن آوى ساعة المراقبة اليومية في مطار لندن، قرر استخدام هوية مزيفة طوال عملية الاغتيال القادمة. في الواقع، لا أسهل من أن تحصل على جواز سفر بريطاني مزور. اتبع ابن آوى الإجراء الذي يتبعه معظم المرتزقة والمهربين وغيرهم ممن يرغبون في استخدام أسماء مستعارة لعبور الحدود. أولاً: ذهب في رحلة بالسيارة عبر المقاطعات الرئيسة في وادي التايمز بحثاً عن قرى صغيرة. في المقبرة الثالثة التي زارها، عثر ابن آوى على شاهد قبر يناسب غرضه. كانت هذه هي مقبرة ألكسندر دوجان الذي توفي عن عمر سنتين ونصف في عام 1931. ولو أن الطفل ألكسندر دوجان قد عاش لأصبح في شهر يوليو عام 1963 أكبر من ابن آوى ببضعة أشهر فحسب. حين ذهب الزائر نفسه قاصداً بيت الكاهن وجده مهذباً ومتعاوناً بشدة. أوضح الزائر له أنه يهوى علم الأنساب، ويحاول تتبع شجرة آل ألكسندر دوجان. كان قد أُبلغ بأن آل دوجان استقروا في القرية قبل سنوات طويلة. وسأله ببعض الخجل عمّا إذا كان يرى أن سجلات الرعية قد تساعد في بحثه.
كان القسّ هو اللطف ذاته، وفي الطريق إلى الكنيسة ازداد الرجل تعاوناً ولطفاً حين علَّق ابن آوى على جمال المبنى النورماندي الصغير، وساهم في صندوق التبرعات التي تُجمع من أجل ترميمه. تبين من السجلات الجنائية المركزية أن كلا الوالدين ماتا خلال السنوات السبع الماضية، وأن ابنهما الوحيد ألكسندر توفي قبلهما –يا للأسف- ودفن في فناء الكنيسة قبل أكثر من ثلاثين عاماً. قلَّب ابن آوى صفحات سجل الرعية الخاص بالولادة والزواج والوفيات خلال عام 1929، ولفت انتباهه اسم ألكسندر دوجان المولود في شهر أبريل، والمكتوب بخط يد أحد رجال الكنيسة.
ألكسندر جيمس كوينتين دوجان: ولد في الثالث من شهر أبريل من عام 1929، في أبرشية سان مارك بسامبورن فيشلي.
طبع ابن آوى التفاصيل في ذاكرته، وشكر القسّ بحرارة، ثم غادر الكنيسة بسرعة. وحين عاد إلى لندن، توجه من فوره إلى السجل المركزي للمواليد والزيجات والوفيات، وهناك قبِل موظف شاب متعاون بطاقة الزيارة التي تُبين أنه شريك في شركة محامين بمدينة ماركت درايتون شمال مقاطعة شروبشاير. أوضح الإنجليزي أنه يحاول تعقب أحفاد إحدى عميلات الشركة التي توفيت في الفترة الأخيرة وتركت ممتلكاتها كافة لأحفادها. وأحد هؤلاء الأحفاد هو ألكسندر جيمس كوينتين دوجان؛ المولود في سامبورن فيشلي، في أبرشية سان مارك، في الثالث من أبريل عام 1929.
يبذل معظم موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا قصارى جهدهم لتقديم المساعدة حين تُطلب منهم بأدب، وفي هذه الحالة لم يكن المساعد استثناء. اتضح بعد البحث في السجلات أن الطفل المعني مسجل بالاسم نفسه والمعلومات التي قدمها المستفسِر، لكنه توفي في يوم الثامن من شهر أكتوبر من عام 1931 نتيجة حادث سير. لقاء بضعة شلنات، حصل ابن آوى على نسخة من شهادتي الميلاد والوفاة. قبل عودته إلى المنزل، عرج على مكتب فرعي تابع لوزارة العمل وهناك ملأ استمارة طلب جواز سفر، ثم على محل ألعاب اشترى منه طبّاعة أطفال بملحقاتها مقابل خمسة عشر شلناً، ثم على مكتب بريد من أجل شراء وثيقة حوالة بريدية بقيمة 1 جنيه استرليني.
عند عودته إلى شقته، ملأ استمارة الطلب باسم ألكسندر دوجان، ودون العمر المضبوط، وتاريخ الميلاد، وما إلى ذلك. وفي خانة الأوصاف الشخصية دوّن ابن آوى أوصافه هو. ذكر طوله، ولون شعره، ولون عينيه. وفي خانة المهنة كتب ببساطة «رجل أعمال». كما ملأ اسمي والدي ألكسندر دوجان بالكامل؛ نقلاً عن شهادة ميلاد الطفل. في خانة الضامن كتب الإنجليزي اسم الكاهن الذي تحدث إليه ذلك الصباح؛ جيمس إلدرلي، كاهن كنيسة سان مارك بقرية سامبورن فيشلي، بعد أن رأى اسمه بالكامل مكتوباً على لافتة بالقرب من بوابة الكنيسة. وأخيراً زور توقيع القسّ بخط رفيع مستخدماً قلماً رفيع السن، وبالاستعانة بطبّاعة الأطفال اخترع ختماً للكنيسة يقول «كنيسة أبرشية سان مارك. سامبورن فيشلي»، وختم به إلى جوار توقيع القسّ. بعد ذلك، أرسل ابن آوى نسخة من شهادة الميلاد واستمارة الطلب ووثيقة الحوالة البريدية إلى مكتب الجوازات في شارع بيتي فرانس. ولم ينس أن يتلف شهادة الوفاة ويتخلص منها. وصل جواز السفر الجديد بالبريد إلى العنوان المذكور بعد أربعة أيام بينما كان يطالع نسخة ذلك الصباح من صحيفة لو فيجارو. وذهب ابن آوى لاستلامه بعد الغداء. في وقت متأخر من عصر ذلك اليوم، أغلق باب شقته بالمفتاح، وتوجه إلى مطار لندن حيث استقل الطائرة المتجهة إلى كوبنهاجن، ودفع نقداً من جديد تجنباً لاستخدام دفتر الشيكات. في تجويف سحري بحقيبته، وداخل جيب لا يزيد سمكه على سُمك مجلة ولا يمكن اكتشافه إلا بإجراء تفتيش دقيق، أخرج الألفي جنيه استرليني التي سحبها في وقت سابق من ذلك اليوم من صندوق سنداته الواقع في خزانة بقبو أسفل إحدى الشركات القانونية في هولبورن.
كانت زيارة كوبنهاجن سريعة وعملية. قبل مغادرته مطار كاستروب، حجز ابن آوى لنفسه في عصر اليوم التالي رحلة طيران إلى بروكسل على خطوط سابينا الجوية. في العاصمة الدنماركية، كان الوقت قد تأخر كثيراً على الذهاب للتسوق، ولهذا قرر أن يحجز في فندق إنجلترا بميدان كونجينز نيتورف، وأكَل كالملوك في مطعم سيفين نيشنز، وغازل شقراوات دنماركيات في أثناء تجواله في حديقة تيفولي، ثم ذهب إلى النوم بحلول الواحدة صباحاً.
في اليوم التالي، اشترى بدلة رمادية اللون خفيفة الوزن من أحد أشهر متاجر الملابس الرجالية في وسط كوبنهاجن، وحذاء مشي كلاسيكياً أسود، وجورباً، ومجموعة من الملابس الداخلية، وثلاثة قمصان بيضاء مع ياقات إكليركية مماثلة. وقد تأكد ابن آوى من أن جميع ما اشتراه يحمل شعار «صنع في الدنمارك» على الملصقات القماشية الصغيرة بداخله. أما هدفه من ابتياع القمصان البيضاء الثلاثة التي لم يكن بحاجة إليها فكان مجرد الحصول على الملصقات الخاصة بها وتثبيتها في القميص الإكليركي والياقة الإكليركية والصدرية السوداء التي اشتراها في لندن أثناء ادعائه أنه طالب في اللاهوت على وشك الرِسامة.
آخر ما اشتراه كان كتاباً باللغة الدنماركية عن الكنائس والكاتدرائيات الأبرز في فرنسا. تناول ابن آوى وجبة غداء خفيفة من الأطعمة الباردة في مطعم على ضفاف البحيرة في حديقة تيفولي، ثم استقل طائرة الثالثة والربع المتوجهة إلى بروكسل.
. . * * * . .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *