سرديّة النجاة في «مجتمع الغرقى» للكاتبة السورية وسام الخطيب
سرديّة النجاة في «مجتمع الغرقى» للكاتبة السورية وسام الخطيب
بقلم: عماد الدين موسى
المصدر: صوت سوري
في مجموعتها القصصية «مجتمع الغرقى»، تُبحر الكاتبة السورية وسام الخطيب في أعماق النفس البشرية المهددة بالانهيار، لتفكك عبر لغة رمزية شديدة الكثافة ثنائيات السلطة المنكسرة، والأمومة المقاوِمة، والذاكرة التي ترفض النسيان وسط الركام. هذه القراءة النقدية تغوص في دهاليز المجموعة، وتكشف كيف تحول الأدب إلى أرشيف سري لإنقاذ الإنسان من الغرق الرمزي داخل واقع مضطربة عن دار «جدل»، تقدّم الكاتبة السورية وسام الخطيب حكايات تتقاطع عند فكرة الغرق الرمزي داخل واقع مضطرب، وتكشف عبر مصائر شخصياتها عن هشاشة الإنسان وهو يحاول الحفاظ على معنى الحياة وسط التحولات القاسية.
تبدو الحكايات منفصلة من حيث البنية، غير أنّ خيوطاً خفية تشدّها إلى فضاء دلالي واحد: فضاء الغرق الرمزي داخل واقع تتجاور فيه الحرب، والخراب، والتحولات النفسية العميقة. يحمل العنوان الرئيس مفتاح القراءة، فالغرق هنا ليس فعلاً فيزيائياً بل حالة وجودية يعيشها الأفراد حين تتصدع المعاني الكبرى، ويصبح الواقع أعنف من قدرة اللغة على احتوائه.
تتجه قصص وسام الخطيب نحو رصد تلك اللحظة الحرجة التي ينهار فيها التوازن الداخلي للشخصيات، فتبدأ رحلة التيه داخل متاهة النفس والذاكرة، ليتداخل الحلم بالعنف، والغرابة بالمألوف. وتغدو المجموعة أشبه بمرآةٍ سيكولوجية لمرحلة تاريخية معاصرة في المنطقة العربية، تتوالد من خلالها الأسئلة حول السلطة، الهوية، الحرب، الأمومة، والذاكرة. وتشتغل الكاتبة على هذه الثنائيات عبر لغة سردية شديدة الكثافة، تنحاز إلى الصورة المركبة والرمز، وتستثمر تقنيات المفارقة والخيال الأسود لكشف العطب العميق الذي يصيب الإنسان حين يباغته العيش داخل عالم مهدد بالانهيار.
العنف وتفكك بنية السلطة
يحضر العنف في قصص المجموعة بوصفه بنية سردية تتغلغل في تفاصيل الشخصيات، إنه نظام كامل يطبع العلاقات الإنسانية ويعيد تشكيل وعي الأفراد بأنفسهم وبالعالم.
في قصة «بنات ميدوسا»، يظهر نموذج الضابط العسكري الذي بنى مجده على تراتبية السلطة والقمع. تُقدَّم الشخصية منذ البداية بوصفها تجسيداً لقوة الدولة الحديدية، ثم تبدأ ملامح الانهيار النفسي بالتسلل إلى هذا البناء الصلب:
«مات متكوّماً قرب سلة المهملات في إحدى الزوايا المعتمة، مات أخيراً داخل زنزانة منفردة».
تنقل هذه الجمل القصيرة انقلاباً راديكالياً في المصير، فالضابط الذي عاش محاطاً بالأوسمة والرهبة ينتهي جسداً مهزوماً في زاوية مظلمة. يتعمّد السرد هنا تقزيم اللحظة الأخيرة، ليكشف المسافة الهائلة بين صورة القوة المتخيّلة وهشاشة الوجود الإنساني في نهايته.
تستثمر الكاتبة هذا التحول لتفكيك خطاب البطولة العسكرية، فالشخصية التي اعتادت قراءة العالم عبر منطق السيطرة والامتثال تفقد قدرتها فجأة على فك شفرة نظرة امرأة واحدة. تتحول تلك النظرة إلى لغز يؤرق الضابط ويقوده إلى الانهيار العقلي، ليتحول من جلاد مُهاب إلى طريدٍ تلاحقه أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها.
يبرز هنا أحد أهم محاور المجموعة: المعرفة بوصفها سلطة مضادة، فالطاغية الذي يمتلك قوّة السلاح، يعجز تماماً أمام سر إنساني صغير. وبذلك يتحول السرد إلى مساءلة عميقة لفكرة القوة ذاتها، إذ يكشف أنّ القمع قد يمنح السيطرة على الأجساد، لكنه يقف قاصراً عن ترويض الروح البشرية أو فهمها.
فضاء الحرب ومفارقات الولادة
تنتقل الكاتبة في قصة «سرير الحرب» إلى فضاء يبدو مغايراً في الظاهر، غير أنّه يظل مشدوداً بجاذبية السياق ذاته: سياق الحرب التي تعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية.
تتناول القصة حياة امرأة ترغب في إنجاب طفلٍ رغم أحزمة الخراب التي تحيط بها، فيمطرها المجتمع بسيول من الأحكام اللائمة، غير أنّها تمضي في خيارها مدفوعة بحاجة غريزية وعميقة لابتكار معنى للحياة. تمزج الكتابة هنا بين الواقعي والغرائبي، فالحمل يحدث بصورة مفاجئة ومكثفة، ثم يتحول الجنين إلى كائن استثنائي الملامح. في لحظة اكتشاف الحمل، تصف الساردة هذا الإحساس: «أحسّت بسمكة صغيرة وناعمة تسبح بين أحشائها، شعرت بالجنين يتحرك في داخلها».
يظهر الجنين هنا كسمكة تسبح في بحر داخلي، في استعارة ذكية تعيد وصل القصة بالعنوان الإطاري للمجموعة (الغرق)، لكنه غرق مقلوب، إذ يتحوّل الجسد الأنثوي إلى رحم بكر، وتبدو الحياة كأنها تشق طريقها الخصيب عبر الماء والعتمة في مواجهة جفاف الموت الخارجي.
يحمل الطفل عند ولادته ملامح غريبة تضعه خارج التصنيفات المجتمعية المألوفة، فتدرك الأم حجم القسوة التي تنتظره، وتتجه إلى عزله وحمايته، لتغدو الأمومة هنا فعلاً سياسياً ومقاومة في وجه واقع مشوه. تطرح القصة بذلك سؤالاً فلسفياً حول الطبيعة الإنسانية، إذ يتحول الطفل «المشوّه» في نظر المركزية المجتمعية إلى كائن جميل وفريد في عين أمه، ويكشف هذا التحول عن قدرة الحب على إعادة صياغة مفاهيم الجمال والقيمة.
مقاومة الفقد بالتدوين
تبرز قصة «الصورة تموت وحيدة» بوصفها إحدى أبرز نصوص المجموعة تماسكاً، إذ تنشغل بذاكرة ما بعد الخراب عبر رحلة السارد إلى قريته المدمّرة بحثاً عن صوره القديمة التي التقطها خلال عمله مصوّراً. تبدو الرحلة في قشرتها الخارجية سعياً وراء لقىً مادية، لكنها سرعان ما تتعمّق لتغدو حَفْراً في الذات واستعادة لما تبقّى من أثر الهوية المتشظية.
تتحول الصور هنا إلى أرشيف بصري للحياة الآفلة، وتغدو الشاهد الأخير والوحيد على وجود الوجوه والأمكنة بعد أن احترقت البيوت وتلاشت الملامح، لتكتسب عملية البحث أبعاداً أسطورية لإنقاذ التاريخ الشخصي والجماعي من المحو.
ويتجلى هذا البعد الرمزي مع حضور المرأة التي رفضت مغادرة القرية، لتظهر بوصفها «سادنة الذاكرة» وحارستها، تجمع ما نجا من الحطام وتحتفظ به في خزانة صغيرة، كأنها تؤسس متاحف سرية للبلاد المفقودة. تنكشف عبر هذا المشهد رؤية الكاتبة لجدوى الكتابة نفسها، فالقصة تبدو شبيهة بتلك الخزانة التي تصون بقايا الحياة قبل أن يبتلعها نسيان التاريخ الرسمي، ويؤدي الأدب دور الأرشيف الذي يحفظ ما يتوارى خارج سرديات التاريخ الرسمي.
جدلية السرد بين الشِعرية والغرابة
تحمل لغة وسام الخطيب طاقة تصويرية عالية، فالجمل قصيرة، مكثفة، ومشحونة بالاستعارات، مما يمنح الإيقاع السردي سرعة وتوتراً مستمرين. تميل الكاتبة إلى بناء صورها على عناصر حسية بدئية كالماء، والجسد، والظلمة، والأصوات، وهي عناصر تتحوّل إلى مفاتيح رمزية متكررة تخلق شبكة دلالية تربط النصوص بعضها ببعض خفية.
المعرفة بوصفها سلطة مضادة تشكل أحد أهم محاور المجموعة، فالطاغية الذي يمتلك قوّة السلاح، يعجز تماماً أمام سر إنساني صغير
يحتل الماء موقعاً مركزيّاً في هذه الشبكة الرمزية، فيظهر مرة في صورة البحر الملتهم، وتارة في صورة المطر المطهر، وأخرى في صورة السائل الأمنيوسي الذي يحيط بالجنين. هذا التناص الداخلي يمنح دلالة الغرق عمقاً إضافياً، إذ يتحول من مجرد حادثة إلى استعارة كبرى للحياة نفسها.
تعمل اللغة في المجموعة على مستويين متوازيين: مستوى أفقي (سردي) ينمي الأحداث، ومستوى عمودي (شِعري) يبني طبقات من التأويل حول تلك الأحداث، ما يمنح النصوص طابعاً تأملياً يجعل فعل القراءة تجربة غنية بالاحتمالات.
الكتابة طوق نجاة
تتسم قصص «مجتمع الغرقى» بجرأة فكرية وجمالية واضحة، فالشخصيات تتحرك داخل فضاء مأزوم ومثقل بالعنف، لكنها تواصل السعي نحو معانٍ صغيرة تمنح الحياة قابلية للاستمرار. وتنكشف، من خلال هذا المسار، حالة الغرق بوصفها تجربة وجودية مشتركة تتوزع بين الشخوص بدرجات متفاوتة: فثمة من يغرق في وهج السلطة، وآخر في دهاليز الذاكرة، وغيرهما في الحب أو الأمومة، مما يوسع دلالة العنوان لتشمل بنية المجتمع بأكمله.
ضمن هذا الأفق، تتحول الكتابة عند وسام الخطيب إلى فعل إنقاذ رمزي، إذ تبدو كل قصة في المجموعة أشبه بيدٍ تمتد في عمق الماء بحثاً عن كائن يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة. ومن خلال هذا الجهد السردي، تنجح الكاتبة في تدوير الألم الجماعي وتحويله إلى مادة فنية تفتح أفق التفكير في مصير الإنسان داخل عالم مضطرب ومهدد بالزوال.
—
فصل من كتاب: النساء اللواتي يصنعن رواياتنا | بعنوان: ديميترا فاكا
ديميترا فاكا
إنها ممارسةٌ جديرة بالثناء، لكنها ليست مثمرةً دائماً لدار النشر التابعة لشركة هاوتون ميلفين، بوسطن، أن ترسل ملفاً إلى جميع مؤلفيها يطلب مثل هذه التفاصيل الخاصة بحياتهم، والتي يمكن أن تكون ذات أهمية مناسبة لعامة الناس. في عام 1914، أو ما يقارب ذلك، ذهب أحد طلبات الحصول على الحقائق إلى المؤلفة ديميترا فاكا، بطريقة أخرى السيدة كينيث براون، وفي الوقت المناسب، عاد إلى بوسطن محملاً بالبيانات التالية، منقوشةً بيد أنثوية لا يمكن لأيّ مدير مدرسة أن يمدحها بضمير حيّ:
الاسم الكامل: ديميترا كينيث براون.
المهنة أو العمل الرئيس: زوجة.
عنوان السكن: غرين لين كَتِج، ماونت كيسكو، نيويورك.
مكان الولادة: جزيرة بويوك أدا، بحر مرمرة.
تاريخ الميلاد: 1877.
التعليم، متى وأين جرى تلقّيه بالتفصيل: أولاً بشكل خاص، ثمّ في مدرسة أثينا الخاصة. باريس. الأديرة المختلفة. دورات في جامعة السوربون. سنة واحدة في جامعة أثينا. سنة واحدة في جامعة نيويورك. مدارس مختلفة في القسطنطينية، وهي كثيرة جداً على أن أتذكرها. أستخدم المدارس كما تستخدم النساء العابثات الملابس فهنّ يتخلّصن منها عندما لا تكون مناسبة.
تاريخ الزواج: 1904، 21 نيسان/ أبريل.
السجل العسكري والسياسي والمدني: لا توجد سجلات أياً كانت باستثناء المزاج السيئ.
مديرة أو وصية للمؤسسات التعليمية أو العامة الآتية: لم يُقدَّم أيّ منها قط، باستثناء المؤسسة المفترضة لتربية زوجي.
السياسة: بالنسبة للرجل الأفضل على هذه التذكرة.
الطائفة الدينية: أرثوذكسية يونانية.
الجمعيات المهنية والجمعيات العلمية والفنية، الأوسمة… إلخ: لا يوجد.
عضو في المؤسسات الإنسانية أو الخيرية التالية (إذا كنت صاحب أيّ منصب فاذكر ذلك): ليس لديك أيّ أموال لتدخريها.
النوادي الاجتماعية: ليس لدي ما يكفي من المال باستثناء نوادي الغولف والتنس أينما كنت، وإذا جرى احتسابها فستتطلب مساحة أكبر مما يُسمح لي، حيث نتجوّل في جميع أنحاء الأرض.
السجل التجاري أو المهني: في هيئة تحرير الصحيفة اليونانية أتلانتيس مدةَ ستة أشهر تقريباً في مدينة نيويورك. مدرسة لغة فرنسية في مدرسة كومستك، مدينة نيويورك، لسنوات عدة حتى عام 1903. كاتبة منذ عام 1904.
المركز أو المنصب الذي تشغلينه: زوجة.
عنوان الكتاب (الأول): السكرتيرة الأولى.
سنة النشر الأولى: 1907.
الناشر: دبليو بي دودج وشركاه (توقفت عن العمل).
يجب استكمال هذا الاستجواب المسلّي في عدة نقاط، وسيكون القارئ أكثر استنارة إلى حدّ ما بما يلي.
ديميترا فاكا يونانية عاش أجدادها في القسطنطينية لأكثر من 700 عام. كان كثيرون منهم مسؤولين حكوميين أتراكاً، وبالتالي حياة السيدة براون المبكرة جعلتها على اتصال مستمر ووثيق مع الأتراك. لعبت مع الأطفال الأتراك، وتمكّنت من رؤية الشعب التركي من دون أيّ تحيّز ديني على الإطلاق، لكنها ولدت، كما تقول، بروح أمريكية. ظروف معيّنة جعلتها تثور، ليس أقلها نظام الزيجات المرتبة مسبقاً. هرباً من مثل هذا الزواج هربت من المنزل، قادمةً إلى الولايات المتحدة مع عائلة أحد الأقارب. ومع ذلك، حال وصولها، سرعان ما تُركت لتعتمد على نفسها.
وحيدة، مفلسة، لم تبلغ الثامنة عشرة بعد، وجدت أن الحصول على عمل ليس أمراً سهلاً ولا رومانسياً. عندما انضمت أخيراً إلى طاقم العمل في أتلانتيس، وجدت أنها تحب العمل الصحفي، لكنها فهمت بوضوح أنها لن تتعلم الإنكليزية بهذه الطريقة أبداً، وفي ذلك الوقت أرادت اللغة الإنكليزية؛ لأنها كانت تأمل أن تدرس الطب؛ لذلك عملت معلمة في مدرسة خاصة للغة الفرنسية، وفي غضون عامين غدت مسؤولة قسم اللغة الفرنسية في المدرسة.
في عام 1901، بعد ست سنوات من وصولها إلى أمريكا، عادت إلى تركيا. حافظت بعناية على تذكرة عودة إلى أمريكا في جيبها. لم تنوِ أن تبقى في القسطنطينية. حالما وصلت إلى تلك المدينة، بدأت الدعوات من صديقات الصبا تصل إليها. لقد أصبحن عندئذٍ نساء متزوجات. وهكذا، وبفضل وجهة نظر جديدة وأمريكية، دخلت الحريم التركي كزائرة مرحب بها ولا داعي لإخفاء الأسرار عنها. بعد ثماني سنوات، نشرت عشر دراسات عن النساء التركيات، تجسّد ما رأته وسمعته في 1901-1902، في كتاب الحرملك (Haremlik)، الذي يعني “مكان الحريم”، لكن لنتمسك بترتيب الأحداث:
عادت ديميترا فاكا إلى أمريكا، ودرَّست اللغة الفرنسية لكن ليس لفترة طويلة. في عام 1904 تزوجت من كينيث براون، الروائي، وحصلت أخيراً على التشجيع المستمر والمساعدة المهنية اللازمة إذا كان عليها أن تصبح كاتبة باللغة الإنكليزية. لقد حُثَّت مراراً وتكراراً على الاستعداد لنشر تجاربها الخلابة. بعد يوم واحد من زواجها، أرسلت إلى محرر إحدى المجلات سرداً لتجربة أثناء زيارتها لروسيا. جرى قبوله. وقد حسم ذلك الأمر. ستكتب.
كان الحرملك (Haremlik) كتابها الثاني. لقد ترك انطباعاً واسعاً وعميقاً. كانت هناك ترجمات فرنسية، سويدية، ألمانية، إيطالية، دنماركية، هولندية. إنه ليس خيالاً، وليس كتاب السيدة براون الأخير، طفلة من الشرق (A Child of the Orient)، الذي يحكي قصة طفولة المؤلفة وحياتها المبكرة في القسطنطينية، لفتاة يونانية مع أصدقاء وزملاء أتراك. نكهة ألف ليلة وليلة تملأ صفحات الحرملك وطفلة من الشرق. تعطي الفصول الأخيرة من الكتاب الثاني انطباعات ديميترا فاكا الأولى عن أمريكا، والتأثير على فتاة في سنّ المراهقة من أرض مختلفة تقريباً عن باريس، كما كانت باريس مختلفة عن القسطنطينية وأثينا.
الكتاب الأحدث للسيدة براون كتاب في مسألة الحرب، لكنه ذو طابع استثنائي للغاية. لفهم نشأتها، يجب أن تتذكّر أنها، على الرغم من زواجها من مواطن أمريكي، يونانية حسب العرق. كُشِف عن حبها لليونان وآمالها في مستقبلها، بوضوحٍ، في الفصل الافتتاحي من الحرملك. وهكذا عندما مرت الحرب الأوروبية بمراحلها الأولى، وتطور الوضع السياسي في اليونان إلى صراع بين الملك قسطنطين وفنيزيلوس، وهو صراع هدد فيه موقف الملك بالعار الوطني، قررت ديميترا كينيث براون الذهاب إلى اليونان، ومقابلة قادة الفصيلين، وإنقاذ اليونان من أجل الحلفاء- على الأقل مسعى لرؤية أن اليونان تفي بالتزاماتها التعاهدية، مثل تلك المبرمة مع صربيا.
بالنظر إلى المشروع الآن، السيدة براون نفسها أول من اعترف بأنه خيالي، ولا أمل فيه، وسخيف منذ البداية. ومع ذلك، أثبت قيمته الهائلة بطرق غير متوقعة. ذهبت إلى لندن، ونجحت الروائية في الوصول إلى لويد جورج؛ بعد ذلك تمكنت من الوصول إلى شخصيات رفيعة أخرى في دول الحلفاء. بالإضافة إلى الفرنسية، هي تتكلم الإيطالية. في أثينا كانت جميع الأبواب مفتوحة لها. لقد قابلت، ليس مرة واحدة بل مرات عديدة، الملكَ قسطنطين نفسه وجنرالاته. بعد ذلك ذهبت إلى سالونيكا، وتحدثت مع فينيزيلوس. عندما فعلت ذلك، تمكنت، كمراسلة تماماً، من كتابة كتابها في قلب المؤامرة الألمانية (In the Heart of German Intrigue)، أحد الكتب الأبرز التي كشفت أسرار الحرب. أدانتهم من أفواه قسطنطين ومساعديه. أسفرت سلسلة المقابلات المتشابكة التي أجرتها عن كشف كامل وكارثي لما كانت ألمانيا تخطط لفعله بالتواطؤ مع حكومة قسطنطين.
إن عمل السيدة براون كمراسلة للأسر الملكية وغيرها، وحتى كتب سيرتها الذاتية مثل طفلة من الشرق والحرملك يُعدّ، بدقة، خارج نطاق هذه الصورة الأدبية الوصفية، فيما يتعلق بها في المقام الأول كروائية وامرأة أمريكية. كروائية لديها كتب عديدة في رصيدها بالإضافة إلى كتابها الأول السكرتيرة الأولى (The First Secretary). سعر الدوق (The Duke’s Price)، الذي كتبته مع زوجها؛ وفينيلا في أرض الخيال (Finella in Fairyland)، وفي ظل الإسلام (In the Shadow of Islam)، وقبضة السلطان (The Grasp of the Sultan)، التي نُشرت أول مرة تحت اسم مجهول (“تأليف؟”)، كلها لها، بالإضافة إلى قلب البلقان (The Heart of the Balkans). من بين كل تلك المؤلفات، تعدّ قبضة السلطان، التي نُشرت بشكل متسلسل، وبيعت جيداً حتى قبل الكشف عن هوية المؤلف، الأكثرَ إثارة للاهتمام والأكثرَ استحقاقاً للتفكّر التفصيلي في هذا المجال.
نُشرت الرواية في عام 1915 (وكـَ كتاب في حزيران/ يونيو 1916)، وتمثّل مهارة ديميترا فاكا بعد نحو عشر سنوات من التدريب المهني في الكتابة باللغة الإنكليزية. شاب إنكليزي بدَّد ثروةً ينتقل إلى القسطنطينية، ويعين، بواسطة مواطن ما صار أميرالاً تركياً، مدرساً للأمراء العثمانيين. الأمير الأصغر الذي كان في عهدته هو الأمير بيازيد وقد كان عمره 4 سنوات، ووالدته فتاة يونانية جميلة من الحريم. تجرأت على تحدي السلطان، الذي أخفق في استجدائها، وسعى إلى كسر إرادتها بإبعاد ابنها عنها. بخدعة رئيس المخصيين، تستردّ طفلها، وتحصل على تعهد من السلطان بعدم التدخل مدة خمس سنوات.
هذه هي خلفية القصة الرومانسية. يقع مدرس اللغة الإنكليزية الشاب في حب الفتاة اليونانية، ويخطط للهروب معها ومع الأمير الصغير بيازيد.
تُروى القصة بخبرة، وبلا مراوغة، مع تحكمٍ جيدٍ في التشويق وإثارةٍ بعد إثارة. الأفضل في الأمر هو اكتشاف القارئ المستمر لمعرفة المؤلفة الشاملة بشخصياتها ومكانها. بافتراض أنّ أمريكياً كتبها، يجب أن تكون قد سبقت ذلك أسابيعُ من الدراسة تُستكمَل بالسفر إلى الخارج؛ إذا ما كان يمكن لشخص لم يولد ويُربّى مثل ديميترا فاكا أن يكتبها، حتى بعد “التوثيق” الشامل، يبدو مشكوكاً فيه. يجب أن نقول إن هذا الشيء سيكون مستحيلاً تماماً إذا لم نضع في اعتبارنا الراحل ف. ماريون كروفورد، الذي تذكرنا حكاياته البارعة والمقنعة بحكايات السيدة براون. هو أيضاً كتب رواية واحدة أو أكثر عن القسطنطينية بدقةٍ تاريخية لا يمكننا التكهن بها. من المحتمل أن السيدة براون يمكن أن تلتقط فيها مئةَ فجوة فيما يتعلق بالحقائق! ومع ذلك، كان لها، بالنسبة إلى القارئ الأمريكي، تأثير محاكاة الحقيقة الكاملة، وهذا هو التأثير على وجه التحديد الذي اغتنت به قصص السيدة براون. فقط، في حالتها، نعلم أن التشابه مع الحقيقة محسوس، لأن الحقيقة موجودة. يجب أن تفعل من أجلنا فيما بعد، إذا سمحت روحها المضطربة، ما فعله كروفورد. أعطتنا رومانسيات ديميترا فاكا أعطتنا الشرق. ابقي معنا، اكتبي لنا رواية بعد رواية من النوع الذي اعتاد أن يأتي، كلّ سنة أو سنتين، من تلك الفيلا في سورينتو، حيث عاشت طويلاً، وصنعت بإخلاص الدكتور إسحاق وتاريخ شجعان الأمير ساراتشينيسكا!
فصل من كتاب مذكرات الشيخوخة | لـ: إرنستو ساباتو
يوم الجمعة
جئت إلى إسبانيا، وأخشى ما أخشاه من عدم العثور على ما أبحث عنه؛ حيث إنني وجدتها مُتغيرة إلى درجةٍ أنني أخاف ألا أتعرف عليها. أخشى أن يخونوا دون كيخوته، كما أنهم يريدون «إرضاء أنفسهم» بأشياء يشترونها، بأي ثمنٍ أيّاً كان هذا الشيء إنجليزياً
أو أمريكياً.
أرجوكم أخبروني! ما الذي سيبقى من الأيبيريين بلا كيخوته؟
لقد حذر ليون فيليبي قائلاً:
بِالْفِعْلِ لَيْسَ هُنَاكَ مَجَانِينُ
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَانِينُ فِي إِسْبَانْيَا
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَانِين.
مَاتَ مانتشيجو،
ذَاكَ اَلشَّبَحُ اَلصَّحْرَاوِيُّ اَلْغَرِيب.
عندما لا يتوق المرء إلى محاربة طواحين الهواء، فإن هناك شيئاً لا يمكن علاجه يهيمن على روح الإنسان.
وأنا لا أشير إلى السقوط الدائم لصراع الإنسان أمام الشر الذي يجاهد فيه. فأنا ضد اللامبالاة، والكسل، والأنانية، ولا سيما الكراهية.
بغض النظر عن كل شيء وأي شيء.
عندما بدأ ليوناردو في الشعور بالشيخوخة والعجز، وخوفه من الموت، كتب بحروفٍ صغيرة في دفتر ملاحظاته «لا ينبغي للمرء أن يتمني المستحيل»، وهو من دون شكٍّ ردٌّ حزينٌ على سعة رغباته اللانهائية. وعلى الرغم من كل شيء عاد مرة أخرى إلى عمله، وكتب ملحوظة «سأواصل الآن»؛ حيث كان شتاء سنة 1519 قاسياً، وحيث إن القدر قرر شيئاً آخر، لكنه قام ورسم أحلامه وجناحيه، وعرّى الزمان لهم.
إن حياة كل إنسان تتأرجح بين ذلك الإيهام بالمثل العليا، وكآبة الواقع؛ بذلك التسطيح الذي نسميه الواقع. بيد أن الوجود المُختزل في الماديات يسقط في فخ فاشية مبهمة تجهض أفضل ما في الوجود في سبيل الاستبداد «الواقع» الذي نهيم به بغباء في أيامنا الآن.
أتذكر أننا درسنا في الكلية «عملية التقدم» باعتبارها جسر العبور من أسطورة الشعارات إلى أسطورة السببية؛ وشعرنا أننا عباقرة بعد أن تخطينا العصور الظلامية القديمة والوسطى.
بلا أساطير لن يتحمل البشر تجربة ما قد يحدث. فلسوف نسحق لو لم يكن لدينا رابط يربط بيننا وبين جودنا. ودونما السرد تستحيل الحياة.
فكلما حاولنا أكثر للتخلص من الأساطير، ظهر من الأساطير المزيد. هذه الأساطير البديلة تخالف الدين بالكلية، ولقد تفترض عالماً من دون وجود الله فيه، ولكن لديها بنية دينية معينة واضحة.
نيتشه، العظيم نيتشه، المجنون نيتشه، هو ذلك الشخص الذي أظهر أن التاريخ ببساطة هو مجرد مجموعة من البيانات، التاريخية أو اليومية، التي لا تكفي للعيش، بل هي على العكس تماماً، إنها تكبلنا.
في وقتٍ لاحق
ذكرتني إلبيرا بشيء كتبته قبل خمسين سنة.
عندما كان الرجل نزيهاً عصامياً، وليس مدللاً بهذه الطريقة المُثيرة للشفقة كما صدرتها لنا العقلية المُعاصرة، كان الشعر والفكر تجسيداً واحداً للروحِ. كما ذكر ياسبرس – Jaspers، ومن سحر الكلمات الشعائرية إلى تمثيل المصائر البشرية، ومن الابتهال بالصلوات إلى الآلهة، تغلغل الشِّعر في التعبير الكامل للإنسان. ولم تكن الفلسفة الأولى -ذلك البحث البدائي في الكون من الشواطئ الأيونية- سوى تعبير جميل وعميق عن النشاط الشعري. لكن كان في هذا العصر الهدّام إزالة الغموض (الذي يتم الخلط بينه وبين إزالة الغموض، كما لو أن الأسطورة والدجل هما الشيء نفسه)، لقد زُعم أن التقدم يتسم بالإخلاء التدريجي للفكر الشعري: الفرويديون، والوضعيون، وكما حاول عدد كبير من الماركسيين استعمار الأراضي الجديدة بعد «تطهير مستنقعات اللاوعي».
يلوح لنا الفشل في الأفق.
كما أن هناك شيئاً آخر هو ما أسماه نيتشه «جو المحيط». إن ما يضفي على الحياة سحراً في الحب: الخيال، والعواطف، والحب، والقصص، والغضب الخيالي لدون كيخوتة، وعمليات البحث الخيالية، وأمنيات بعيدة المنال. قد لا تكون صحيحة لكنها تصبح حقيقية في حياة أولئك الذين يمتلكون الشجاعة لعيشها. ومن المفارقات أن أولئك الذين يجسدون هذه الأشياء غير الواقعية يتم تحميسهم من قبلهم.
يجب أن تستمر الحياة وتدعيمها بالخيال.
ما يهم ليس أن يحوي «الواقع الصادم المُر» هذا الشيء، بل ذلك الارتفاع الذي يشير إليه. حيث بفضل هذا المستحيل نرتقي فوق كل ما هو كائن؛ فالحماسة هي ما تبقينا على قيد الحياة.
قالوا لي بشكل عابر إن الحماسة تعني أن تكون مصدراً للإلهام من الآلهة. وهو شيء سيبدو رجعياً جداً لأبناء الرعية التقدمية.
محمد سليم شوشة: أخلاق الحكاية في ثلاث روايات عربية بقلم: فاطمة أبو ناجي
محمد سليم شوشة: أخلاق الحكاية في ثلاث روايات عربية
بقلم: فاطمة أبو ناجي
هل يمكن قراءة الرواية بوصفها مساحة لاختبار القيم الأخلاقية بقدر ما هي فضاء للحكاية؟ هذا ما يحاول الناقد المصري محمد سليم شوشة الإجابة عنه في كتابه الجديد “الأخلاق والسرد: من منظور النقد الإدراكي” (دار العين، القاهرة، 2026) في مقاربة نقدية تبحث في كيفية تفاعل الأخلاق والذاكرة والانفعال مع البناء السردي، وتأثيرها في تشكيل الشخصيات وتوجيه مساراتها. ومن خلال قراءة ثلاث روايات عربية هي “وكسة الشاويش” لكمال رحيّم، و”زقاق المدق” لنجيب محفوظ، و”الاستدارة الأخيرة” لأحمد الزمام، يختبر شوشة إمكانيات النقد الإدراكي في مقاربة السرد العربي وكشف آليات اشتغال النص على وعي القارئ وتفاعله.
يندرج الكتاب ضمن مشروع شوشة النقدي الذي يهتم بتقديم النظريات الحديثة للقارئ العربي بلغةٍ واضحة تحافظ على دقتها المفاهيمية، ويعتمد فيه أدوات النقد الإدراكي، وهو حقل يتقاطع مع علوم اللغة وعلم النفس والعلوم المعرفية، بحثاً في العمليات الذهنية المرتبطة بإنتاج النص واستقباله، وأيضاً في أثر الخبرة الإنسانية في تشكيل القراءة.
ويتناول شوشة الأخلاق داخل السرد باعتبارها عنصراً بنائياً يشارك في تشكيل العالم الروائي، إذ تدخل في تكوين الشخصيات وعلاقاتها وصراعاتها ومسارات أفعالها. وتتحرك القيم داخل البنية السردية عبر اختيارات الشخصيات وانفعالاتها وطريقة رؤيتها للعالم، كما تؤثر في علاقة القارئ بالنص وفي فهمه دوافع الشخصيات وتحولاتها.
يرى أن القيم تساهم في فهم دوافع الشخصيات وتحولات الأحداث
في قراءته رواية “وكسة الشاويش” للروائي المصري كمال رحيّم، الصادرة عام 2023، يتتبع شوشة تشكّل الشخصية من خلال الذاكرة والتجربة والانفعال. ويمنح الراوي الطفل اهتماماً خاصاً، إذ تتحول التفاصيل المخزنة في وعيه المبكر إلى عناصر تؤثّر في بناء الرؤية السردية وفهم العلاقات داخل العالم الروائي. كما يتوقّف عند صورة الأُمّ، ودور الخبرة الأولى في تكوين موقف الشخصية من الذات والآخر، مستعيناً بمفاهيم مثل كفاءة الشخصية ومصداقية الراوي وفجوات السرد ودور الذاكرة في بناء الدلالة.
ويقرأ شوشة “زقاق المدق” لنجيب محفوظ، الصادرة عام 1947، من خلال أثر القيم في تشكيل عالم الحارة وشخصياتها. وتكشف المقاربة الإدراكية حضور الأخلاق في بناء الهوية الفردية والجماعية، وفي توجيه رغبات الشخصيات وانفعالاتها وصراعاتها. وتبرز شخصيات مثل عباس الحلو وحسين كرشة ضمن نماذج تكشف اختلاف التصورات حول القوة والمسؤولية والاختيار، كما يتوقف المؤلف عند دلالة أسماء الشخصيات ووظائفها داخل البناء الروائي والعلاقة الجامعة بين الشخصية والصوت السردي.
أمّا في رواية “الاستدارة الأخيرة” للروائي الكويتي أحمد الزمام، الصادرة عام 2024، فتسمح لشوشة متابعة تشكل الصراع داخل عالمٍ روائي تتحرك داخله الشخصيات ضمن تصوراتٍ متعددة للقيم. ويركز على الصراع الجندري وتمثلات الخير والشر، وأثر الذاكرة والخبرة في تكوين المواقف والميولات، إضافة إلى حضور البراءة والدهشة والتوتر العاطفي في بناء الشخصيات ومسارات الأحداث.
ويكتسب اختيار الروايات الثلاث دلالةً منهجية، إذ يجمع الكتاب بين نص لنجيب محفوظ ينتمي إلى منتصف القرن العشرين وروايتين معاصرتين، بما يسمح باختبار أدوات النقد الإدراكي في سياقاتٍ مختلفة من تطور الرواية العربية. وتستند هذه القراءات إلى مفاهيم من السرديات الإدراكية، من بينها مفهوم “الصلة” لدى دان سبيربر ودريدري ويلسون، المتصل بوجود خلفيةٍ معرفية مشتركة بين النص والمتلقي. ومن هذه الرؤية تساهم القيم في بناء التواصل مع العمل الروائي، ذلك أنها ترتبط بخبراتٍ إنسانية وتصورات مشتركة تساعد على فهم دوافع الشخصيات وتحولات الأحداث
المصدر: صحيفة العربي الجديد
فصل من رواية الطاووس | لـ : نيكولاي ليسكوف
لو أن بافلين استفاد -بأي درجة- من الرأي الطيب عن شخصيته الذي ساد بيننا، فهو يدين بذلك إلى خالتي أولجا التي تعامل معها في كل لقاء بها باهتمام استثنائي، وقد نال استحسانها على ذلك. ضحكت أمي مازحة بشأن خالتي أولجا، قائلة إنها بإخضاع بافلين قد صنعت معجزة ترويض الوحوش التي صنعها دانيال، لكن هذه المزحة انطوت على قدر من الحقيقة. لقد بجَّل بافلين خالتي؛ لكن الأمانة تقتضي مني القول إنه أعرب عن تبجيله هذا لها مع حفظه الكامل لكرامته التي لا يمكن المساس بها. اعتاد الانحناء بالتحية أمامها بقدر أكبر من انحنائه للآخرين، كما اعتاد إفساح الطريق لها للمرور بقدر من الاحترام أكبر مما يفعله لآنا لفوفنا نفسها التي -بحسب ملاحظات الخالة أولجا- لم يكن يتحملها ويشعر تجاهها بالازدراء. لا أعرف إلامَ استندت في وصولها إلى هذه النتائج والاستدلالات دون أن تتحدث أبدًا مع بافلين، لكنها انطوت على قدر من الحقيقة. يمكنكم أن تدركوا من ذلك أننا -لسبب ما- اهتممنا دائمًا ببافلين؛ فقد أثارت شخصيته اهتمامنا، ولا أستثني نفسي، فقد اهتممت بثيابه الملونة، كما لا أستثني ماما التي بدأت تتعاطف معه بسبب الازدراء الذي لاحظته فيه الخالة أولجا تجاه آنا لفوفنا.
استمر الأمر على هذه الحال فترة طويلة؛ واصلنا العيش في منزل آنا لفوفنا، وراقبنا بافلين من بعيد حتى سنحت فجأة -وعلى نحو غير متوقع بتاتًا- فرصة للتعرف إليه من كثب. حدث الأمر على النحو الآتي؛ لم تشعر ماما بالرضا عن أحد الخدم، فاستأجرت شخصًا آخر. بدلًا من الخادم السابق بحثت عن غيره واستطاعت توظيفه، وكان من المفترض أن يصل الخادم الجديد ويتولى مهامه في اليوم التالي، لكن في مساء اليوم السابق استلمت الخالة أولجا من البواب ظرفًا مكتوبًا عليه اسمها. بدا الخط غير مألوف وغير منظم؛ خط واحد من العصاميين المنتشرين في روسيا ممن علَّموا أنفسهم بأنفسهم، وفي الظرف رسالة مكتوبة بعناية على ورقة نظيفة بالخط نفسه، وبقدر ما أتذكر كانت كلمات الرسالة كالآتي:
«صاحبة السعادة أولجا بتروفا! لقد عيَّنت السيدة أختك الخادم «فلان»، لكن هذا الشخص المُعيَّن إنسان طائش وغير جدير بالثقة؛ الأمر الذي يدفعني إلى إبلاغك بذلك كإجراء احترازي».
التوقيع: البواب بافلين بيفونوف.
أرت خالتي الخطاب لأمي، فقررت الأخيرة الاستماع إلى تحذيرات بافلين، وبعثت رفضها الخادم الطائش الذي سبق أن عيَّنته، وبينما تتجول أمي جولتها المعتادة في الفناء التقت ببافلين وشكرته على لطفه. خلع الرجل الغريب قبعته ذات شرائط الزينة وردّ على ماما بانحناءة صامتة، لكنها مهذبة. قالت ماما مساءً لخالتي أولجا بينما تشربان الشاي:
– لكننا في حاجة إلى خادم، لقد شوَّه السيد بافلين واحدًا، لكنه لم يرشدنا إلى واحد آخر.
أجابتها خالتي:
– هذا ليس شأنه.
– أعرف ولكن… كان في وسعه أن يُرشِّح لنا واحدًا لو أراد.
– وهل طلبتِ منه؟
– لا، يبدو أنه لا يريد التحدث معي؛ فهو ينظر إليّ نظرة عظيمة كأنه وزير مهم ثم يبتعد. (أضافت مازحة) ربما يختلف الأمر لو طلبتِ منه بنفسك؛ فربما حينها يعدّ تقديم هذه الخدمة لنا شرفًا عظيمًا.
قبلت خالتي المزحة ببهجتها المعتادة، وردت عليها مازحة هي الأخرى:
– حسنًا… سأطلب منه.
في اليوم التالي، في أثناء سير خالتي إلى مكان ما، وأنا بصحبتها، عرجت على شقة البواب حيث جلس بافلين كعادته، وحيدًا على كرسيه، منهمكًا في قراءة كتاب قبالة مصباح أخضر.
ما إن رأى خالتي حتى وضع كتابه على المكتب، وانحنى بأدب، ثم انتصب كاملًا، واتخذ الوضعية التي تجعله يشبه جوته.
أخبرته خالتي بطلبها، فعقد بافلين حاجبيه وفكر ثم قال:
– في هذه الأيام لم يعد يوجد خدم يقومون بواجبات وظيفتهم بدقة.
– ألا يمكنك إذن أن توصي لنا بأحد؟
– لا أستطيع يا سيدتي لأني لا أتوقع المطلوب من أحد.
انصرفنا دون جدوى، وعندما عدنا إلى شقتنا مزحت ماما مع خالتي كثيرًا قائلة إن سلطتها على بافلين بيفونوف لم تثمر شيئًا، وإنه ما زال ذئبًا وحيدًا وقحًا، لكن خالتي دافعت عنه في هذا الموقف أيضًا قائلة إنها لا ترى في رفضه هذا إلا دليلًا جديدًا على دقته وتعقُّله. قالت إنه حذر لأنه «إنسان دقيق»، ولو عرف شخصًا يمكنه أن يضمنه لأوصى به لنا بالتأكيد.
لم تخطئ خالتي في ذلك؛ فقبل أن نستيقظ في صباح اليوم التالي وصلَنا مجددًا خطابٌ قصير يطلب فيه بافلين بأسلوبه القصير والدقيق تأجيل مسألة توظيف خادم مدة يومين، فقد وصلته بعض المعلومات عن «خادم دقيق شهير عمل لدى السيد الذي عمل لديه بافلين سابقًا».
هنا بانت مشاعر ماما الحقيقية تجاه بافلين؛ فقد توقفت عن وصفه بالوقاحة، وابتهجت بشدة بإمكانية أن تحظى بخادم من نوعيته، وأعربت عن موافقتها انتظار الخادم الذي يوصي به بافلين مدة شهر كامل، لكننا لم نحتج إلى كل هذا الانتظار لأن الخادم المنتظر وصل إلينا في اليوم التالي، ووظفناه سريعًا، وبدأ عمله خادمًا متواضعًا في مسكننا المتواضع.
الشخص الذي عيَّنه بافلين كان أكبر منه قليلًا، ويفوقه بقدر كبير في بساطة التفكير والطيبة. يمكن القول إنه اتسم بالطيبة إلى أقصى حد ممكن، كما اتسمت شخصيته بالمرح والانفتاح والوداعة بدرجة استثنائية، علاوة على الكد في عمله؛ إذ نال ثقتنا وإعجابنا فورًا، وقد ساعده في نيلها بالتأكيد ترشيح بافلين له الذي قدَّم له بذلك خدمته الأولى.
وسرعان ما قدَّم الثانية؛ إذ عزمنا على قضاء الصيف في الريف، وشعرنا بالحزن لأننا سنضطر إلى ترك خادمنا المحبوب في الشقة، فماذا حدث في ظنكم؟ لم نكد نتحدث عن الأمر في شقتنا مساءً في أثناء تناول الشاي، حتى وجدنا صباحًا رسالة من بافلين مرة أخرى إلى خالتي، كتبها بأسلوبه المعتاد الموجز والدقيق، يوضِّح فيها أننا غير مضطرين إلى ترك أي شخص على الإطلاق في شقتنا صيفًا لأن «بإمكانه العناية بها بنفسه دون أي صعوبة». بدا لنا قبول هذه الخدمة شديد الإغراء؛ فبهذه الطريقة يمكننا تسوية شؤوننا تمامًا، والسؤال الوحيد الذي تبادر إلى أذهاننا وقتها هو: كيف يمكننا مكافأة بافلين على ذلك؟ سمحنا لخادمنا بالاشتراك معنا في مناقشة هذا السؤال، لكننا لقينا منه اعتراضًا حاسمًا. قال:
– بافلين بيتروفيتش رجل طموح؛ إنه يُقدِّم هذه الخدمة بدافع من الشرف، ومكافأته عليها بالمال يمكنها أن تسيء إليه إساءة بالغة.
بقي الأمر على حاله إذن، فلم تستطع ماما أو خالتي أولجا أن تتوصلا إلى طريقة يمكنهما بها مكافأة رجلنا الطيب بافلين على صنيعه.
أصبح بافلين يُسمى عندنا «الرجل الطيب»، هكذا غيَّر تصورنا عن شخصيته على مشارف زمن قادم سينبغي له فيه أن يدلف إلى صراع المشاعر، وهو أمر ليس من سماته على الإطلاق.
فصل من رواية يوم ابن آوى | لـ فريدريك فورسيث
خلال النصف الثاني من شهر يونيو، وطوال شهر يوليو من عام 1963، هزت فرنسا جرائم سطو عنيفة على المصارف ومحلات الصاغة ومكاتب البريد، جرائم لم يسبق لها مثيل في ذلك الوقت، ولم تتكرر أبداً بعد ذلك.
هوجمت المصارف في كل مكان، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، من لصوص يحملون الأسلحة النارية ونصف الآلية. كما شاعت مداهمات محلات الصاغة خلال تلك الفترة؛ إلى درجة أنه قبل انتهاء قوات الشرطة المحلية من التحقيق في جريمة السرقة، وأخذ شهادات صائغ المجوهرات ومساعديه المهزوزين والنازفين في أغلب الأوقات، كانت تُستدعى للتحقيق في جريمة سرقة أخرى مماثلة في المنطقة نفسها.
أطلق اللصوص النار على موظفيْن في بنكين مختلفين -كل في مدينة- في أثناء محاولة كل منهما مقاومة السرقة، وقبل نهاية شهر يوليو، تفاقمت الأزمة إلى درجة استدعاء رجال فيلق الجمهورية، وهي فرق مكافحة الشغب المعروفة لكل فرنسي باسم «فيلق الأمن الجمهوري»، وتسليحهم لأول مرة بمدافع رشاشة. أصبح من المعتاد بالنسبة إلى مرتادي المصارف أن يمروا بحارس أو اثنين من حراس فيلق الأمن الجمهوري في زيهم الأزرق؛ كل منهم يحمل مدفعاً رشاشاً مُعمَّراً.
رداً على سيل شكاوى المصرفيين وصائغي المجوهرات؛ ممن احتجوا بشتى السبل على طوفان الجرائم التي ابتُلوا بها، تكررت عمليات تفتيش الشرطة للبنوك ليلاً بدرجة غير مسبوقة. غير أن هذا كله كان بلا جدوى؛ لأن اللصوص لم يكونوا مجرمين محترفين قادرين على الإغارة على أقبية المصارف خلال ساعات الظلام، وسرقة ما اختُزن فيها ببراعة، بل مجرد لصوص ملثمين، مسلحين ومستعدين لإطلاق النار إذا ما استُفزوا بأي طريقة.
الخطر كله تمثل في وضح النهار؛ إذ أصبح من الممكن أن يفاجأ أي بنك أو محل مجوهرات في أي مكان في فرنسا بظهور رجلين أو ثلاثة رجال مسلحين وملثمين في وسط يوم العمل التقليدي، يصيحون في الجميع «ارفعوا أيديكم!!».
في أواخر شهر يوليو تمكنت الشرطة من إصابة ثلاثة لصوص في ثلاث مدن مختلفة وحبسهم. تبين أن أولهم محتال صغير يستخدم تنظيم الجيش السري بصفته ذريعة لإشاعة الفوضى، أما اللصان المتبقيان فكانا من رافضة أحد الأنظمة الاستعمارية السابقة، وسرعان ما اعترفا بأنهما من رجال تنظيم الجيش السري. وعلى الرغم من استجوابهم بمزيد من الصرامة في مقر الشرطة، لم ينطق أي من الثلاثة بحرف حين سئلوا عن السبب الكامن وراء سلسلة السرقات التي ضربت البلاد فجأة. كل ما ذكروه هو أن «الزعيم» (رئيس العصابة) اتصل بهم وحدد لهم الهدف؛ الذي تمثل في السطو إما على بنك وإما على محل مجوهرات. في نهاية المطاف، فهمت الشرطة أن السجناء لا يعرفون شيئاً عن الغرض من هذه السرقات. كل ما يعرفونه هو أنهم وُعدوا بحصة من مجموع سرقاتهم، ولأنهم مجرد نكرة فقد صدعوا لأمر «الكبار».
لم تستغرق السلطات الفرنسية وقتاً طويلاً لإدراك أن تنظيم الجيش السري وراء تفشي هذا البلاء، وأن التنظيم -لسبب غير معلوم- بحاجة ماسة إلى المال في أسرع وقت ممكن. لم تكتشف السلطات السبب حتى مضي الأسبوعين الأولين من شهر أغسطس، وبطريقة غير متوقعة بحال.
بيد أنه خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر يونيو، علَت موجة الاقتحام والسرقة التي جردت المصارف ومحلات الصاغة من المال والمجوهرات على نحو سريع ومفاجئ للجميع، وبلغت من الخطورة مبلغاً حث المسؤولين على تسليم هذا الملف إلى المفوض موريس بوفييه؛ رئيس إدارة التحقيقات الجنائية التابعة للشرطة القضائية، والذي حظي بين السلطات باحترام واسع. في مكتبه الصغير المكدس بالقضايا في مقر الإدارة المركزية للشرطة القضائية الفرنسية، الواقع على ضفاف نهر السين -وتحديداً في 36 كاي ديز أورفيفر- أعد المفوض ورجاله مخططاً يعرض مقدار المال المسلوب وقيمة إعادة البيع التقريبية للمجوهرات المسروقة. بحلول النصف الأخير من شهر يوليو، تعدى المجموع مليوني فرنك جديد؛ أي ما يوازي أربعمئة ألف دولار. حتى مع اقتطاع مبلغ معقول لتغطية نفقات تنفيذ عمليات السطو، ومبلغ إضافي كحصص للمجرمين الذين نفذوا هذه العمليات؛ فإنه بحسب تقدير رئيس إدارة التحقيقات، يبقى مبلغاً ضخماً من المال لا يعرف أحد مصيره.
في الأسبوع الأخير من شهر يونيو، وجد الفريق يوجين جيبو -رئيس جهاز مكافحة التجسس والأمن الداخلي- تقريراً على مكتبه من رئيس مكتبه الدائم في روما. جاء في التقرير أن الرجال الثلاثة الكبار في تنظيم الجيش السري؛ مارك رودان ورينيه مونتكلير وأندريه كاسون، يقيمون معاً في الطابق العلوي من فندق يقع بالقرب من شارع فيا دي كوندوتي. وأضاف التقرير أنه على الرغم من التكلفة الواضحة للإقامة في فندق في هذا الحي الاستثنائي، اتخذ الثلاثة الطابق العلوي لأنفسهم، والطابق السفلي لحراسهم الشخصيين. ويقوم ثمانية رجال أقوياء من الأعضاء السابقين بالفيلق الأجنبي الفرنسي على حراسة الرجال الثلاثة ليلاً ونهاراً؛ الذين لم يخاطر أي منهم بالخروج من الفندق ولو مرة واحدة. افترض رجال الخدمة السرية أنهم هناك لعقد مؤتمر من نوع ما؛ غير أنهم -مع مرور الأيام- استنتجوا أنهم يتخذون كل الاحتياطات الممكنة للتأكد من عدم وقوع أي منهم ضحية لعملية اختطاف أخرى كالتي وقعت لأنطوان أرجو. ارتسمت على وجه الفريق يوجين جيبو ابتسامة كئيبة وهو يتخيل كبار رجال التنظيم الإرهابي ترتعد فرائصهم داخل ذلك الفندق في روما، ورفع التقرير بوصفه إجراءً روتينياً لا مفر منه. على الرغم من الخلاف المرير الذي كان ما يزال قائماً بين وزارة الخارجية الفرنسية في كيه دورسيه ووزارة الخارجية الألمانية في بونة بشأن التعدي على وحدة الأراضي الألمانية في فندق إيدن وولف في شهر فبراير من العام السابق، كان ما يزال لدى يوجين جيبو كل الأسباب ليسعد برجاله في وحدة الإجراءات الذين نفذوا الانقلاب. مشهد رؤساء تنظيم الجيش السري المفزوعين وحده تعويض يكفي وزيادة. في أثناء تفحص الجنرال ملف مارك رودان قرر أن يقضي على بذور الشك التي بدأت تطل برأسها في صدره. سأل نفسه علام يفزع رجل مثل مارك رودان إلى هذه الدرجة وبهذه السهولة؟ إن رودان -بوصفه رجلاً يتمتع بخبرة لا يستهان بها في وظيفته، ويدرك واقع عالم السياسة والدبلوماسية تمام الإدراك- يعلم جيداً أن من المستحيل أن يحصل على إذن لتنظيم عملية اختطاف أخرى. لم تتضح له الخطورة الحقيقية وراء الاحتياطات التي اتخذها رجال تنظيم الجيش السري الثلاثة للحفاظ على سلامتهم، إلا بعد وقت طويل.
* * * * * *
.
في لندن، أمضى ابن آوى الأسبوعين الأخيرين من شهر يونيو والأسبوعين الأولين من شهر يوليو في نشاط موجَّه ومخطط له بعناية. من يوم عودته وقد وضع هدفاً لنفسه يتمثل في الحصول على كل كلمة كُتبت عن شارل دي جول، وكل كلمة كتبها شارل دي جول، وقراءتها بعناية. قرر ابن آوى الذهاب إلى مكتبة الإعارة القريبة، والبحث عن الرئيس الفرنسي في الموسوعة البريطانية، ووجد في نهاية القسم المخصص للرئيس قائمة شاملة بالكتب التي يحتاج موضوع بحثه إليها.
تمثلت خطوة ابن آوى التالية في إرساله عدة رسائل إلى عدد كبير من المكتبات المعروفة؛ مستخدماً اسماً مزيفاً وعنواناً معاداً توجيهه إلى شارع برِد في حي بادينجتون، وبهذا استطاع أن يحصل على الكتب المطلوبة بالبريد. وكل يوم يجلس الإنجليزي في شقته يلتهم هذه الكتب التهاماً حتى ساعات الصباح الأولى؛ كي يبني في ذهنه صورة مفصلة بدقة عن ذلك الرجل الذي يقطن قصر الإليزيه؛ منذ نعومة أظفاره حتى هذه اللحظة. لم ير في المعلومات المتنوعة التي حصل عليها فائدة عملية تُذكر، ولكن من وقت إلى آخر كانت تتبدى لابن آوى سمة شخصية للجنرال أو عادة معينة في كتاب من الكتب. ما وجده الأكثر إفادة فيما يتعلق بشخصية الرئيس الفرنسي كان مجلد «حد السيف» من مذكرات الجنرال، الذي أوضح شارل دي جول فيه بالتفصيل الدقيق موقفه الشخصي من الحياة، ومن وطنه، ومصيره كما رآه.
وابن آوى ليس رجلاً غبياً أو بطيء الفهم، وعلى هذا فقد استمر يقرأ بنهم ويخطط بدقة. كما أن الطبيعة حبته بملكة القدرة على حفظ قدر هائل من المعلومات والحقائق، تحسباً لوقت قد يحتاج فيه إلى استخدام أي منها لاحقاً.
بيد أنه على الرغم من قراءته لأعمال شارل دي جول، والمؤلفات التي كتبها عنه رجال عرفوه جيداً -على نحو قدّم صورة كاملة لرئيس فرنسا الفخور المتكبر- لم يستطع ابن آوى أن يعثر على إجابة السؤال الذي سيطر على ذهنه منذ تلك اللحظة التي دخل فيها غرفة مارك رودان في ذلك البنسيون الصغير في فيينا يوم الخامس عشر من شهر يونيو الماضي، وقَبِلَ مهمة اغتيال الرئيس. بحلول نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو، لم يتوصل بعد إلى إجابة هذا السؤال: متى يجب أن يضرب ضربته؟ وأين؟ وكيف؟
كمحاولة أخيرة، توجه إلى غرفة المطالعة في المتحف البريطاني، وبعد التوقيع على طلب الحصول على إذن لإجراء بحث باسمه المزيف المعتاد، بدأ في مطالعة النسخ القديمة من صحيفة لو فيجارو اليومية الرائدة في فرنسا.
لا يُعرف بالضبط متى حصل ابن آوى على الجواب المنتظر، ولكن في وسعنا أن نفترض حدوث هذا في غضون ثلاثة أيام من اليوم السابع من شهر يوليو. في غضون تلك الأيام الثلاثة؛ بدءاً من بذرة فكرة تفتق عنها ذهنه بعد قراءة مقالات كاتب عمود في عام 1962، ومراجعة الملفات التي تغطي كل سنة من سنوات رئاسة شارل دي جول منذ عام 1945، تمكن القاتل المحترف أخيراً من العثور على إجابة سؤاله. استنتج أنه خلال ساعة محددة في يوم بعينه، سوف ينزل شارل دي جول إلى الجماهير؛ سواء كان مريضاً أم لم يكن، وسواء كانت الأحوال الجوية جيدة أم سيئة، غاضاً الطرف كلياً عن أي خطر يمكن أن يداهمه جراء ذلك. ومنذ اللحظة التي توصل فيها ابن آوى إلى هذا الاكتشاف، انتقلت استعداداته من مرحلة البحث إلى مرحلة التخطيط العملي.
بعد ساعات طويلة من التفكير مستلقياً على ظهره في شقته يحدق في السقف المطلي بلون القِشْدة، ويدخن بلا توقف سجائر كينج سايز المعتادة ذات الفلتر، اتضحت التفاصيل الأخيرة في ذهن ابن آوى أخيراً.
خطرت له ما لا يقل عن عشرة أفكار؛ لكنه رفضها جميعاً قبل أن يستقر في النهاية على الخطة التي قرر تبنيها، ويجد جواب آخر سؤال: «كيف سيفعلها؟»، بعد أن حدد بالفعل «متى» سيفعلها «وأين».
لقد وعى ابن آوى تماماً أنه في ذلك العام -1963– لم يكن الجنرال شارل دي جول رئيساً عادياً لفرنساً؛ فقد حظي بطاقم حراسة هو الأشد دقة ومهارة في العالم الغربي بأسره. وكما ثبت في وقت لاحق، كان اغتياله أصعب بكثير من اغتيال رئيس أمريكا جون كينيدي. لم يعلم القاتل الإنجليزي أن خبراء الأمن الأمريكيين سمحوا لنظائرهم الفرنسيين بالاطلاع على الاحتياطات التي اتخذوها لحماية حياة الرئيس كينيدي، وأنهم عبروا عن استيائهم من ضعف الإجراءات التي اكتفى بها جهاز المخابرات الأمريكي. وفيما بعد ثبتت صحة رأي الخبراء الفرنسيين في الأساليب الأمريكية حين قُتل جون كينيدي في دالاس، في شهر أكتوبر من عام 1963. استطاع هاوٍ نصف مجنون أن يقضي على الرئيس الأمريكي في دقائق معدودة؛ في حين عاش شارل دي جول حتى تقاعد في سلام، ورحل في النهاية بشكل لائق آمناً في منزله.
ما عرفه ابن آوى هو أن رجال الأمن الذين يخطط للتغلب عليهم هم من بين الأفضل في العالم، وأن كامل جهاز الأمن المحيط بشارل دي جول في حالة تأهب دائم تحسباً لأي احتمالات، ويتوقعون محاولة اغتيال زعيمهم في أي وقت، وأن التنظيم الذي اختار أن يعمل لحسابه مليء بالواشين الذين يفشون خططه وأسراره للشرطة الفرنسية السرية. لكن إن قرر النظر إلى نصف الكوب الممتلئ، ففي وسع ابن آوى الاعتماد على نقطة عدم الكشف عن هويته، وعلى رفض الرئيس الفرنسي القاطع للتعاون مع قوات الأمن الخاصة به. في اليوم المختار، سوف يجبره كبرياؤه وعناده واحتقاره لحقيقة الخطر المحدق به على الخروج إلى العلن لبضع ثوان مهما حذره المحيطون به من مخاطر ذلك.
* * * * * *
.
هبطت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الاسكندنافية -القادمة من بلدة كاستروب الألمانية- في مطار لندن، وتوقفت على بعد أقدام قليلة من مبنى الركاب. أزّت المحركات بضع ثوان، ثم توقف الصوت تدريجياً حتى تلاشى تماماً. في غضون دقائق معدودة، أنزلت الطائرة سلمها، وبدأ الركاب الخروج بعد إلقاء نظرة أخيرة على المضيفة المبتسمة في الأعلى، وتوديعها بإيماءة أو تلويحة سريعة. على منصة المراقبة، رفع الرجل الأشقر نظارته الداكنة إلى أعلى جبهته، وبدأ يتفحص ما حوله بمنظار كان في حوزته. كان فوج الركاب النازلين من الطائرة هو الفوج السادس الذي خضع لهذا الفحص الدقيق في صباح ذلك اليوم؛ بيد أنه مع ازدحام المبنى بالناس المتكدسين في ضوء الشمس الدافئ ينتظرون وصول الركاب ومحاولة تمييزهم بمجرد خروجهم من الطائرة، لم يظهر على المراقب أي اهتمام.
عندما خرج الراكب الثامن إلى النور ورفع رأسه، بدا بعض التوتر على الرجل الواقف فوق المنصة، وتتبع الوافد الجديد بمنظاره حتى وصل إلى أسفل الدرج. كان الراكب القادم من الدنمارك قسيساً أو كاهناً، يرتدي زياً رمادياً تقليدياً مزوداً بياقة إكليركية؛ بدا في أواخر الأربعينيات من عمره بسبب قصة شعره الرمادي متوسط الطول، والمُسرَّح إلى الخلف؛ لكن ملامح وجهه بينت أنه أصغر سناً. كان رجلاً طويل القامة عريض المنكبين، تبدو عليه اللياقة البدنية. لم يختلف في بنية جسده كثيراً عن الرجل الواقف يراقبه من فوق المنصة.
في أثناء دخول الركاب صالة الوصول للحصول على جوازاتهم وتخليص الإجراءات الجمركية، ألقى ابن آوى بالمنظار في حقيبته الجلدية، وأغلقها، وتحرك بهدوء نحو الباب الزجاجي؛ وصولاً إلى الصالة الرئيسة.
بعد خمس عشرة دقيقة خرج القسّ الدنماركي من منطقة التفتيش في المطار حاملاً حقيبة يده وحقيبة سفره؛ دون أن يبدو أن أحداً ينتظره. توجه من فوره إلى مكتب بنك باركليز لتغيير العملة.
حسب ما قاله لرجال الشرطة الدنماركية حين استجوبوه بعد ستة أسابيع، لم يلحظ القسّ الدنماركي الشاب الإنجليزي الأشقر الذي كان يقف إلى جواره منتظراً دوره في الصف بحسب ما يبدو؛ بينما يتفحص ملامح الدنماركي بهدوء من خلف نظارته الداكنة. لم يتذكر حتى أنه رأى هذا الرجل.
ولكن عندما خرج من الصالة الرئيسة لركوب حافلة المطار كان ابن آوى يسير خلفه ببضع خطوات حاملاً حقيبته الجلدية. تؤكد الشواهد أنهما لا بد وصلا إلى لندن على الحافلة نفسها.
حين وصلت الحافلة إلى محطة غرب لندن الجوية، تعين على القسّ الدنماركي انتظار حقيبته بضع دقائق أمام مقطورة الأمتعة بمؤخرة الحافلة، وحين استلمها انطلق من فوره متجاوزاً مكاتب التسجيل بالمطار إلى حيث لافتة المَخرج المزودة بسهم توضيحي بالإضافة إلى كلمة «تاكسي» المتعارف عليها في مختلف الدول. تتبعه ابن آوى إلى حيث مؤخرة الحافلة، واستمر في طريقه وصولاً إلى موقف الحافلات الذي توقفت فيه سيارته الرياضية مفتوحة السقف في موقف سيارات موظفي المطار. ألقى بحقيبته على مقعد الراكب، ثم ركب السيارة وشغلها، وتحرك بها بمحاذاة الجدار الأيسر للمبنى حيث يتمكن من رؤية صف سيارات الأجرة الطويل أسفل الممر المسقوف ذي الأعمدة. ركب الدنماركي سيارة الأجرة الثالثة، التي انطلقت على طريق كرومويل، متجهة نحو نايتسبريدج. وانطلقت السيارة الرياضية خلفه.
أمام فندق صغير ومريح بشارع هاف مون، توقفت سيارة الأجرة، ونزل منها القسّ الغافل تماماً عن الإنجليزي الذي يتتبعه. انطلقت السيارة الرياضية متجاوزة مدخل الفندق، وفي غضون دقائق قليلة وجد الإنجليزي عداداً احتياطياً لانتظار السيارات في الركن البعيد من شارع كرزون. في غضون خمس دقائق، كان ابن آوى قد وضع الحقيبة في صندوق الأمتعة، وأغلقه بالمفتاح، ثم ذهب واشترى صحيفة إيفينينج ستاندارد من بائع الصحف الواقف في سوق شيبرد، وعاد إلى بهو الفندق. انتظر خمساً وعشرين دقيقة أخرى قبل أن ينزل الدنماركي إلى الطابق السفلي ويعيد مفتاح غرفته إلى موظفة الاستقبال. بعد أن علقت الموظفة المفتاح في مكانه، تأرجح بضع ثوان من الخطاف. وهنا استطاع الرجل الجالس في البهو على مقعده المريح ذي الذراعين؛ الذي ينتظر صديقاً -على ما يبدو- والذي أنزل صحيفته عندما مر الدنماركي به في طريقه إلى المطعم، أن يلاحظ أن الرقم على المفتاح كان 47. بعد بضع دقائق، توجهت موظفة الاستقبال إلى المكتب الخلفي، وذلك من أجل التحقق من حجز تذكرة مسرحية لأحد النزلاء. وهنا تحرك الرجل ذو النظارة الداكنة بخفة وهدوء نحو الدرج دون أن يلاحظه أحد.
لم يكف شريط ميكا المرن بعرض بوصتين لفتح باب الغرفة 47 المتصلّب، فاستعان ابن آوى بسكين صغير لدمج الألوان من النوع الذي يستخدمه الرسامون، وفُتح القفل الزنبركي بعد تكّة واحدة. ولأن القسّ نزل إلى الطابق السفلي لتناول طعام الغداء دون نية في الخروج، ترك جواز سفره على منضدة السرير الجانبية. في غضون ثلاثين ثانية عاد ابن آوى إلى الطُرقة، تاركاً حافظة الشيكات السياحية كما هي؛ على أمل أنه من دون دليل على السرقة، ستحاول السلطات إقناع الدنماركي بأنه فقد جواز سفره في مكان آخر. قبل وقت طويل من انتهاء القسّ الدنماركي من قهوته، غادر الإنجليزي دون أن يراه أحد، وقبل أن يمر وقت طويل من عصر ذلك اليوم -بعد أن فتش القس غرفته تفتيشاً دقيقاً- هرول إلى مدير الفندق كي يبلغه باختفاء جواز سفره. فتش المدير الغرفة هو أيضاً، وبعد تبيُّن أن كل شيء آخر كان موجوداً؛ بما في ذلك دفتر الشيكات السياحي، بذل مدير الفندق كل جهده لإقناع ضيفه المرتبك بأنه لا حاجة للاتصال بالشرطة وإحضارهم إلى فندقه؛ إذ إن من الواضح أن القس فقد جواز سفره في مكان ما خلال رحلة العودة. ولطيبة القسّ الدنماركي وعدم تأكده من وضْعه في ذلك البلد الأجنبي، وافق مضطراً على أن هذا هو ما حدث لا بد. وعلى هذا ذهب في اليوم التالي للإبلاغ عن فقدانه جواز سفره في القنصلية العامة الدنماركية؛ فمنحوه هناك وثيقة سفر اضطرارية يستطيع من خلالها العودة إلى كوبنهاجن في نهاية فترة إقامته في لندن المحددة بأسبوعين. وبعدها لم يعر القس الدنماركي ما حدث مزيداً من الاهتمام. قدم موظف القنصلية العامة بلاغاً بفقدان جواز سفر باسم القسّ بير جِنسن من سانكت كيلسكيرك بكوبنهاجن، ولم يعر الأمر مزيداً من الاهتمام هو الآخر. حدث هذا في الرابع عشر من شهر يوليو.
بعد مرور يومين تعرض أمريكي لخسارة مماثلة. هذه المرة كان طالباً من سيراكيوز في ولاية نيويورك. حين وصل الأمريكي إلى مبنى أوشيانيك في مطار لندن قادماً من نيويورك، قدم جواز سفره من أجل صرف أول شيكاته السياحية في مكتب أميريكان إكسبريس. بعد صرف الشيك، دس النقود في جيب سترته الداخلي، وجواز السفر في حافظة شفافة مضغوطة وضعها في حقيبة يد جلدية صغيرة. بعد بضع دقائق، حاول جذب انتباه الحمال بأن وضَعَ الحقيبة أرضاً؛ ليكتشف أنها اختفت بعد ثلاث ثوانٍ. في البداية اتهم الحمال، ولجأ إلى مكتب تحقيقات بان أميريكان؛ الذي وجَّهه بدوره إلى أقرب ضابط شرطة أمن بالمطار. قاده الضابط إلى مكتب، وهناك شرح الشاب الأمريكي له مشكلته.
بعد أن استبعد البحث احتمال أخذ شخص آخر لحقيبة اليد عن طريق الخطأ، رفع المسؤول تقريراً يدرج ما حدث بوصفه سرقة متعمدة.
اعتذر الموظفون للشاب الأمريكي الرياضي طويل القامة وأعربوا عن أسفهم الشديد على ما يفعله النشالون ولصوص الحقائب في الأماكن العامة هذه الأيام، وأخبروه عن الاحتياطات الكثيرة التي اتخذتها سلطات المطار لمحاولة الحد من سرقات الأجانب الوافدين. كان الشاب لطيفاً بما يكفي ليعترف بأن أحد أصدقائه تعرض للسرقة بطريقة مماثلة في محطة جراند سنترال بنيويورك.
في نهاية المطاف، وُزعت نُسخ من التقرير بطريقة روتينية على جميع أقسام شرطة مدينة لندن؛ إلى جوار وصف حقيبة اليد المفقودة ومحتوياتها من أغراض وأوراق بما في ذلك جواز السفر. بيد أنه مع مرور أسابيع دون العثور على أي أثر لحقيبة اليد أو محتوياتها، توقف الجميع عن التفكير في الحادث.
في تلك الأثناء توجه مارتي شولبيرج إلى قنصليته في ميدان جروفينور، وأبلغ هناك عن سرقة جواز سفره، فأصدروا له وثيقة سفر تمكنه من العودة إلى الولايات المتحدة بعد إجازته التي ستستمر شهراً في مرتفعات إسكتلندا مع حبيبته من برنامج التبادل الطلابي. سُجِّل فقدان جواز السفر في القنصلية، وأُبلغت وزارة الخارجية بواشنطن. وبعدها نسيت كلتا المؤسستين كل شيء عن ذلك الحادث.
لن نعرف أبداً عدد الركاب القادمين من الخارج، والوافدين إلى مبنى الركاب في مطار لندن؛ الذين فُحصوا بعناية من خلال منظار يحمله رجل أشقر هادئ يقف في منصة المراقبة المقابلة في أثناء خروجهم من طائراتهم ونزولهم درجات السلم القصير. على الرغم من اختلاف الشخصين اللذين فقدا جوازي سفرهما في السن، فقد جمعتهما بضع سمات مشتركة؛ إذ بلغ طول كل منهما نحو ستة أقدام، وامتلك كلاهما منكبين عريضين وبنية رشيقة؛ فضلاً عن عينين زرقاوين وملامح قريبة الشبه من ملامح الإنجليزي الهادئ الذي تبعهما وسرقهما. على الجانب الآخر، كان القسّ جنسن يبلغ من العمر ثمانية وأربعين عاماً، ذا شعر رمادي ونظارة قراءة ذهبية الإطار؛ في حين كان مارتي شولبيرج في الخامسة والعشرين من عمره، كستنائي الشعر يرتدي طوال الوقت نظارة مستطيلة سوداء الإطار.
هذان هما الوجهان اللذان فحصهما ابن آوى بمنتهى الدقة في أثناء جلوسه إلى مكتبه في شقته القريبة من شارع جنوب أودلي. احتاج ابن آوى يوماً وثلاث زيارات متتابعة؛ الأولى إلى مصمم أزياء مسرحية، والثانية إلى أخصائي بصريات، والثالثة إلى متجر ملابس رجالي في ويست إند متخصص في الملابس الأمريكية المصنوعة في نيويورك؛ للحصول على عدسات لاصقة زرقاء اللون، ونظارتي نظر؛ إحداهما ذهبية الإطار والأخرى سوداء، وطقم كامل يتألف من حذاء رياضي جلدي أسود، وقميص، وسروال داخلي، وبنطال أبيض مائل إلى الصفرة، وسترة خفيفة من النايلون الأزرق السماوي لها سحاب أمامي، وأطواق وأكمام من الصوف الأحمر والأبيض؛ كلها مصنوعة في نيويورك، فضلاً عن قميص إكليركي أبيض، وياقة إكليركية بيضاء منشاة، وصدرية سوداء. ولم ينس ابن آوى أن يزيل كل أثر للملصقات التي تبين بلد المنشأ من القطع الثلاث الأخيرة.
أما زيارته الأخيرة في ذلك اليوم فاستهدفت بازاراً في تشيلسا، متخصصاً في الشعر الرجالي المستعار، يديره رجلان مثليان. وهناك طلب صبغة لتلوين الشعر بلون رمادي متوسط، وأخرى لتلوينه باللون البني الكستنائي، والتي حصل معها على تعليمات دقيقة ومفصلة حول كيفية تطبيق الصبغة لتحقيق أفضل النتائج في أقصر وقت حيث يبدو الشعر طبيعياً تماماً. كما اشترى عدة فُرَش شعر صغيرة مخصصة لهذا الغرض. وبصرف النظر عن مجموعة الملابس الأمريكية، حرص ابن آوى على ألا يشتري أكثر من غرض واحد من كل متجر.
في اليوم التالي، وتحديداً في الثامن عشر من شهر يوليو، نُشرت فقرة صغيرة في ذيل إحدى صفحات جريدة لو فيجارو، تُعلن تعرُّض المفوض هيبوليت دوبوي، نائب رئيس إدارة التحقيقات الجنائية التابعة للشرطة القضائية، لسكتة دماغية في مكتبه في كاي ديز أورفيفر في باريس، ووفاته في طريقه إلى المستشفى. ذكر الخبر أيضاً اسم خليفته؛ المفوض كلود لوبيل، رئيس قسم جرائم القتل، الذي تقرر أن يتولى مهامه الجديدة على الفور نظراً إلى ضغوط العمل على جميع الأقسام خلال أشهر الصيف. أما ابن آوى، الذي لم يتوقف عن مطالعة كل صحيفة فرنسية متوافرة في لندن بصفة يومية، فلم يقرأ الفقرة إلا بعد أن لفتت انتباهه كلمتا «التحقيقات الجنائية» في العنوان، لكنه لم يطل التفكير في هذا الذي قرأه.
قبل أن يبدأ ابن آوى ساعة المراقبة اليومية في مطار لندن، قرر استخدام هوية مزيفة طوال عملية الاغتيال القادمة. في الواقع، لا أسهل من أن تحصل على جواز سفر بريطاني مزور. اتبع ابن آوى الإجراء الذي يتبعه معظم المرتزقة والمهربين وغيرهم ممن يرغبون في استخدام أسماء مستعارة لعبور الحدود. أولاً: ذهب في رحلة بالسيارة عبر المقاطعات الرئيسة في وادي التايمز بحثاً عن قرى صغيرة. في المقبرة الثالثة التي زارها، عثر ابن آوى على شاهد قبر يناسب غرضه. كانت هذه هي مقبرة ألكسندر دوجان الذي توفي عن عمر سنتين ونصف في عام 1931. ولو أن الطفل ألكسندر دوجان قد عاش لأصبح في شهر يوليو عام 1963 أكبر من ابن آوى ببضعة أشهر فحسب. حين ذهب الزائر نفسه قاصداً بيت الكاهن وجده مهذباً ومتعاوناً بشدة. أوضح الزائر له أنه يهوى علم الأنساب، ويحاول تتبع شجرة آل ألكسندر دوجان. كان قد أُبلغ بأن آل دوجان استقروا في القرية قبل سنوات طويلة. وسأله ببعض الخجل عمّا إذا كان يرى أن سجلات الرعية قد تساعد في بحثه.
كان القسّ هو اللطف ذاته، وفي الطريق إلى الكنيسة ازداد الرجل تعاوناً ولطفاً حين علَّق ابن آوى على جمال المبنى النورماندي الصغير، وساهم في صندوق التبرعات التي تُجمع من أجل ترميمه. تبين من السجلات الجنائية المركزية أن كلا الوالدين ماتا خلال السنوات السبع الماضية، وأن ابنهما الوحيد ألكسندر توفي قبلهما –يا للأسف- ودفن في فناء الكنيسة قبل أكثر من ثلاثين عاماً. قلَّب ابن آوى صفحات سجل الرعية الخاص بالولادة والزواج والوفيات خلال عام 1929، ولفت انتباهه اسم ألكسندر دوجان المولود في شهر أبريل، والمكتوب بخط يد أحد رجال الكنيسة.
ألكسندر جيمس كوينتين دوجان: ولد في الثالث من شهر أبريل من عام 1929، في أبرشية سان مارك بسامبورن فيشلي.
طبع ابن آوى التفاصيل في ذاكرته، وشكر القسّ بحرارة، ثم غادر الكنيسة بسرعة. وحين عاد إلى لندن، توجه من فوره إلى السجل المركزي للمواليد والزيجات والوفيات، وهناك قبِل موظف شاب متعاون بطاقة الزيارة التي تُبين أنه شريك في شركة محامين بمدينة ماركت درايتون شمال مقاطعة شروبشاير. أوضح الإنجليزي أنه يحاول تعقب أحفاد إحدى عميلات الشركة التي توفيت في الفترة الأخيرة وتركت ممتلكاتها كافة لأحفادها. وأحد هؤلاء الأحفاد هو ألكسندر جيمس كوينتين دوجان؛ المولود في سامبورن فيشلي، في أبرشية سان مارك، في الثالث من أبريل عام 1929.
يبذل معظم موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا قصارى جهدهم لتقديم المساعدة حين تُطلب منهم بأدب، وفي هذه الحالة لم يكن المساعد استثناء. اتضح بعد البحث في السجلات أن الطفل المعني مسجل بالاسم نفسه والمعلومات التي قدمها المستفسِر، لكنه توفي في يوم الثامن من شهر أكتوبر من عام 1931 نتيجة حادث سير. لقاء بضعة شلنات، حصل ابن آوى على نسخة من شهادتي الميلاد والوفاة. قبل عودته إلى المنزل، عرج على مكتب فرعي تابع لوزارة العمل وهناك ملأ استمارة طلب جواز سفر، ثم على محل ألعاب اشترى منه طبّاعة أطفال بملحقاتها مقابل خمسة عشر شلناً، ثم على مكتب بريد من أجل شراء وثيقة حوالة بريدية بقيمة 1 جنيه استرليني.
عند عودته إلى شقته، ملأ استمارة الطلب باسم ألكسندر دوجان، ودون العمر المضبوط، وتاريخ الميلاد، وما إلى ذلك. وفي خانة الأوصاف الشخصية دوّن ابن آوى أوصافه هو. ذكر طوله، ولون شعره، ولون عينيه. وفي خانة المهنة كتب ببساطة «رجل أعمال». كما ملأ اسمي والدي ألكسندر دوجان بالكامل؛ نقلاً عن شهادة ميلاد الطفل. في خانة الضامن كتب الإنجليزي اسم الكاهن الذي تحدث إليه ذلك الصباح؛ جيمس إلدرلي، كاهن كنيسة سان مارك بقرية سامبورن فيشلي، بعد أن رأى اسمه بالكامل مكتوباً على لافتة بالقرب من بوابة الكنيسة. وأخيراً زور توقيع القسّ بخط رفيع مستخدماً قلماً رفيع السن، وبالاستعانة بطبّاعة الأطفال اخترع ختماً للكنيسة يقول «كنيسة أبرشية سان مارك. سامبورن فيشلي»، وختم به إلى جوار توقيع القسّ. بعد ذلك، أرسل ابن آوى نسخة من شهادة الميلاد واستمارة الطلب ووثيقة الحوالة البريدية إلى مكتب الجوازات في شارع بيتي فرانس. ولم ينس أن يتلف شهادة الوفاة ويتخلص منها. وصل جواز السفر الجديد بالبريد إلى العنوان المذكور بعد أربعة أيام بينما كان يطالع نسخة ذلك الصباح من صحيفة لو فيجارو. وذهب ابن آوى لاستلامه بعد الغداء. في وقت متأخر من عصر ذلك اليوم، أغلق باب شقته بالمفتاح، وتوجه إلى مطار لندن حيث استقل الطائرة المتجهة إلى كوبنهاجن، ودفع نقداً من جديد تجنباً لاستخدام دفتر الشيكات. في تجويف سحري بحقيبته، وداخل جيب لا يزيد سمكه على سُمك مجلة ولا يمكن اكتشافه إلا بإجراء تفتيش دقيق، أخرج الألفي جنيه استرليني التي سحبها في وقت سابق من ذلك اليوم من صندوق سنداته الواقع في خزانة بقبو أسفل إحدى الشركات القانونية في هولبورن.
كانت زيارة كوبنهاجن سريعة وعملية. قبل مغادرته مطار كاستروب، حجز ابن آوى لنفسه في عصر اليوم التالي رحلة طيران إلى بروكسل على خطوط سابينا الجوية. في العاصمة الدنماركية، كان الوقت قد تأخر كثيراً على الذهاب للتسوق، ولهذا قرر أن يحجز في فندق إنجلترا بميدان كونجينز نيتورف، وأكَل كالملوك في مطعم سيفين نيشنز، وغازل شقراوات دنماركيات في أثناء تجواله في حديقة تيفولي، ثم ذهب إلى النوم بحلول الواحدة صباحاً.
في اليوم التالي، اشترى بدلة رمادية اللون خفيفة الوزن من أحد أشهر متاجر الملابس الرجالية في وسط كوبنهاجن، وحذاء مشي كلاسيكياً أسود، وجورباً، ومجموعة من الملابس الداخلية، وثلاثة قمصان بيضاء مع ياقات إكليركية مماثلة. وقد تأكد ابن آوى من أن جميع ما اشتراه يحمل شعار «صنع في الدنمارك» على الملصقات القماشية الصغيرة بداخله. أما هدفه من ابتياع القمصان البيضاء الثلاثة التي لم يكن بحاجة إليها فكان مجرد الحصول على الملصقات الخاصة بها وتثبيتها في القميص الإكليركي والياقة الإكليركية والصدرية السوداء التي اشتراها في لندن أثناء ادعائه أنه طالب في اللاهوت على وشك الرِسامة.
آخر ما اشتراه كان كتاباً باللغة الدنماركية عن الكنائس والكاتدرائيات الأبرز في فرنسا. تناول ابن آوى وجبة غداء خفيفة من الأطعمة الباردة في مطعم على ضفاف البحيرة في حديقة تيفولي، ثم استقل طائرة الثالثة والربع المتوجهة إلى بروكسل.
. . * * * . .
التقنيات السينمائية في رواية «قلوب قاتلة» لحامد أحمد الشريف | بقلم : منى الغامدي
التقنيات السينمائية في رواية «قلوب قاتلة» لحامد أحمد الشريف
في زمن تزدحم فيه الروايات وتتشابه الموضوعات، تبرز قيمة العمل الروائي في تمكنه من تجاوز كل ما سبق وبراعته في صنع صوته الخاص، وقد تحقق ذلك في رواية «قلوب قاتلة» الصادرة عن دار جدل لعام 2025م للكاتب الروائي المميز حامد الشريف، في تقديمه عالماً له نبرته وملامحه، من خلال العلاقات المعقدة بين شخصياته التي تتحرك في فضاء مأزوم، وأحداثه التي لا تقف عند حدود الجريمة الكلاسيكية المعتادة في البحث عن القاتل، بل تتجاوزها إلى استنطاق خفايا المجتمع الذي أشعل فتيلها وساهم في دفنها. كما أن أكثر ما تميز به العمل براعة الكاتب في توظيف الكثير من التقنيات السينمائية في تصوير فضاءاته السردية، ولم أجد أي قراءة سابقة وقفت عند هذه التقنيات التي كان حضورها لافتاً، لذا فقد خصصت هذه الورقة لاستقراء الملامح السينمائية ومدى حضورها في هذا العمل المشوِّق.
قبل الخوض في القراءة من المهم التنبيه إلى أن علاقة الرواية بالسينما في رواية قلوب قاتلة تقوم على الاشتراك في بناء الحكاية عبر الترتيب، والتقطيع، وتوزيع المعلومات، لا على افتراض محاكاة الرواية الحرفية للكاميرا. وقد جعلت دراسات السرد المقارن بين الأدب والفيلم من الممكن النظر إلى الحكاية بوصفها بنية قابلة للتحقق في وسائط لفظية وبصرية، مع إمكانية استعارة كل وسيط لأدوات الآخر على الرغم من اختلافهما. ولذلك فإننا في سعينا إلى استنطاق التقنيات السينمائية التي لجأ إليها الكاتب في روايته لا نستخدم مصطلح السينمائية بمعنى تقني ضيق، وإنما بمعنى إجرائي واسع يشمل: تحويل الحدث إلى مشهد، وتنظيم أبعاد الحدث ومجاله كما لو كان كادراً، وترتيب الشذرات السردية على هيئة مونتاج، وغير ذلك من التقنيات السينمائية التي سنرى كيف تسهم في تحويل الدلالات وإعادة تشكيلها بطريقة فنية مميزة.
أولاً: مشهد افتتاح الرواية/ اللقطة التأسيسية
تبدأ الرواية بتقديم حلة الصعايدة في صورة تبدو ساكنة، حارة هادئة بعد أيام من اللغط. هذه البداية يمكن أن تشكل لقطة افتتاحية عامة في فيلم جريمة؛ فهي لا تدخل مباشرة إلى فعل القتل، بل تعرض فضاء يومياً يبدو مطمئناً، ثم تكشف أن هذا الهدوء نفسه مشحون بالحكاية والشائعة والرغبة المكبوتة في زوال الضحية، حيث تنتقل مباشرة إلى تداول النساء للحكاية في جلسة يومية؛ وهذا الانتقال يجعل الافتتاح أقرب إلى لقطة تأسيسية واسعة يعقبها دخول إلى بؤرة اجتماعية ضيقة في مشهد جماعي تتداخل فيه الحارة، والشائعة، والضحك، والطعام، والكلام النسائي.
تكشف هذه البداية وظيفة سينمائية مبكرة ترتبط بالبنية الثقافية للمجتمعات العربية، فالجريمة المحتملة لا يتم تقديمها في صورة صدمة مباشرة كما نعهدها في أفلام الجريمة في المجتمعات الغربية، بل في صورة شائعات قابلة للتداول والاستهلاك، حيث يضع النص القارئ داخل فضاء يرى من خلاله كيف تتحول الحكاية إلى مادة للثرثرة قبل أن تتحول إلى ملف جنائي؛ وبذلك تصبح الرؤية المشهدية مدخلاً لفهم بنية المجتمع الذي يسعى إلى محاولة طمس الجريمة داخل الحياة اليومية المعتادة، وكأن شيئاً لم يكن.
ثانياً: الكادر السينمائي
بمعنى ما يدخل في إطار الصورة وما يبقى خارجها، أو بعبارة أدق: حدود الرؤية والاختيار البصري. وتعتمد هذه الرواية على ما يمكن تسميته خارج الكادر السردي؛ وذلك لأن الحادثة المركزية لا تقدم بوصفها لحظة قتل مرئية منذ البداية، بل تأتي عبر آثار لاحقة، حيث تؤكد حادثة العثور على بقايا صالح أن ما وصل إلى الناس والشرطة هو أثر لا فعل؛ فقد عثر على الجثة في منطقة رملية بعيدة، ولم يبق ما يسمح بالتثبت من الحدث الجنائي، لذلك يبقى الفعل الأصلي خارج الكادر، بينما تعرض الرواية ما تركه الفعل من آثار غامضة، وهذا النقص في الرؤية هو الذي ينتج التشويق ويؤسس لعملية بحث الضابط عن الصورة المفقودة.
ينطلق السارد من هذه التقنية أيضاً في رسم حدود علاقة الضابط بعالم النساء والرواشين. فالنساء حاضرات في الحدث، لكن حضورهن غالبًا غير مباشر، إما خلف الرواشين، أو من فتحات العليات، أو عبر الصراخ، أو من خلال ما يتوقعه الرجال منهن؛ الأمر الذي يجعل جزءاً من الحقيقة خارج مجال التحقيق الرسمي. «باب النساء شبه مغلق ومن الصعب، بل شبه مستحيل فتحه، فهن مُغيّبات عن المجتمع ولا يمكن التواصل المباشر معهن». ص 41. «حتى النساء أدّين دوراً مهماً … بنثر العملات المعدنية فوق رؤوس المحتفلين، من فتحات الرواشين وشبابيك العليّات». ص 42. لذلك يمكن قراءة الرواشين كحدود للكادر الروائي؛ إنها تضع الحقيقة في منطقة خارج الصورة، حيث تصل للضابط آثارها فقط: صراخ، خبر، إشاعة، خوف، أو تلميح. بهذا تصبح الجريمة محمية معمارياً وبصرياً. ليس لأنها تقع في مكان بعيد فقط، بل لأنها موزعة بين فضاءات لا تتساوى في قابلية الظهور، فالسوق والمركاز والبرحة في الضوء العام، أما العالم النسائي وما يدور خلف البيوت ففي الظل وخارج الكادر.
ثالثاً: اللقطة القريبة وجسد المتكلم
من أهم ملامح السينمائية في الرواية أن الحوار كثيراً ما ينقطع لوصف هيئة المتحاورين، وأصواتهم، أو حركاتهم، أو طريقة تحدثهم. وهذا يشبه إلى حد ما وظيفة اللقطة القريبة في السينما، حيث لا تكون الكلمة وحدها كافية لفهم الشخصية، بل تصبح الملامح وردود الفعل جزءاً من إنتاج المعنى. يظهر ذلك بوضوح في مواضع كثيرة من الرواية، ومنها على سبيل المثال: الحوار الذي جرى بين خليل والضابط، إذ يتوقف السارد طويلاً عند علبة الدخان: «يمد يده، ينزع البلاستيك، يخبط العلبة على الطاولة، يخرج السيجارة، يقلبها بين أصابعه، يضعها في فمه، يشعلها، ثم يشفط الدخان ويطلقه»، فيستغرق في تشكيل لقطة تفصيلية قريبة لملامح خليل وهو يدخن وطريقة إمساكه بالسيجارة، وظيفتها ليست إلا الكشف عن شخصية خليل الهادئة، المتمكنة، المراوغة، ومحاولته التخلص من حصار الضابط، بل محاولته شراء وقت كاف للسيطرة على موضوع الحوار وإدارة دفته.
أيضاً في لقاء الضابط بوالد صالح؛ حيث لا يقدم هذا الأخير اعترافاً أو أي معلومة حاسمة، وإنما يكتفي بعبارة عامة حول الدعاء للميت بالرحمة: « لم يسمع منه صراحة إلّا قوله بصوت خافت: «الميت ما تجوز عليه غير الرحمة»، بينما يقوم السارد بربطها بالصوت الخافت وتقطيبة الجبين وتغضن الوجه: «وبدا من ملامحه وتقطيبة جبينه وتغضّن وجهه..» ص 18فينتقل مركز الدلالة من القول إلى الهيئة، وكأنه يضع أمام القارئ لقطة قريبة لوجه يصرح بما يحاول لسانه كتمه. هذه التقنية لا تكشف الحقيقة كاملة، لكنها تمنع القارئ من الاكتفاء بظاهر الكلام. وهكذا يقوم الحوار المقتضب بمحاولة دفن الحقيقة، بينما تقوم هيئة المتحدث على العكس من ذلك بالتلميح إليها أو التصريح بها، ومن ثم فإن تعابير الجسد في الرواية علامة جمالية بصرية وسردية في آن، تثير الريبة وتوسع مجال التأويل.
رابعاً: المركاز بوصفه ميزانسين Mise-en- scène
«الميزانسين»: مصطلح فرنسي يُترجم ترجمة حرفية بـ «الوضع في المشهد»، ويعني تقريباً: «تنظيم عناصر المشهد، أو ما يوضع داخل المشهد»، ويستعمل في النقد السينمائي للإشارة إلى السمات المرئية في الفيلم، وكل التفاصيل الطبيعية أو المصطنعة التي تشكل الفضاء المصوَّر، والتي يمكن أن تنتظم في أربعة محاور: المكان/الديكور، والإضاءة، والزي، والأداء/التشكيل الحركي. وما يهم هنا هو ربط هذه العناصر بمزاج الشخصيات وطريقة أدائها التي تنعكس على إنتاج الدلالة، وفي رواية «قلوب قاتلة» يتحول مركاز العمدة إلى مشهد مركب؛ حيث يصور السارد الضوء الداخل من نوافذ الروشان، ويصف مكان جلوس العمدة، والشيشة، والمروحة، والسجادة، والمساند، والباب الخشبي، قبل أن يستقر الحوار في مجراه. هذه التفاصيل ليست زائدة عن الحاجة؛ فالشيشة والمروحة والروشان والمساند تحدد سلطة العمدة وطبيعة المجلس بوصفه مكاناً للصلح والكلام والاحتواء الاجتماعي. وإذا كان التحقيق الرسمي يبحث عن الدليل، فإن المركاز يعرض سلطة اجتماعية بديلة تؤجل المواجهة والصراع، وتفضل الجهل على المعرفة. وتتأكد الوظيفة السينمائية للمركاز عندما يدخل صوت فرهود على المشهد. فالصوت يأتي من الخارج، ثم يقترب، ثم يظهر الجسد من الباب أو من الروشان، فيتحول المكان إلى مشهد متعدد المستويات: داخل المجلس، وخارج الحارة، ونافذة الروشان التي تسمح بالظهور والاختفاء.
خامساً: الصوت والمشهد السمعي
لا تقوم سينمائية الرواية على الصورة وحدها؛ فالصوت عنصر مركزي في بناء الجريمة، حيث تنهض المواويل الينبعاوية، والسمسمية، وأصوات الأعراس بكل طقوسها الشعبية بوصفها مادة سمعية ملازمة للمكان؛ بوظيفة تظليل مسارات التحقيق وتشتيته. ولذلك يمكن النظر إلى الصوت في الرواية بوصفه خلفية دلالية، وليس مجرد تلوين فولكلوري. ومن ناحية أخرى لا تكفي العناصر السمعية في خلق المشهد الدال، بل لابد من حضور عناصر بصرية أخرى، كما في نواح فرهود المستمر بالعبارة القصيرة الدالة التي كان كثيراً ما يكررها: «قتلوك يا صالح» والتي تقوم بتحفيز حواس المحقق وتوجيه أصابع الاتهام ناحية المجتمع، حيث نجد أن أهمية المشهد لا تنحصر في العبارة وحدها؛ فالسرد يصف صوته المخيف، وحركة يديه كأنه يعزف، ونظرته الغاضبة، وبكاءه، وعودته إلى فتحات الروشان التي أقبل منها، فيجتمع الصوت والحركة والنافذة والوجه ويتداخلون في رسم أبعاد المشهد ودلالاته، وهذا التداخل هو ما يمنح المشهد طابعه السينمائي.
تبلغ وظيفة الصوت ذروتها في مشهد لعبة العجل الذي ينتظم كما لو أنه تتابع سينمائي: برحة، أصوات المرواس والنقرزان، تصفيق، أهازيج، نساء يرمين العملات من الرواشين، أطفال يلتقطونها، ثم فجأة صرخة امرأة. توقف الصرخة الجميع لثوانٍ، ثم يبتلعها الإيقاع العام. «لم يخرجه من هذه الحالة إلا صوت صراخ امرأة… عاد بعدها الجميع إلى سابق عهدهم وكأن شيئاً لم يكن».ص 43. هنا يمكننا أن نقول إن المجتمع لا يطمس الجريمة بالصمت فقط، بل بالصخب واستمرار أداء الطقس الجماعي. وعلى هذا الأساس، يؤدي الصوت وظيفة مزدوجة: فهو من جهة يوقظ الجريمة حين ينوح بها فرهود أو تصرخ بها امرأة، ومن جهة أخرى يغمرها داخل إيقاع الحارة اليومي حين يتداخل مع الغناء والطرب والمواويل.
سادساً: المونتاج وتقطيع الحقيقة
تبنى الحكاية في هذه الرواية عبر جمع المحقق لأجزاء متناثرة من ذاكرة الحارة، ومن القصص والحوارات، والشهادات الناقصة، والملفات القديمة وبعض الإشارات الجسدية، أو التلميحات العابرة. وهذا البناء يقترب من المونتاج بمعناه السردي؛ إذ لا تعرض الحقيقة دفعة واحدة، بل تتركب من مشاهد وأقوال وقرائن متباعدة. يفتح الضابط ملف قضية صالح ويجد أوراقاً وتحقيقات ومراجعات وبرقيات، لكنه يكتشف أن الأوراق في مجملها لا تكفي لكشف الحقيقة، مما يجعل الملف نفسه مادة مونتاجية، فهو عبارة عن وثائق كثيرة، لكنها لا تنتج صورة مكتملة. لذلك لا يعمل المونتاج في الرواية لصالح الوصول إلى اليقين السريع، بل لصالح إبراز ثيمة التمزق والشتات، فكل مشهد يضيف شيئاً؛ يفتح في الوقت نفسه احتمالاً جديداً. فعندما يتحاور الضابط مع فرج النمس، تنتقل الفرضية من صالح وسلطته إلى خليل والنساء، ثم يغادر فرج فجأة، فيترك الضابط يعيد تركيب المشاهد السابقة دون أن يصل إلى صورة نهائية.
ويعد حوار الضابط مع فرج النمس في «قهوة شكوكو» أمام البحر من أوضح المواضع التي تتقاطع فيها المشهدية مع المونتاج الداخلي للحوار. «وتساءل الضابط باستغراب، وهو يمطُّ شفتيه، ويفتح كفيه أمام وجهه، وقد أمال رأسه قائلاً». ص36 «كان النمس ينظر وقتها إلى البحر ولم يتحول ببصره عنه، وظل صامتاً لأكثر من دقيقة … وهو يدير أصابع يده اليسرى أمام فمه ويهز رأسه، التفت إليه وقال له: «وهل يشك عاقل في مقتل صالح؟». ص 37. «ابتسم عند ذلك في وجهه وعاد بنظره إلى البحر وكأس الشاي في يده يرتشف منه رشفة بعد كل عبارة». ص 38.
في هذا المشهد تمر المعلومات وتتدفق عبر أداء جسدي؛ فرج ينظر إلى البحر، يصمت، يلتفت، يدير أصابعه، يبتسم بمكر، ثم يقف فجأة. هذا الإيقاع البصري لحركات الجسد يتخلل الحوار ويحوله إلى لقطات متعاقبة، بحيث يصبح الصمت والحركة جزءاً من البناء السردي، وتكمن قيمة هذا المشهد في أنه لا يقدم خيطاً تحقيقياً فحسب، بل يدفع الضابط إلى إعادة ترتيب اللقطات السابقة، ومن هنا يصبح الحوار نفسه عملية مونتاج ذهنية داخل وعي المحقق.
سابعاً: تناوب حركة السرد وتنقله بين المشاهد
إيقاع السرد في الرواية لا يسير على وتيرة واحدة، فأحياناً يتباطأ بسبب استغراق السارد في وصف التفاصيل الصغيرة، وأحيانًا ينقطع فجأة، فينتقل من مشهد إلى مشهد كما يحدث في المونتاج السينمائي. فعلى سبيل المثال، يقوم السارد بإبطاء الزمن عبر سرد تفاصيل المكان أو تعبيرات الجسد، أو غير ذلك كما رأينا في وصفه للشيشة والسيجارة وكأس الشاي، ثم يقوم بعد ذلك بنقل المشهد فجأة إلى مشهد آخر، عبر صرخة، أو موت، أو انسحاب مفاجئ لإحدى الشخصيات من المكان، أو عبارة مباغتة. هذا التناوب يصنع التشويق لأنه لا يعطي القارئ دفقًا متصلًا من المعلومات، بل يضعه أمام توقفات ومفاجآت وإشارات معلقة. ص 46، ص 266. تتكرر حركة الانسحاب المفاجئ عند خليل وفرج وغيرهما، وهذه الحركة تحمل بعداً سينمائياً مكثفاً؛ لأنها تغلق المشهد عند نقطة حرجة، وتترك الضابط والقارئ أمام فراغ تأويلي، تنتهي فيه اللقطة قبل أن يكتمل الجواب.
ختاماً، تنتهي هذه القراءة إلى أن التقنيات السينمائية في «قلوب قاتلة» ليست مظاهر شكلية منعزلة، بل أدوات بنائية تعيد تصور المجتمع للجريمة والحقيقة من منظور مختلف، حيث تجعل آليات الرؤية نفسها موضع سؤال، ومن ثم يمكن عد الرواية نصاً سردياً يوظف العناصر السينمائية لتكثيف الغموض وإبراز صعوبة الوصول إلى الحقيقة.
الممكنات الدرامية في مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي) لرجاء البوعلي | بقلم : عباس أحمد الحايك
الممكنات الدرامية في مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي) لرجاء البوعلي
كل قارئ يتلقى العمل السردي بطريقته الخاصة؛ فهناك من يملك معرفة بنظريات التلقي ويقرأ بعين الناقد، وهناك من يقرأ بعيداً عن كل نظرية بحثاً عن متعة خالصة. أما أنا، فقد وجدتني أقرأ السرد منطلقاً من اهتمامي بالدراما (مسرحاً وسينما وتلفزيوناً)، ويمكن أن أسميها (قراءة بصرية) تحيل كل كلمة أقرأها إلى صورة متخيلة، وكل شخصية إلى كائن متخيل بكل أبعاده. أقرأ القصة القصيرة والرواية كأني أشاهد فيلماً، أو أتابع عرضاً مسرحياً: شخصيات تتحرك على الخشبة، وأحداث تدور، وسينوغرافيا، وأصوات، وموسيقى.
وهذا ما جعلني أختار قراءة مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي)للكاتبة رجاء البو علي، والصادرة عن منشورات جدل- الكويت -2024. ورغم أن الكاتبة لم تصنف مجموعتها كقصص قصيرة، وتركت النصوص التي ضمتها المجموعة بلا تصنيف، إلا أنني كنت أبحث عن الحكاية في هذه النصوص. حيث لم يخلُ أي نص من نصوصها من حكاية. ورغم أن بعضها اتجه للبوح، أو الكتابة التسجيلية السيرية، أو اليوميات، فإن الحكاية كانت لا تنفصل عن كل نص من نصوص المجموعة.
وهذا تماماً ما يبحث عنه الكاتب المسرحي أو السيناريست: (الحكاية). فهي أصل الأنواع الأدبية والفنية أغلبها؛ أصل الرواية والقصة القصيرة، وأصل المسرحية، وأصل السيناريو سينمائياً كان أو تلفزيونياً. فكل كاتب يسرد حكايته بطريقته، فالقاص يكتبها بتقنية سرد تختلف عن كاتب المسرح أو السيناريست الذي يتجه للكتابة البصرية. هي فروقات تقنية، لكن الأصل واحد، كما أن عناصر كل واحد من هذه الأنواع هي ذاتها. فهناك حكاية تدور حول شخصية لها حاجة وتواجه تحديات يتخلق منها الصراع، وهذه الحكاية لا يمكن أن تُحكى دون أحداث متسلسلة، أو دون (حبكة) كما تسمى في السرد، أو (بناء درامي) كما تسمى في المسرح والسيناريو. لذا اخترت أن أقرأ المجموعة وأنا أبحث عن ممكنات الدراما في كل نص منها، وكيف يمكن أن تتحول هذه النصوص إلى أعمال درامية.
فالقصة، منذ بدايات السينما، كانت مادة غنية تُصنع منها الأفلام. ومنذ أول عمل سردي تحول إلى فيلم، وهو فيلم (تريلبي وليتل بيلي-1896) الذي بلغت مدته 45 ثانية وصوّر جزءاً من رواية Trilby للكاتب الإنجليزي جورج دو مورييه الصادرة عام 1895، تواصل تحويل الأعمال السردية إلى أفلام ملهمة لصناع السينما، ثم صناع الدراما التلفزيونية حتى وقتنا هذا.
أول نصوص المجموعة هو نص (عاملتي الأفريقية)، وفي النص صوتان: صوت الراوية (أو السيدة)، وصوت العاملة. صوتان، وثقافتان، وفكرتان تصلان حد التناقض، وصراعان بين شخصيتين متضادتين. هذا النص أخذني مباشرة إلى الخشبة؛ إلى نص مسرحي ثنائي، أو ما يصطلح عليه المسرحيون بـ(الديودراما). تبدأ المسرحية من لحظة الافتراق، بين صمت العاملة وغضب السيدة. العلاقة بينهما تملك المسحة الدرامية المفترضة لصناعة نص مسرحي عن امرأة اغتربت لتحقق أحلامها، “شابة جميلة وطموحة أجبرها القدر على اختيارٍ لا يشبهها”. إنه صراع بين الرغبات والواقع؛ رغبات في أن تصبح عارضة أزياء، ورفض من قِبل حبيبها، وظروف لا تسمح لها بتحقيق هذا الحلم. النص مشحون بالطاقة الدرامية، ويشبه المسرح أكثر من أي شيء آخر.
أما النص الثاني من نصوص المجموعة (شقة في الملحق الأخير)، فنحن هنا أمام نص ثري بالتفاصيل، بالشخصيات، بالأمكنة، وبالأحداث، وبالزمن أيضاً، وبتحولات الشخصيات التي يمكن أن تُغني أي سيناريو مكتوب. نص قابل لأن يصبح فيلماً، حيث تحمل الأحداث تشويقاً وتوتراً وتصاعداً، وهي العناصر التي تصنع الدراما وتُصعّد من حالة التشويق في أي عمل درامي. فيلم يحمل هوية المكان، وتفاصيل عاشتها فتيات في زمن لم تكن المرأة تمتلك فيه المساحة التي تمتلكها الآن؛ حيث كانت المرأة وهي في الجامعة محاطة بالأعين التي تراقب وتتفحص، بينما هي الآن تملك القدرة على إغماض أي عين. هذا النص يحتاج إلى سيناريست يتوسع في الحكاية، بل الحكايات؛ فلكل شخصية في النص حكايتها، وهواجسها، وتحدياتها، ورغباتها. كل شخصية لديها أبعادها التي يمكن للسيناريست أن يشتغل عليها ويقدمها في إطار درامي.
في المقابل، فإن النص الذي حمل اسم المجموعة (عشرة أيام في مركز عين قسيس الإنجيلي) لم يحمل طاقة درامية؛ فلا صراع هنا غير صراع سعي البطلة لتغيير الصورة النمطية لدى بقية المشاركين. النص عبارة عن صفحة من مذكرات بكل ما تحمله من أهمية، وهي ليست مذكرات عادية، بل مذكرات محملة بثقل معرفي. أخذتنا البطلة/الراوية إلى تفاصيل المكان والحوارات التي شاركت فيها، وعرّفتنا على كيف تفكر، وكيف تخضع كل شيء حولها للسؤال. إنه نص يمكن تلقيه بعيداً عن الدراما التي كنت أبحث عنها في نصوص المجموعة؛ فهو وثيقة معرفية، وإجابات عن أسئلة، كما أنه صحيفة دفاع عن السعودية، وعن نسائها، وعن ثقافتها. وهذا كله لم يجعل من لغة النص لغة تقريرية إنشائية، بل كانت لغته لغة سرد ممتع، يجعلك تواصل القراءة من السطر الأول وحتى نهاية النص.
أما (جاثوم الحب)، فهو نص (مونودراما) جاهز، يحتاج فقط إلى إعادة صياغة وإعداد مسرحي؛ فثمة فضاء، وشخصية في لحظة فارقة تسترجع ذكرياتها، ومواقفها، وعلاقاتها. ثمة بوح، وصراع من أجل البقاء، ومن أجل العبور من لحظة البرزخ بين الحياة والموت؛ لحظة غارقة في الدراما التي يمكن أن تُستثمر في نص مشحون بالطاقة الدرامية.
بينما نص (متعة)، نص جاهز لفيلم قصير، يصور صراع امرأة مع مجتمع يبرز أنيابه لافتراسها. امرأة أصبحت جاهزة للافتراس بعد أن حصلت على صك الطلاق، حيث يحيط بها رجال يسنّون نصالهم لحز رقبتها بحجج التضامن معها والوقوف إلى جانبها. امرأة تقف في وجه طوفان، فهل تتمكن من التغلب عليه والعبور إلى ضفة آمنة؟ هذا ما أعلنه النص القصصي الذي يملك طاقة درامية بامتياز.
وكذلك نص (مونامور)، فهو نص لفيلم أنيق بكل تفاصيله؛ فيلم قصير عن بوادر الحب عند الصغار، كيف ينمو ويكبر؟. وفي النص قضية تُطرح، وهي الفصل الاجتماعي بين البنات والأولاد، والعبور من الطفولة إلى المراهقة، واللعب الطفولي. فيلم يمكن أيضاً أن يثير حالة من “النوستالجيا” لمن يشاهده من أبناء المنطقة؛ فيلم من تسعينيات القرن الماضي بكل ما فيها من ألفة وبساطة، بعيداً عن تعقيدات حياتنا الجديدة.
وهناك نصوص يمكن أن تُجمع في مسلسل (منفصل) تكون لكل حلقة فيه قصة. فنص (حريق) واحد من القصص التي يمكن أن تُعد درامياً لحلقة مسلسلة؛ فالنص مكتمل درامياً من حيث التشويق، والتوتر، والإثارة، ويحكي عن حريق يلتهم شقة، وإنقاذ عائلة من النيران التي أكلت كل شيء. ومثله نص (رسائل كوب شاي) بما فيه من مفارقة درامية، ونص (عطب أمومي) الذي يقترب من سلوكيات البنات في المدارس وأثر التربية عليهن.
وفي نص (هرة) أيضاً مفارقة درامية، بل هي مفارقة فكرية وتناقضات يعيشها البعض؛ تناقض المبادئ والقيم لدى أشخاص انتقائيين يختارون القضية التي تهمهم بينما هم غارقون في الخطأ في قضايا أخرى، وكأن القيم ليست ثوابت. ومن النصوص أيضاً التي يمكن أن تكون فكرة لحلقة تلفزيونية: نص (سلام أمي)، و(المشهورة)، و(سيدة المكتب الجديدة). كلها يمكن أن تصنع مسلسلاً تلفزيونياً يغوص في عمق الحياة الاجتماعية وقضايا المرأة؛ فهي نصوص قصصية تحمل تلك الطاقة الدرامية التي يحتاجها السيناريست ليكتب نصه التلفزيوني.
توقفت طويلاً عند نص (عيني على نعش)؛ فالنص يحمل كثافة وجدانية عالية. حيث تُحوّل القاصة لحظة الصدمة بفقد الأب إلى شريط من الذكريات والأسئلة الوجودية؛ أسئلة الحياة والموت والعلاقات. علاقة الأب بأبنائه وبعائلته؛ إذ تسترجع القاصة أحداثاً قد تبدو عادية لكنها تحمل كل مفردات الدفء العائلي. والتساؤل حول علاقة الأب بأبنائه حتى في التفاصيل الصغيرة (كحمل الحقيبة المدرسية عنهم) جعل البطلة تتساءل: “ما طبيعة المتعة التي يشعر بها الآباء وهم يحملون التعب عن أبنائهم؟”. الأمر هنا لا يتعلق بالحقيبة، بل يتعلق بالأبوة التي تتجاوز الإدراك؛ وفعلاً، فالآباء يحملون التعب، وليس الحقائب وحدها. النص محتشد بالتفاصيل الصغيرة التي يعتني بها السيناريست عادة وهو يكتب نصه السينمائي أو التلفزيوني، أو يبحث عنها المخرج ليؤثث صورته السينمائية. هنا في هذا النص، كل تلك التفاصيل قادرة على تحفيز مخيلة السيناريست؛ فثمة حكاية تُقال، وشخصيات، وذكريات، ومشاعر، وحالة فقد، وأمكنة متعددة، وكلها عناصر يمكن أن تصنع فيلماً روائياً طويلاً. الليلة الأولى بعد الفقد، كيف تحكي الجدران حكاية الأب؟ والممرات، والغرف، والحديقة الصغيرة؟ وكل فرد من العائلة يحمل من الذكريات ما يكفي لأن يُحكى بصرياً.
لقد أخذتني كل النصوص في رحلة؛ قرأت فيها شخوصاً مختلفين، وأفكاراً، ويقيناً، وشكاً، وأسئلة، وإجابات. قرأت أحداثاً، وأمكنة، وحكايات. هذه النصوص جديرة بالقراءة، مثلما هي جديرة بأن تكون بذرة لمشاريع أعمال بصرية من سينما ومسرح وتلفزيون.
بقلم: عباس أحمد الحايك
المصدر: مجلة سماورد الالكترونية
أناشيد طائر الهوما سرد شائق لأشكال الصراع الإيديولوجي وتجلياته في فضاءات متعددة | بقلم : نذير جعفر
متعب بن ظمنه في روايته: أناشيد طائر الهوما»
سرد شائق لأشكال الصراع الإيديولوجي وتجلياته في فضاءات متعددة
في روايته السابقة: «عرش من الرمال»بجزئيها، انشغل الروائي والقاص والسيناريست الكويتي متعب بن ظمنه بصحراء الجزيرة العربية وعوالمها في ماضيها البعيد، وما دار فيها من صراعات وحكايات حب وطموح ووفاء وغدر، وصراع على السلطة والنفوذ، مستبطناً أسرارها وأساطيرها وطبيعتها الموزعة ما بين الرمال المتحركة والجبال الشامخة، ومشاغل قبائلها وزعمائها في مواطن إقاماتهم وترحالهم، وفي أحلامهم الشاسعة وواقعهم المتأرجح ما بين مواسم الخصب والجفاف.
ومن الصحراء في الماضي البعيد بما تثيره من أسئلة وشجون بوصفها قيمةً جمالية مطلقة معادلة للحرية من جهة وخاضعة للأعراف والتقاليد من جهة ثانية، يخطو الكاتب في روايته الجديدة: أناشيد طائر الهوما … أزمان محمد الأوزبكي وأحواله نحو الأرياف والبلدات الصغيرة والعشوائيات والمدن المكتظة والعواصم المعاصرة بما تضج به من فقر مدقع وثراء فاحش، في سياق صراع متعدّد الأشكال والمستويات والانتماءات القومية والدينية والإيديولوجية، سواء بين التيارات الجهاديّة والسلطات الحاكمة، أم بين قوى الاحتلال الأجنبي وقوى التحرّر الوطني.
وقد استدعى هذا المسار تنقل الشخصيات الرئيسة والمرافقة لها في تنفيذ مهماتها الجهادية بين دول وعواصم ومطارات عدة أجنبية وعربية، تبدأ من بلدات حيرات ومزار شريف وبلخ الملقبة بأم البلاد وطشقند في أوزبكستان؛ مروراً بكابول في أفغانستان، ومكة المكرّمة والطائف وجدة في المملكة العربية السعودية، وبعقوبة والموصل والحديثة في العراق، ودمشق ودير الزور في سورية، ودبي، وأثينا، وصولا إلى نهاية المطاف وخاتمة الرواية معاً عبر مهمة جهادية في تل أبيب، من دون أن تغيب كل من روسيا وأميركا عبر دور كل منهما في أفغانستان والعراق على نحو خاص.
الشخصيّة المحورية التي تبدأ الأحداث معها وتتمحور حولها وتستمر حتى توقفها، هي شخصية محمد الأوزبكي الذي يشكّل الثّيمة الرئيسة في عنوان الرواية: «أناشيد طائر الهوما … أزمان محمد الأوزبكي وأحواله». والربط بين محمد الأوزبكي وطائر الهوما لا يتوقف على العنوان وحده بل يشمل في رمزيّته السرد برمته مبنى ومعنى ودلالةً في هذه الرواية. فطائر الهوما كما جاء في استهلال الرواية: «يقضي حياته محلّقاً في الهواء، يرتحل بين عوالم مختلفة، ويعيش أجواءً متنوّعة لم يعرفها كأنه محكوم في كل مرة إلى البدايات، يطل من عليائه إلى شخوص يحاولون الاتصال به وهو يلامس الغيوم ولكن نهايته تكون حين يلامس الأرض ويتناثر على أديمها إلى أن يصحو مرّةً أخرى». وهذا التوصيف يتطابق تماماً مع شخصية محمد الأوزبكي ومساراتها وأفعالها كما سيراها القارئ في إقاماته المتعدّدة وترحاله من بلد إلى آخر برّاً وجواً بحكم إيمانه بعقيدته نصرةً للمظلوم، وتكليفه بمهماته الجهادية ردا على قوى الاستعمار والاستكبار، وتنفيذه لتلك المهمات يحيل إلى أناشيده وكذلك إلى أزمانه وأحواله المتعدّدة والمتباينة التي تتقاطع مع مراحل حياته وتنقلاته أرضاً وجوا عبر سرد تتجاور فيه النزعة الواقعية الصرفة مع التخييل الفني الشائق والساحر.
تتبع عنوان الرواية الرئيس عناوين فرعية تشكل نقاط ارتكاز وتشويق للقارئ، وتلقي بظلالها على المشاهد السردية موحية بدلالاتها من جهة ومحفّزة على متابعة القراءة بما فيها من جماليات المجاز وجاذبيته وتنوعه من جهة ثانية، نحو: (ذاكرة الشتات) الذي يحيل إلى تنقل أسرة محمد الأوزبكي في طفولته وشبابه ما بين أوزبكستان وأفغانستان ضمن بلدات وأحياء ومدن وما عانته من مشقات في التأقلم لا سيما في الأحياء العشوائية. ومثله (الروائح التي تسكننا) الذي يشير فيه إلى روائح الخوف والقتل والرعب من الرجال المتجولين في الأحياء الشعبية ببنادقهم الآلية. والسائرون إلى الجنة) والمقصود به الذين استشهدوا في مذبحة أنديجان وسواهم من ضحايا الحروب المشتعلة. وقريباً من الكعبة) وفيه مقاربة لقداسة المكان وروحانيته. وبنادق الآلهة): هي التي لا تخطئ صدور الكافرين. و(أخوة يسكنون الهوامش المقصود به سكان أرض السواد في العراق. وأشلاؤهم الطرية) يسلّط الضوء على المتاجرة بأعضاء ضحايا التفجيرات، ورأيت المعبر): يصور سبيل النجاة من تفجير أودى بحياة الآخرين الذين تحولوا إلى أشلاء . و (طيوف هيلاس الشاحبة) الذي يرصد وصول محمد الأوزبكي إلى أثينا ووصفه لها. ومزامير الدسائس الخفية) الذي يكشف خطط تغيير خرائط الشرق الأوسط. ومغامرات غير آمنة): يصوّر رحلة محمد الأوزبكي مع مرافقه اليان في الطائرة من مطار ابن غوريون بجواز سفر مزوّر للقيام بمغامرة إخفاء الطائرة الماليزية عن الرادارات لتهريب أحد المطلوبين. وضفاف الموت البارد) وفيه رصد لمسار السفر من أقاصي أفريقيا إلى موسكو وما يترتب عليه من مخاطر وأناشيد القربان الحي): وفيه لقاء محمد الأوزبكي ومرافقه اليان بالرئيس ترامب في قبو عمارة ضخمة في تل أبيب خلف البنك الفيدرالي وسماع أحد الحضور مخاطباً ترامب بأن دولا كثيرة ستتلاشى عن وجه الأرض.
تحيل هذه العناوين الفرعية إلى أحداث الرواية الأسرة بوصفها نقاط استناد وتذكير للقاري وتحفيز له بما فيها من صدق فنّي وعاطفي يعزّز مسارات السرد الذي يوحي أكثر مما يقول محققا بذلك المتعة الجمالية من دون كلل أو ملل.
الصيغة السردية
جاء معظم السرد في أناشيد طائر الهوما من الصفحة الأولى حتى (237) بصيغة ضمير المتكلم first- person narrative التي توهم بتماهي صوت الراوي في النص مع صوت المؤلف الحقيقي في الواقع، كما توهم بواقعية التجربة، وحقيقية الشخصيات. ومن هنا يأتي الربط الظالم بين شخصية المؤلف وشخصيّة بطله مع أن السرد بضمير الغائب أو المخاطب قد يكون أحيانا اختيارا فنيا حتى في مجال رواية السيرة.
في هذه الصيغة لا يكون الراوي خارج العالم الروائي كما هو الشأن بالنسبة إلى ضمير الغائب، بل شخصيّة مركزية فيه، أو شخصيّة مشاركة في صنع أحداثه. وهذا ما يسمح بتأويل خطابه بوصفه خطابا للمؤلف، وتحديد وجهة نظره بوصفها وجهة نظر المؤلف نفسه. مع أن آلية التحليل النصي لا تقتضي ذلك إلا إذا كان هناك قرائن مُرجحة .
يتتالى السرد في هذه الرواية عبر ضمير المتكلم محمد الأوزبكي الذي يتقمص شخصية أوري الإسرائيلي ولا يكتفي بنقل الأحداث، أو تصويرها، بل يشارك في صنعها كطرف رئيس فيها، وبذلك يقف معها لا وراءها، وهذه الصيغة أتاحت للشخصيّة إمكانية البوح الذاتي في استحضار ماضيها، وعلاقتها بالحاضر، وما رافق ذلك من تداعيات، وذكريات وتعليقات تستوقف القارئ، وتحفزه على
التأمل كطرف مشارك في العمل الروائي. لكن اقتحام سرد السيرة برنامج السرد الروائي، جعل صوت الراوي المتكلّم «محمد الأوزبكي / أوري» بؤرة مركزية تطغى على ما عداها وتصبغه بصبغتها.
وحينما يغيب صوت الراوي المتكلم محمد الأوزبكي أوري في الربع الأخير من الرواية على أثر التفجير الذي أصيب فيه يحضر صوت الراوي الغائب الذي يسم الرواية الكلاسيكية على وجه الخصوص ويكون فيه الراوي هو، هي، هم مهيمناً، خارج نطاق الحكي، يقف وراء الأحداث والشخصيات، ويوجهها من بعيد نحو مصائرها . وهذا المنظور قد يبدو الراوي من خلاله حياديا حيناً، ومجرّد شاهد على ما حدث، فيقنع قارئه بخطابه، أو منحازاً حيناً آخر لفكرة يحاول الانتصار لها بتدخله المباشر، فيثير الشكوك حول مصداقيته الفنية والإيديولوجية.
الشخصية الروائية ونماذجها في أناشيد طائر الهوما تقسم الشخصيات الروائية من حيث أفعالها ، وأقوالها، ودوافعها المعلنة والمضمرة، ومصائرها إلى:
شـخـصـيــات مــركـبـة «ديـنــامــيــة dynamics»، أو كما يسميها بعضهم معقدة، نامية، مــدوّرة(1). وهي تمتاز بالتحولات الدرامية والتراجيدية التي تطرأ على سلوكها وأفعالها ومواقفها داخل البنية الحكائية فتنقلها من حال إلى آخر، ومثالها شخصية «محمد الأوزبكي / طائر الهوما / أوري» الذي دفعه إحساسه بالقهر والظلم ومعاناة أسرته
وتدخل القوى الدولية في مصير بلده إلى الالتحاق بالجماعة الجهادية وإتقان العمل على الحواسيب واختراق برامج البنوك وتحويل ما يلزم والقيام بمهمات خطيرة تكلّفه بها جماعته قادرة على النفاذ إلى الدوائر الأمنية واختراق البرنامج الانتخابي للولايات المتحدة الأميركية وحركة المطارات وتحويل خط سير الطائرات وغير ذلك.
ومثله خاله عبد الرحمن وشخصيات عدة من المجاهدين والقيادات الأفغان والأوزبك والعرب التي أطبقت شهرتها الآفاق. وتلتحق بهذا الركب شخصيّات نسوية عدة أيضا منها الشابة غولنار التي تقاذفتها أقدارها إلى مصائر متناقضة سلوكا وممارسة مع نفسها والعالم من حولها إلى أن تنتهي بالالتحاق مع المجاهدين والعمل مع عدد من النسوة في إعداد الطعام لهم. كما تبرز شخصيات نسوية تقوم بأدوار بارزة مثل زارينا، وبراخا .
شخصيّات رئيسة ( محورية) تستأثر بالتبئير السردي، وتوجه دقة تفاعلاته، مثل شخصية والدة محمد الأوزبكي «مريم» التي تُعدّ نقطة تبئير مركزية تنطلق منها وتتلاقى عندها مجمل الأحداث وشبكة العلاقات التي تربطها بمحيطها وامتدادات أسرتها من الأم والأب إلى أجداد أجدادها بما فيهم الأبناء والبنات مشكّلة بذلك دائرة واسعة من العلاقات التي تكاد تربك القارئ بحيثياتها. شخصيّات مرجعية: (تاريخية دينية سياسية): لهذا النوع من الشخصيات حضورها في الوعي الجمعي، وتأثيرها المسبق على التلقي وتوجيه مسار القراءة، مثل الملا عمر، أسامة بن لادن ترامب إسلام كريموف، رستم عنايتوف … إلخ.
تلك وقفة موجزة عن رواية تستدعي دراسة موسعة تلم بمجمل تقنيات خطابها وشخصياتها ودوائر الصراع فيها، حتى يفيها الدارس حقها.
بقلم: نذير جعفر
المصدر: جريدة البيان
فصل من رواية التحقيق لـ : خوان خوسيه ساير
سواء أكان رجلًا أم شيئًا آخر، خرج ذلك الشخص، أو ربما الكيان، وسط ضوء الغسق العكر، وتماهى مع اختلاجات البشر وسط أفول النهار الذي كان يبزغ مرة ثانية من دون سب معروف مع أضواء الفجر الأولى؛ كي يصطاد العجائز الضعيفات العزلاوات، مع أن تسمية فعلته بالصيد قد تبدو لا معقولة؛ بسبب طابعها الساخط وأسلوبه المتأني الذي يصبو إلى الكمال في ارتكاب الجرائم.
حين وقف مورڤان، في ذلك المساء الشتوي، بالقرب من نافذة غرفة مكتبه في «المكتب الخاص»؛ بعد أن عاد من الغداء، وهو ينظر عبر أغصان شجرة الموز المشذبة إلى السماء البيضاء التي تنذر بتساقط الثلوج، كان هذا الطيف قد ارتكب جرائمه -وقد أخبرتكما أن تتشبثا جيدًا بمقعديكما- سبعًا وعشرين مرة.
تمرغ الرجل المتوحد الذي ارتكب هذه الجرائم في وحل الجنون من دون أدنى شك؛ لكنه لتنفيذها على أرض الواقع وظف أكثر أشكال نفاذ البصيرة تنوعًا سواء أتعلق الأمر بالدهاء أم بعلم النفس أم بالمنطق؛ إذ تبين تحليه بمهارة دقيقة في تعامله مع الأُطر المادية، وتجلى هذا في الغياب التام لكل الأدلة التي يُمكن التحقق من ثبوتيتها بخصوص جرائمه وتنقلاته. يبدو أن الإغراء الكلاسيكي الشائع بين الكثير من المجرمين المصابين بجنون العظمة لتحدي الشرطة كان مُضمرًا في سلوكه؛ فبعد إنشاء «المكتب الخاص» في جادة «ڤولتير»، بدأ يتصاغر ما قد يُسمى بنطاق تحركاته، وضاق محيط الدائرة الداخلية التي يرتكب فيها جرائمه قليلًا حول المكتب، وهكذا ارتكب جريمته الأخيرة -السابعة والعشرين- قبل ذلك المساء بأسبوع، على بعد مربعات سكنية قليلة منه، ونفذها بمهارته الأسطورية وقدرته المعتادة على الإفلات من العقاب. رجاء لا تنسبا هذه الحقائق البديهية، التي يتمازج فيها الخبل والمنطق وحب المخاطرة المرتبط بجنون العظمة والإصرار المسرحي الطوبوغرافي،إلى ابتذالٍ ما في روايتي؛ إذ إن سببها آلية غامضة مُحكمة إلى حد الاختناق أجبرته على تنفيذ خطته الهوجاء للإبادة بالأساليب نفسها التي تظهر في روايات الصحف المسلسلة، ولأسباب لم يدركها على الأرجح.
كما قلت لكما، ارتُكبت الجرائم الأولى في الحيين العاشر والحادي عشر؛ لكن آخر ثماني عشرة ضحية سكنت الحي الحادي عشر. قررت القيادات العليا في «فرقة مكافحة الجرائم»، وبالتأكيد وزارة الداخلية، إنشاء «المكتب الخاص» تحت قيادة مورڤان، في جادة «ڤولتير»، لتسهيل الأمور. هكذا، صار تحت إمرته خبير في الحوسبة، وسكرتيرتان وستة عملاء يرتدون الزي الرسمي، وثلاثة من أفراد الشرطة السرية، والمفتشان كومب وجون، والمفوض لوتريه. عمل المكتب طوال ساعات اليوم الأربع والعشرين؛ كأنه مخفر، وضمت الشقة الواسعة التي خصصها له مجلس البلدية حجرتين يُمكن استخدامهما كغُرفتَي نوم، ومطبخًا أُنشئت فيه قاعة للمؤتمرات الصحفية. وفَّر المخفر المقابل -ومكانه في إحدى البنايات الملحقة بمجلس البلدية- بقية طاقم المرؤوسين بين عملاء ومخبرين وسُعاة وحُجَّاب ومساعدين، وعربات إسعاف وأجهزة خلوية؛ بخلاف مواد لوجستية كُرِّست على وجه الخصوص للعمليات الطارئة. إذن، يُمكننا قول إن مورڤان قاد مجموعة من المحققين من أصحاب الباع الطويل، وقوة تدخل سريع، كما ظل في الوقت نفسه على اتصال دائم مع شبكة من فقهاء القانون، والوشاة، والساسة، والأطباء النفسانيين، والاختصاصيين الاجتماعيين، والأطباء، والجمعيات العائلية، ولجان الأهالي، والصحفيين. داخل هذا الصخب، عانى مورڤان بسبب طبعه المائل قليلًا إلى الوحدة، لهذا أناب المفوض لوتريه في التعامل مع أغلب جوانب العمل التي تتطلب ظهورًا علنيًّا؛ فحقق الأخير صيتًا واضحًا بفضل تصريحاته أمام الإعلام وظهوره المستمر في التلفزيون. من المستحيل -كما يقول التعبير الشائع- أن يتخيل المرء شخصين أكثر اختلافًا منهما، وهي مسألة سأطلعكما على تفاصيلها لاحقًا. ورغم ذلك، أودع مورڤان ثقته الكاملة في لوتريه الذي كان -إحقاقًا للحق- أفضل أصدقائه منذ سنوات عديدة. لكن دعونا لا نستبق الأحداث؛ فما ينبغي معرفته الآن هو أن العملية الأمنية التي رسمتها «فرقة مكافحة الجرائم» لم تأت، طوال الأشهر التي عملت فيها، بأي نتيجة؛ مع أنها -على الأرجح- كانت الأكثر تطورًا وتأقلمًا مع الظروف في القارة كلها. أُلقي القبض على خمسة أو ستة مشتبهين، وحدث هذا -إحقاقًا للحق- بطريقة عشوائية، ثم أفرج عنهم بعد استجوابهم. حين جرى التحقق من البلاغات الواصلة -وأغلبها مجهولة- تبين أنها كانت خاطئة أو كاذبة. كذلك كلما وقعت جريمة قتل لم تأت مكالمات لتبنيها في اليوم التالي إلا من أشخاص غير متزنين أو مستفزين أو مُحبين للمزاح، وبالنسبة إلى الفتيين أو الثلاثة فتية الذين سلموا أنفسهم طواعية بعد أن أفرطوا في قراءة دوستويڤسكي، فلم يُعاقبوا على جرائمهم الُمتخيلة إلا بقضاء بضعة أيام تحت الملاحظة في «مستشفى الأمراض النفسية». لا حاجة إلى قول إن الأثر المثير بطبعه لهذه الحوادث قد تعاظم بسبب الصحافة والراديو والتليفزيون، بل السينما أيضًا؛ إذ جرى تصوير فيلمين على عُجالة، أولهما بعد الجريمة الحادية عشرة، وثانيهما بعد الجريمة العشرين، وهذا لكيلا نتحدث -حتى وإن شق تصديق المسألة- عن الأدب سواء في صورته المقالية أم الروائية أيضًا. كان المفوض لوتريه بفضل سليقته اجتماعيًّا أكثر من مورڤان بل أكثر مرونة منه من المنظور الأخلاقي، وفقًا لرأي الجميع، لهذا أصبح متحدثًا إعلاميًّا باسم «المكتب». هكذا، صارت هيئته مألوفة لدى مشاهدي التليفزيون في كل أنحاء البلاد، بل القارة كلها. استلطفه الجمهور بسبب النسبوية() التي انتهجها وعادت جذورها إلى الأساليب القذرة نوعًا ما لفرقة «لا موندين»()التي بدأ فيها مسيرته، ومظهره الذي بدا مثل شُرطيي السينما أكثر من رجال الشرطة الحقيقيين؛ ورغم أنه مقامر وزير نساء، ولم يأنف شرب الكحول أو شَد سطر من الكوكايين أحيانًا -وفقًا لبعض الأشخاص- كي يتجاوز شعوره بالإنهاك، فقد تشرَّب الجمهور الذي شعر تجاهه بميل فطري بياناته الإعلامية بمتعة واضحة، وتَجَاهَل أن كل جمله التي شابتها اعتبارات إنسانية وشعارات أبويَّة أمنية، وامتلأت باصطلاحات فنية وقانونية ونفسية وشُرطية، قالت في نهاية المطاف إنهم لم يحققوا أدنى نتيجة ممكنة بعد أشهر من استنزاف الوقت والقوى والمال. ظل أولئك الذين وُلدوا في أزمنة أخرى كي يصيروا بشرًا، وصاروا الآن مجرد مُشترين، ووحدة قياس في منظومات التحويلات الائتمانية، وكسورًا رقمية في نسب المشاهدة التليفزيونية، وهدفًا للافتات إعلانية تُصنِّفهم وفق خصائص اجتماعية ورقمية معينة، يتشربون بين كل ملعقتين تناولوهما من أطعمتهم التي فكوا تجميدها في الفرن أو الميكرويڤ، وهم داخل منازلهم المُكيفة التي ارتطمت بنوافذها ندف الثلج ودفقات المطر المتجمد؛ ظل كل هؤلاء يتشربون بارتياح غير مبرر وسذاجة لا تنضب بياناته الإعلامية التي سجلها سلفًا ومنحتها صورته الغامضة انطباعًا خادعًا بأنه يهمس بها في أذن كل واحد منهم عبر الشاشات المغناطيسية، بل وبأنه يوشك دائمًا على الانبثاق من أجهزتهم التليفزيونية. من جهة أخرى، عرف لوتريه، مثل كل الرجال البارزين في عصره، أن الأغلبية العظمى من سكان هذه القارة -وبقية القارات من دون شك- يخلطون بين العالم الحقيقي وبحر التمثيليات الإلكترونية الشفهية، إلى درجة أنه قد يكفي المرء أن يعرف ما يجب قوله في الإطار المصطنع لتلك التمثيليات كي يشعروا برضا نوعي وإحساس أنهم قد شاركوا في مداولات ستُغيِّر من مجرى الأمور أيًّا كان ما يحدث فيما سُمي سلفًا الحياة الواقعية، هذا إن كان هناك شيء يحدث أصلًا. على الرغم من نهجه النسبوي، وسليقته المُفرِطة في اتقادها (لأنه على الأرجح شاهد أفلامًا بوليسية أكثر من اللازم واستمد سلوكه من نماذج شديدة البدائية جعلت طباعه البوليسية ظاهرة جدًّا للعيان مثل خطاه شديدة الحسم كلما دخل أي مكان، وصفعاته التي خرجت قبل أوانها في الاستجوابات)، فإن لوتريه لم يفتقر إلى البصيرة أو الدقة في استدلالاته، وقدِر على التمييز بوضوح بين الخير والشر -حتى وإن لجأ أحيانًا إلى الدهاء البلاغي لإخفاء المسألة- وهذا أيضًا على الرغم من الأساليب الفاسدة قليلًا التي انتهجها إبان حقبته في «لا موندين»، واستدعت قاعدتها الذهبية غير المكتوبة أن يعمل رجال الشرطة بطريقة المجرمين نفسها تقريبًا لتحقيق أقصى درجات الفعالية. إن تجاهَل أحيانًا بعض التفاصيل بشكل لافت، فقد فعلها على الأرجح لأنه أراد -بطريقة غير مباشرة- أن يدفع الآخرين إلى التفكير في أن المسعى المقصود من هذا التجاهل الظاهري هو أنه يُمكن لأساليب أسرع أن تتوصل إلى ما تتأخر دقة مورڤان المُفرطة نفسها عدة شهور في تحقيقه. رغم ذلك، تشاركا بصفتهما شرطيين خصلة واحدة: لقد اعتادا بشكل غريزي تقريبًا، بعد السنوات التي قضياها في «فرقة مكافحة الجرائم»، انتهاجَ منظومة قياس تراتبية للجرائم؛ فأنفا المجرمين الصغار ومتوسطي الأهمية ولم يضعاهم في باليهما أصلًا، واضطلعا حصرًا بالكبار منهم؛ باهتمام -ربما مفرط- أرجعه الكثيرون إلى الصرامة المهنية، وقلّةٌ أخرى -هي الأفطن على الأرجح- إلى الافتنان.
فصل من كتاب المكتبات في العالم القديم | بعنوان : مكتبة الإسكندرية
مكتبة الإسكندرية
تأسست مكتبة الإسكندرية نحو 300 قبل الميلاد. أو بعد عقود قليلة، كانت الأولى من نوعها، وظلَّت عبر التاريخ القديم أعظم مكتبة على الإطلاق. ومع ذلك، يبدو جلِيّاً أنَّ تلكَ المكتبة قد تأسست على نحوٍ مفاجئٍ ودخلت حيِّزَ الوجود. كانت أقرب مكتبة -من حيث الحجم- إلى مكتبة آشور بانيبال التي أسست لاستخدام الملك وتخصَّصت في تلبية المواد اللازمة لاحتياجاته الخاصة. كانت المجموعة التي جمعها أرسطو معاً -على الرغم من مداها وتنوعها- ذات غايات شخصية بحتة، وهي أداة لدراساته المتنوعة. كانت مكتبة الإسكندرية شاملة، وتضم الكتب من جميع الأنواع ومن كل الأماكن، وكانت مكتبةً عامة، ومفتوحة لأي شخص يتمتع بمؤهلات علمية أو أدبية مناسبة. ما الذي تسبب في نشوء مثل هذه المؤسسة في هذا الوقت بالذات؟ لماذا في الإسكندرية؛ المدينة التي لم تكن أقدم بكثير من المكتبة نفسها؟
أدت الحملة المذهلة للإسكندر الأكبر التي مكَّنتهُ من الفوزِ بإمبراطورية امتدت من موطنه في مقدونيا إلى الحدود الغربية للهند إلى تغيير العالم اليوناني. حتى ذلك الحين كان معظم اليونانيين مواطنين في دول المدن – أمماً صغيرة تتكون من مدينة ومحيطها المباشر. كان لكل منها سياستها وثقافتها الخاصة، وكان لكل منها خصوصيتها واستقلاليَّتها الشديدة. أدت فتوحات الإسكندر إلى وضع حدّ لذلك. بعد ذلك، كانت جميع دول المدن -تقريباً- داخل إمبراطورية واحدةٍ وخاضعةً لسيطرة حاكم استبدادي.
أثارت وفاة الإسكندر عام 323 قبل الميلاد صراعاً لا هوادة فيه بينَ مجموعة مختارة من المقدونيين الذين خدموا بصفتهم ضباطاً رفيعي المستوى؛ يتمتع كل منهم بقدرات عالية وطموح لا يرحم، حيث كان كل واحد منهم قد وضع يديه على بعض ممَّا كان يحكمه قائده السابق. بعد عام 300 قبل الميلاد بقليل، تم تحقيق نوع من التوازن. كانت الإمبراطورية التي شكلها الإسكندر ممزقة إلى ثلاثة أجزاء كبيرة: سلالة الأنتيجونيد، وعاصمتها في موطن مقدونيا؛ التي كانت تسيطر على اليونان. سيطر السلوقيون -مع عواصمهم في أنطاكية وسلوقية بالقرب من بابل- على معظم آسيا الصغرى وسورية وبلاد ما بين النهرين. وسيطرَ البطالمة على مصر وأسسوا عاصمتهم في المدينة التي أسسها الإسكندر عام 331 قبل الميلاد وأطلق عليها اسمه. تُعرف هذه الفترة التي تأسس فيها هذا العالم الجديد من الإمبراطوريات اليونانية الكبيرة بالعصر الهلنستي،واستمرت حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد، وفي ذلك الوقت خرجت عن سيطرةِ الرومان.
كانت ثقافة دول المدن منعزلة ومبنية على عوالم صغيرة يسكنها مواطنوها وتعكس عالمهم. أنتج العصر الهلنستي ثقافة امتدت عبر حدود جغرافية ضيقة، وهيَ ثقافةٌ تتماثلُ مع الثقافة الإغريقية، ولكن بشكلٍ متفاوتٍ بناءً على المكوّن المكاني. لم يكن لدى دول المدن ثرواتٌ كبيرةٌ تحت تصرفها بل اقتصرت على ما يمكن أن تنتجه من موارد محلية؛ أمَّا حكام الممالك الهلنستية فحظوا بخزائن إمبراطورية يلجؤون إليها. تميَّزَ ذلكَالعصرُ باهتمامات فكرية أوسع من ذي قبل وكانَ الحكَّامُ في تلكَ الفترة على استعدادٍ لدعمِ هذه الاهتمامات.
في أثناءِ تقسيم الغنيمة الإقليمية، خرج البطالمة بنصيبٍ أفضل. كانت مصر أغنى بكثير من أراضي خصومها. من ناحية، أنتجت التربة الخصبة على طول نهر النيل محاصيل وافرة من الحبوب، وكانت الحبوب بالنسبة إلى العالم اليوناني والروماني بمنزلةِ الزيت بالنسبة إلينا اليوم؛ فمكَّنها ذلكَ من السيطرةِ على السوق في كل مكان. ومن ناحية أخرى، تميَّزت مصر بكونها الموطنَ الأبرز لنبات البردي، وهوَ ما خوَّلَحكَّامها احتكار مواد الكتابة الرئيسة في العالم. سعى جميع الملوك الهلنستيين إلى تزيين عواصمهم بهندسة معمارية فخمة وبناء سمعة ثقافية. أخذ البطالمة زمامَ المبادرة وتفوَّقوا على ممالكَ أخرى. ركز أول أربعة أفراد من الأسرة الحاكمة على السمعة الثقافية للإسكندرية؛إذ كانوا أنفسهم من المثقَّفين.
كان بطليموس الأول (305 – 282 قبل الميلاد) مؤرخاًومؤلفاً وسارداً موثوقاً لغزواتِ الإسكندر. ومن المؤكَّدِ أنَّهُتخصَّصَ في علم الرياضيات على الأقل؛ إذ يعودُ إليه الفضل في الحصول على إجابة إقليدس حينَ سألهُ عمَّا إذا كانت هناكَ طريقة أقصر لتعلم الهندسة من خلال العناصر، حيثُ حصل على الرد الشهير، «لا يوجد طريق ملكي في التَّعلّم». كان بطليموس الثاني (282-246) عالماً شغوفاً بعلم الحيوان، وكان بطليموس الثالث (246-222) راعياً للأدب، وكان بطليموس الرابع (222-205) كاتباً مسرحياً. اختار كل منهم كبار العلماء والباحثين بوصفهم معلمين لأطفالهم. ولذا ليس من المستغرب أن هؤلاء الرجال سعوا إلى جعل عاصمتهم المركز الثقافي للعالم اليوناني.
كان عليهم أن يبدؤوا من الصفر؛ إذ كانت الإسكندرية مدينة جديدة تماماً حيث كان سكانها يتألفون في الغالب من جنود وبحارة القوات المسلحة للبطالمة، والبيروقراطيين والكتبة في إدارتهم، ومجموعة مختلطة من التجار ورجال الأعمال والحرفيين والنصابين وغيرهم ممن يرون فرصة في ذلك. كما كانت ساحة لعب جديدة. كان لا بد من إبعاد المفكرين عن الغوصِفي مكان تكون فيه كل المظاهر الخارجية أرضاً ثقافية قاحلة.
قدم البطالمة مثل هذه الإغراءات التي لا تقاوم؛ حتى إنه خلال القرن الثالث قبل الميلاد -فترة ذروة الثقافة للمدينة- تمكنوا من بناءِ مجتمع مميَّزٍ هناك. من أثينا، لم يحظَ بطليموس الأول بوجودِ إقليدس فحسب، بل حظي أيضاً بوجودِ ستراتو؛ الفيزيائي الأبرز في ذلك العصر، وحظيَ بطليموس الثالث بوجودِ إراتوستينس؛الجغرافي الذي كان حسابه لمحيط الأرض دقيقاً بشكل مذهل. كما استقرَّ هيروفيلوس في الإسكندرية، فقد كانَ رائداً في علم التشريح، وتدرَّبَ في المركز الطبي الشهير في كوس حيث عمل أبقراط. حتى أرخميدس العظيم تم إقناعه بمغادرة مسقط رأسه سيراكيوز لإقامة قصيرة هناك.
ما ساعد بشدة في جذب المثقفين إلى المدينة هو قيام بطليموس الأول بتأسيس المتحف الشهير. في العصور القديمة، كانت كلمة متحف تشير عادة إلى مؤسسة دينية، معبد لعبادة إلهات الإلهام muses. أنشأ بطليموس معبداً تصويرياً للفنانين، وفضاءً لتنمية الفنون التي يؤدُّونها. لقد كانَ طابعاً قديماً لمركز فكري:عيَّنَ البطالمة الأعضاء الذين كانوا عبارةً عن مؤلِّفينمشهورين وشعراء وعلماء في مناصبَ مدى الحياة،وتمتعوا براتب كبير وإعفاء ضريبي (لا يوجد شرط كبير في المملكة البطلمية) إضافةً إلى مجَّانية السكن والطعام. لم يكن هناك خطر من نفاد الأموال؛ فقد وفَّرتالمؤسسة منحةً فورَ إنشائها من قبل بطليموس الأول. بالنسبة إلى المقر، منحَ بطليموس فضاءً داخلَ القصر؛علاوةً على غرفة يمكن للأعضاء تناول العشاء فيها مجتمعين. لقد كانوا -باختصار- بمنأى عن التفاصيل المتواضعة للحياة اليومية من أجل قضاء وقتهم في مساع فكرية عالية – تماماً مثل نظرائهم في مراكز الفكر اليوم. وكما هو الحال اليوم، لم يتفق الأعضاء دائماً مع بعضهم بعضاً؛ فقد وصفهم أحدهم بأنهمدود كتب ثرثارون
يعيشون في الأمة المصرية المكتظة بالسكان،
في نقاش لا نهاية له وهم يتدفقون حول محطة إلهاتِالإلهامِ.
علاوة على كل الفوائد الشخصية التي حظيت بها هذهالمجموعة المدللة، كان تحت تصرفها مورد فكري لا يقدر بثمن: لقد أسس البطالمة مكتبة الإسكندرية خدمةً لهم.
كانت من بنات أفكار بطليموس الأول؛ رغم أنها -ربما-لم تظهر إلى الوجود حتى عهد ابنه. في زمن بطليموس الثالث، كانت هناك مكتبتان؛ الأولى في القصر تخدم أعضاء المتحف مباشرة، و«مكتبة الابنة» التي تقع في حرم الإله سيرابيس على مقربة من القصر. نحن لا نعرف شيئاً عن الترتيبات المادية؛ باستثناء الحقيقة السلبية المتمثلة في أنه لم يكن لأي منهما مبنى خاص. من المحتمل جداً أن تتكوَّنَ المكتبة الرئيسة من رواق مع مجموعة من الغرف خلفها، وهي ميزة شائعة في القصور المعاصرة؛ ستعمل الغرف على وضع المقتنيات على الرفوف ويوفر الرواق مساحة للقراء.
من المحتملِ أن يكونَ للمكتبة الأخرى ترتيب مماثل. كانت المشكلة الأولى التي واجهها البطالمة هي كيفية الحصول على الكتب. كانت مصر تتباهى بثقافتها العريقة والمتميزة، وكانت هناك كتب كثيرة في جميع أنحاء البلاد – باللغة المصرية القديمة. كانت هناك كتب يونانية يمكن شراؤها في أثينا ورودس ومراكز أخرى للثقافة اليونانية، لكنَّ ذلكَ لم يكن متاحاً في الإسكندرية الناشئة حديثاً، فرأى البطالمة أنَّ المال والسلطة الملكية هما الحل، فأرسلوا وكلاء بحقائب ماليةٍممتلئة وطلباتٍ لشراء جملةٍ من الكتب التي يمكنهم الحصول عليها، والتي شملت جميع الموضوعاتوالتصنيفات، وكلما كانت النسخة أقدم كان ذلك أفضل. تم تفضيل الكتب القديمة بوصفها لم تتعرَّض إلى عملياتِ نسخٍ كثيرة، وبالتَّالي ستكونُ أقلَّ عرضة لوجود أخطاء في النص. اتبع الوكلاء الأوامر بقوة إلى درجة أنه -كما تدعي إحدى السلطات القديمة- نشأتصناعة جديدة لتلبية الطلب الذي أنشؤوه هناك – تزوير النسخ «القديمة». ما لم يتمكن البطالمة من شرائهِ حصلوا عليه بطريقتهم؛ فعلى سبيل المثال: صادروا أي كتب تم العثور عليها في السفن التي تفرغ حمولتها في الإسكندرية؛ تم منح المالكين نسخاً (إحدى الميزات التي كان يتمتع بها البطالمة كانت الكثير من ورق البردي للنَّسخ)، وذهبت النسخ الأصلية إلى المكتبة. كان بطليموس الثالث حريصاً على الحصول على نسخ أثينا الرسمية لمسرحيات إسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيديس إلى درجة أنه كان على استعداد؛ ليس فقط لتخصيص مبلغ هائل من المال، ولكن أيضاً إلى اللجوء إلى التَّحيل من أجلِ بلوغِ غايتهِ؛ فطلب استعارة اللفَّاتِ الثمينة لتنسخَ عليها الأعمال.
كُدِّست الكتب التي حصلوا عليها حديثاً في المستودعات أثناء خضوعها لإجراءات إلحاقٍ أولية. عادةً ما تحتوي اللَّفَّاتُ على علامة تبويب متصلة بأحد أطرافها تحمل اسم المؤلف وعرقيَّتهُ؛ فقد كانَ العرق ضرورياً، لأن الإغريق كان لديهم اسم واحد فقط، ولأن العديد من الأسماء شائعة، وغالباً ما كان لدى الأشخاص المختلفين الاسم نفسه. في المستودع، أضيفت المزيد من التعريفات إلى علامات التبويب للمساعدة في تمييز النسخ المكررة من العمل نفسه، كما تمَّ تمييزها من حيثُ المنشأ، وهكذا ختمت الكتب التي تم الاستيلاء عليها من الموانئ بعبارة ek ploiôn ، التي تعني «من السُّفن»، أمَّا الكتب الأخرى فتمَّ تمييزها بوضعِ اسم المحرِّر أو مالكها السَّابق.
كانت السياسة المتَّبعة قائمةً على الحصول على كل شيء؛ من ذلكَ الشعر الملحمي المهيب إلى كتب الطبخ الرتيبة. سعى البطالمة إلى جعل هذه الكتب مستودعاًشاملاً للكتابات اليونانية وكذلك أداة للبحث. كما احتوت تلكَ الكتب على ترجمات باللغة اليونانية لأعمال مهمة بلغات أخرى. أفضل مثال معروف هو الترجمة السبعينية؛ النسخة اليونانية للعهد القديم (الاسم، الذي يعني «سبعين»، مشتق -مع بعض تقريب الرقم-من التقليد الذي كان يقول إنه كان هناك اثنان وسبعون مترجماً). كان هدفها الأساسي هو خدمة المجتمع اليهودي؛ الذي كان العديد منه يتحدثون اليونانية فقط ولم يعد بإمكانهم فهم اللغة العبرية الأصليَّة أو الآرامية، لكن بطليموس الثاني دعم المشروع، وهوَ الذي -بلا شك- أراد العمل في المكتبة. يكاد يكون من المؤكد أن المكتبة كانت تحتوي على نسخة من القائمة الزمنية للفراعنة التي ترجمها كاهن مصري يُدعى مانيثو من المصرية إلى اليونانية.
حرص بطليموس الثاني على إيلاء اهتمام خاص بكلاسيكيات الأدب التي ضمَّت أعمال كبار المسرحيين الأثينيين وهوميروس وغيرهم من الشعراء القدامى. أصبحت المكتبة غنيَّة بشكل خاص باحتوائها أعمالَ هوميروس وذلكَ لسبب وجيه: كان هوميروس هو الشاعر الذي يحظى بالاحترام من قبل جميع اليونانيين بغض النظر عن المدينة أو المنطقة التي ينتمون إليها. لقد كانوا ينظرونَ إلى ملاحمه بنظرتنا نحن اليوم نفسِهاإلى الكتاب المقدس. لقرون -منذُ القرن السادس قبل الميلاد- استمعت أجيال وأجيال إلى الشعراء وهم يلقونَ قصائدهُ بنشوةٍ غامرةٍ. ومعَ مرور الوقت، دوِّنت قصائدهُ كثيراً، لكنَّ ذلكَ لم يوقف الشعراء عن ترديد قصائدهِ، بل على العكسِ، لقد بلغت مجداً خوَّلَها أن تستخدمَ كنصوص مدرسية للأطفال. لكن لم يتم إنشاء أي نسخة رسمية في أي وقت مضى. بحلول الوقت الذي كانت فيه المكتبة تجمع الكتب، كانت هناك نسخ متعددة مع وجود اختلافات عديدة في النصوص التي قدموها..وتراوحت الاختلافات بينَ سطورٍ محذوفةٍ وسطورٍ مضافةٍ، وأخرى مغيَّرةَ؛ علاوةً على الصياغة المختلفة وما إلى ذلك من النِّقاط. بناءً على ذلك، حصلت المكتبة على نسخ متعددة، تميَّزت بما أشرنا إليهِ من اختلافات، من حيث المنشأ خاصَّة؛ فهي تمتلك نسخة «من خيوس»، وأخرى «من أرغوس»، وأخرى «من سينوب»، وما إلى ذلك. مثل هذه المقتنيات صاغت أولمساعي البحث الإسكندري، وهو إنشاء نص قياسيّلهذه الأعمال الأكثر رفعةً في الأدب اليوناني.
بلغ مجموع اللَّفَّاتِ في المكتبة الرئيسة 490 ألف لفَّة؛في «مكتبة الابنة» وحدها 42800 لفَّة. لا يقدِّمُ لنا هذا المعطى أيَّ فكرة عن عدد الأعمال أو المؤلفين الذين تم تقديمهم؛ نظراً لأن العديد من اللفَّات احتوت على أكثر من عمل واحد والعديد منها، كما في حالة هوميروس، كانت مكررة. ولا نعرف الوظيفة التي تمايزُ بين المكتبتين.
كان لا بد أن تكون المكتبة الرئيسة الموجودة في القصر مخصصة لاستخدام أعضاء المتحف في المقام الأول. أمَّا المكتبة الأخرى فكانت عبارة عن معبدٍ ديني؛ من المفترض أنَّهُ خدم مجموعة أكبر من القراء. ربما كان هذا هو السبب في أن حجم الكتب هناك، كانَ أصغر بكثير؛ فقد اقتصرت على الأعمال مثل الكلاسيكيات الأدبيَّة الأساسية، التي من المرجح أن يطَّلع عليها عامة الناس.
على رأس المكتبة كان هناك أمين مكتبة معين من قبل البلاط، وهو مفكِّر بارز كان غالباً ما تكون لديه مهمة إضافية للعمل بصفة مدرس للأطفال الملكيين. كان زينودوت أول من شغل هذا المنصب، وقد اشتهر بكونه رائداً في صناعةِ نص سليم لقصائد هوميروس. كان -بالضرورة- رائداً في علم المكتبات أيضاً، ومن المؤكَّدِ أنَّهُ هو الذي أنشأ النظام الذي تستخدمه المكتبة اليوم في التَّرفيف. ذكرنا أعلاه تصريح سترابو بأن أرسطو «علم الملوك في مصر كيفية ترتيب مكتبة»؛ يفترض أن زينودوت قد استوعبَ جيِّداً طريقةَ أرسطو في التَّنظيمِ ووظفها لمصلحتهِ. يجب أن تكون خطوته الأولى هي فرز القوائم وفقاً لطبيعة محتوياتها – شعراً أو نثراً، أدباً أو علماً. وصنَّف الأدب، المصنَّف العلمي وغيره من الأشياء. احتوت علامات التبويب على أسماء المؤلفين أمَّا التعريفات الأخرى فتمت إضافتها أثناء إجراءات الإدراج، ولكن في كثير من الأحيان دون إضافة أيٍّ من العناوين؛ احتوت العديد من القوائم على أكثر من عمل واحد، بل ضمَّت الكثير من الأعمال؛ مثلاً مجموعات الشعر لا يمكن أن تدرجَ تحتَ مظلَّةِ اسمٍ واحدٍ. عندما كان العنوان مفقوداً، كان على زينودوت أن يفتح الكتاب ويتفحَّص النَّص.
كانت خطوته التالية هي تخصيص غرف، أو أجزاء من الغرف، لمختلف فئات الكتابات التي استبعدها. ووضعت الأعمال المناسبة على الرفوف؛ مرتبة حسب ترتيب المؤلف أبجدياً.
يقودنا هذا إلى إحدى المساهمات العظيمة التي ندين بها للعلماء في مكتبة الإسكندرية وهو الترتيب الأبجدي بوصفه أسلوباً للتنظيم. بقدر ما نعلم، كان زينودوت أول من استخدمها، في مسرد للكلمات النادرة التي جمعها.
نظراً لأن المؤشرات واضحة أنه منذ البداية قد تم وضع مقتنيات المكتبة على الرف بطريقة أبجديَّةٍ، فإن الاستنتاج الطبيعي هو أن زينودوت -بعد أن وجد النظام مفيداً لمسرد المصطلحات الخاص به- قد قام بتطبيقه على المجموعة. يبدأ الترتيب الأبجدي من الحرف الأول. كانت هذه ممارسة جميع العلماء القدماء لجميع الأغراض لعدة قرون، ويبدو أن مثل هذا الترتيب البسيط يلبي احتياجاتهم. لم تظهر الأبجدية الكاملة حتى القرن الثاني الميلادي.
من المؤكَّدِ أنَّ زينودوت هو من وضع النِّظامَ الأولي للمكتبة؛ فقد جند الموظفين المطلوبين من أجلِ فرز الكتب إضافةً إلى المدققين والكتبة؛ النسَّاخين، المصلحين، وما إلى ذلك. لابد أنه كان هناك العشرات من هؤلاء الموظفين الماهرين؛ لكن لا نملكُ معلوماتٍ ملموسة حولهم مطلقاً، ولكن يمكننا أن نكتفي بتصوُّرِ وجودهم؛ مثل العديد من العمال ذوي الياقات البيضاء في العالم اليوناني والروماني، ومن المرجح أن الأغلبية العظمى كانوا من العبيد.
في السنوات الأولى للمكتبة -عندما كانت المقتنيات محدودة نسبياً- كان يكفي وجود نظام يمكّن المستخدم من العثور على ما كان يبحث عنه بالذهاب إلى غرفة معينة، أو إلى مجموعة معينة من الأرفف في الغرفة، ويمرر عينه على ألسنة القوائم المصطفة هناك بترتيب أبجدي تقريبي. في الواقع، كان النظام كافياًللمستخدمين المتمرسين حتى عندما كانت المكتبة بكامل قوتها. تروي القصة أن أريستوفان البيزنطي -الذي كان مديراً بين 200 و185 قبل الميلاد، والذي كانَ يعملُ يومياً بكلِّ ما أوتيَ من الحماسة والاجتهاد في قراءة جميع الكتب بشكل منهجي- عندما عمل بصفته محكِّماًفي مسابقة الشعراء التي أقيمت أمام الملك، استبعدوا الجميع باستثناء شخص واحد بسبب الانتحال. وحينَ طلبَ الملك إثبات هذه التُّهمة، هرع إلى المكتبة و«بالاعتماد فقط على الذاكرة، أخذَ مجموعةً من اللَّفَّات من خزائن الكتب».
ربما كان هذا الإنجاز الشجاع ممكناً لأمثال أريستوفان البيزنطي، ولكن بعد أن وصلت المجموعة إلى حجم معين، احتاج القراء العاديون إلى نوع من المساعدة في العثور على الأعمال التي يستمتعون بها اليوم. ووجدوا العونَ في شخصية ذات أهمية عالية؛ليس فقط في تاريخ مكتبة الإسكندرية، ولكن في تاريخ المعرفةِ بشكلٍ عام. رجل جمع بين القدرة على كتابة إبداعات شعرية واستعداده للدخول في رحلةٍ شاقةٍمتمثلة في تجميع مئات قوائم الكتب التي تضم آلاف المداخل، هذا الشخصُ هو كاليماخوس القوريني.
كانت قورينة مسقط رأسه، وهيَ عبارةٌ عن ميناء بحري على ساحل ليبيا غرب الإسكندرية، وكان في ذلك الوقت تحت حكم البطالمة. كانت عائلته من الأعيان، لكنَّ ظروفها ساءت سريعاً. شقَّ كاليماخوس طريقه إلى العاصمة؛ حيثُ عمل مدرِّساً في مدرسة ابتدائية في إحدى الضواحي هناك. بطريقة ما لفت انتباه بطليموس الأول؛ الذي دعاه للانضمام إلى زمرة المثقفين في البلاط، وفي عهد بطليموس الثاني كان الشخصية المهيمنة فيها. ربما يكون قد خلف زينودوت بصفته أميناً للمكتبة. إذا لم يكن الأمر كذلك، فهو بالتأكيد مسؤول عنها بشكل ما؛ طالما أنَّهُ كان الرجل المسؤول عن فهرسةِ محتوياتها.
بصفته باحثاً، كان أعظم إنجاز لكاليماخوس هو كتابهُالضخم، «جداول» Pinakes أو ، لإعطائه عنوانه الكامل، جداول الشخصيات البارزة في كل فرع من فروع التعلم مع قائمة من كتاباتهم. كان عبارةً عن مسح ببليوغرافي مفصل لجميع الكتابات اليونانية. لقد ملأت ما لا يقل عن 120 كتاباً؛ أي خمسة أضعاف عدد كتاب إلياذة هوميروس. ما جعل مثل هذا المشروع ممكنا هو وجود مكتبة الإسكندرية؛ التي وجدت على رفوفها كل هذه الكتابات، مع استثناءات نادرة. وهناك اتفاق عام على أن التجميع نشأ من قائمة أرفف لمقتنيات المكتبة التي وضعها كاليماخوس.
لم ينجُ كتابُ بينيكس. ومع ذلك، لدينا ما يكفي من المراجع والاقتباسات التي صمدت إلى القرون اللاحقة وهيَ كافية لتقديم فكرة وافيةٍ عن طبيعتها ومداها. قسّم كاليماخوس جميع الكتَّاب اليونانيين إلى فئات، ولنكونَ أوفياءَ لمصطلحاتهِ رتَّبهم في «جداول». ولا شكَّ في أنَّها الطَّريقة نفسها المتَّبعة في ترتيب مقتنيات المكتبة على الرفوف. كما قام بعمل تقسيم أساسي أولي إلى شعر ونثر، وقسم كلّاً منهما إلى أقسام فرعية. بالنسبة إلى الشعر، كان هناك جدول للشعراء المسرحيين؛ مع تقسيم إلى جدول فرعي لكتاب التراجيديا وآخر لكتاب الكوميديا، وجداولَ لشعراء الملاحم وجدول للشعراء الغنائيين، وما إلى ذلك. بالنسبة إلى كتاب النثر، كان هناك جدول يضم فلاسفة، وخطباء، ومؤرخين، وكتّاباًفي الطب، إضافةً إلى «جدول متنوع» (هذا هو المكان الذي تم فيه إدراج كتب الطبخ). كل جدول يحتوي على أسماء المؤلفين بالترتيب الأبجدي (بالحرف الأول وحده بالتأكيد). كان لكل مؤلف سيرة ذاتية مختصرة تتضمن اسم الأب، ومكان الميلاد، وفي بعض الأحيان اللقب – تفاصيل مفيدة لتمييزه عن غيره من الكتاب الذين يحملون الاسم نفسه. هنا -على سبيل المثال- مدخللعالم الفلك الشهير إيودوكسوس الذي، إن لم يكن بالضبط في كلمات كاليماخوس، مشتق منها: إيودكسوس، الأب إيسخينيس، من كنيدوس؛ عالم الفلك، المهندس، الطبيب، المشرع. درس الهندسة في عهد أرشيتاس والطب في عهد فلسطون الصقلي.
بعد رسم السيرة الذاتية، ظهرت قائمة بأعمال المؤلف بالترتيب الأبجدي، و-في كثير من الحالات- يجب أن تكون قد استمرت في أعمدةٍ متواترة.
كانت المشكلة الرئيسة، التي واجهت كاليماخوس، هي كيفية التعامل مع المداخل التي تضمنت أكثر من فئة واحدة. في حالة أريستوفانيس -على سبيل المثال- لميتبع هذه الطريقة: كاتب فقط للكوميديا، تم إدراجه ضمن جدولِ هؤلاء الكتاب (لا شك في أنه كان على رأسِ القائمة نظراً لأنَّ اسمهُ يبدأ بالألف). ولكن أين وضع كاليماخوس نفسه، مؤلف النثر والشعر وأنواع مختلفة من كل منهما؟ هل سجل نفسه في عدة أماكن مع سيرته الذاتية؟ هل استخدم الإحالات المرجعيَّة؟ ليس لدينا أي وسيلة تمكننا من معرفة ذلكَ.
وُضعت قوائم من الكتابات من هذا النوع أو ذاك من قبل. كانت جداولُ كاليماخوس هي الأولى من حيث الشمولية؛ فقد قدمت عرضاً منهجياً، في مجموعة واحدة من اللَّفَّاتِ الورقيَّة، ضمَّت جميع الكتابات اليونانية والنصوص الأدبية والعلمية وحتى الوظيفية من قبيل كتب الطبخ. كان قادراً على تحقيق ذلك لأنه كان بإمكانه استشارة جميع المقرَّبين من مكتبة الإسكندرية. لقد قدَّم بدورهِ مفتاحاً يمكِّنُ كلَّ من يفتحُ كتاب بيناكس من تحديد موقع أيِّ كتاب على الرُّفوف، وبذلكَ يكونُ قد أنشأ أداةً مرجعيَّة حيَّة.
ركز كل من زينودوت وكاليماخوس؛ الشخصيَّتين المهيمنتين على السَّاحة المعرفية في الإسكندرية -في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد- على الأدب. أمَّا الشخصية العظيمة الثالثة فهي إراتوستينس؛ الذي شغل منصب أمين المكتبة بينَ 245 و205 قبل الميلاد وبسط هيمنتهُ الفكرية على النصف الثاني من القرن وترك بصمته في العلم. لقد درسَ العديد من المجالات الأخرى التي كانت مغيَّبةً عن أقرانهِ حينها، من الذين أطلقوا عليه اسم Beta؛ أي «رقم 2»؛ أي الرجل الذي تركَ أثراً بسيطاً في عدد من المجالات إلى درجة أنه لم يكن قادراً على أن يكون رقم واحد في أي مجالٍ. ولكنَّ هذا التّصوّر مجرَّدٌ من الصحَّة؛ كانَ إراتوستينس على درجةٍ من الكفاءة التي تخوِّلهُ أن يكونَ من الأوائل في علم الجغرافيا، فقد ألَّفَ كتابين -على الأقل- حول هذا الموضوع؛ لم يبقَ أثرٌ للكتابين، لكنَّ النِّقاشات التي دارت في أوساطِ الجغرافيين اللاحقين تمكننا من معرفة الكثير عن مضامينهما. لقد كانَ ماهراً في علم الفلك والهندسة، وجُنِّدَ خدمة للجغرافيا وكانت مهمَّتهُ تحديد حجم الكرة الأرضية وموقع الأراضي المعروفة عليها. لقد أشرنا بالفعل إلى حسابهِ الدقيق والمذهل لمحيط الأرض. تشكل الأراضي المعروفة -في خريطته للعالم-كتلة مستطيلة واسعة تمتد من المحيط الأطلسي في الغرب إلى المحيط الذي يحدُّ الهند في الشرق. لم تمكنه مقتنيات المكتبة من فهم كتابات أسلافه فحسب؛بل زودته بمعلومات جديدة عن المجالات التي نادراً ما تعرفوا إليها. بالنسبة إلى الهند كان قادراً على الرجوع إلى الرِّوايات التي تركها أعضاء بعثة الإسكندر الاستكشافية. بالنسبة إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، وهي منطقة نائية أخرى، كان قادراً على الرجوع إلى تقارير الفرق التي أرسلها البطالمة حتى الصومال لمطاردة الأفيال من أجل ضمِّها إلى فيالق الجيش.
اثنان من العلماء البارزين أتيَا بعدَ إراتوستينس، وشغلا كلاهما مديرينِ للمكتبة، وهما كلٌّ من أريستوفانيس البيزنطي الذي أدار المكتبة بينَ 205 و185 قبل الميلاد وأرسطرخس الساموسي الذي أدار المكتبة من 175 إلى 145 قبل الميلاد، وكلاهما أعاد التركيز على الأدب واللغة، وجعل نصف القرن هذا عصراً ذهبياً للبحث في هذه المجالات.
خطا زينودوت -الأمين الأول للمكتبة- الخطوات الأولية في إنشاء نص سليم لأعمال هوميروس من خلال مقارنة وتحليل مختلف النّسخ المتوافرة من القصائد ومقارنتها ببقيَّة النسخ المتاحة، تماماً كما يفعل المتخصّصون في أعمالِ شكسبير مع الإصدارات المختلفة لطبعات مسرحياتهِ في النسخ الرباعية والنسخ المطوية. واصل أريستوفانيس وأرسطرخس الساموسي هذا العملَ بعمق أكبر وركَّزا على شعراء آخرين مثل هسيودوس، وبندار، وغيرهما من الشعراء الغنائيين. وقدم أرسطرخس الساموسي النتائج التي توصل إليها في التعليقات، والكتب التي استشهد فيها بمقاطع معينة ثم أتبع كل فقرة بتعليقات حولَ معناها، كما شرحَ أي مصطلحات أو تعبيرات غامضةٍ أو ما إذا كانت الكلمات فعلاً للمؤلف وما إلى ذلك، وهيَ ذاتها الطَّريقةُ التي تعامل بها مع هيرودوت.
مجال آخر من الدراسات الأدبية التي عززوها هو علم اللغة. كانت الكلمات النادرة والقديمة التي ظهرت في نصوص هوميروس وغيره من الشعراء القدامى محلَّ اهتمامِ المفكرين اليونانيين. أول محاولة رسمية لمعالجتها قام بها الشاعر الباحث فيليتاس؛ الذي عاش نحو 300 قبل الميلاد. قام بتجميع عمل وسمهُ بكلماتٍ متنوِّعة وقد علَّق فيه -دون أن يتَّبعَ ترتيباً منهجيّاً- علىهذه المصطلحات المتنوِّعة. حقَّق ذلكَ الأثرُ نجاحاً كبيراًوكسبَ شهرةً واسعةً جدّاً إلى درجة أنَّهُ كانَ مألوفاًللشخصِ العادي مثل قاموس ويبستر -على سبيل المثال- اليوم. وهكذا، في مسرحيَّة كوميدية تم عرضها بعد نصف قرن على الأقل من زمن فيليتاس، هناك مشهد يخبر فيه مضيف، يخطط لإقامة حفل عشاء، كيف ناقش متعهد الطعام الذي وظفه القائمة بهذه اللغة الفاخرة والقديمة «لا أحد على وجه الأرض يستطيع أن يفهمه… سيتعين عليك الحصول على الأعمال الكاملة لفيليتاس والبحث عن معنى كل كلمة». اتبع زينودوت خُطا فيليتاس فقام بعمل تجميع مماثل وقدم -كما أشرنا سابقاً- التحسن الكبير في ترتيب الإدخالات وفقَ الترتيب الأبجدي. اتخذ أريستوفانيس البيزنطي الخطوة المنطقية الآتية: في عمل يسمى «الكلمات» أو Lexeis، قام بتضمين كلمات من جميع الأنواع؛ منها التي نستعملها اليوم ومنها القديمة، والتي تتطلب -بطريقة ما- التعليق أو التفسير. مثل العديد من المنتجات العلمية في هذا العصر، لم ينجُ ذلكَ العمل وكلُّ ما لدينا من معلومات متأتية من المراجع اللاحقة. فيما يأتي مقتطف من مسرد يرجع تاريخه إلى أربعة قرون بعد عصره، وربما أخذَ في النهاية من عمله؛ حتى لو لم يحدث ذلك؛ فمن تقليده:
Melygion: مشروب السيكيثيين. جلاوكوس، في الكتاب الأول من وصف الأماكن الواقعة على يسار البحر الأسود:
عندما وافق العَمَلةُ، قام بفضِّ التجمع، ومضى كلُّ فردٍ إلى منزله، وأعدوا المشروب. هذا المشروب مسكر أكثر من النبيذ. وهوَ مصنوعٌ من عسل مغلي بالماء مع إضافة عشب معين. لأن بلادهم تنتج الكثير من العسل وكذلك الجعة التي يصنعونها من الدرع.
يعالجُ المدخل الأول مصطلحاً غير عادي؛ فهوَ كلمة مستعارة من بعض اللغات المنطوقة في منطقة البحر الأسود. يبدأ بتعريف معجميٍّ موجز، ويضيف -تماماًكما هو الحال في قاموس أوكسفورد الإنجليزي العظيم- مثالاً على استخدامه، ويختتم بالتَّوسع في التفاصيل.
ظلَّت الدراسات في اللغة والأدب الشغل الشاغل خلال المرحلة الأخيرة من الحياة الثقافية في الإسكندرية، من النصف الثاني من القرن الثاني حتى 30 قبل الميلاد؛عندما أنهى احتلال روما لمصر نهاية عهد البطالمة. تم تلخيص النتائج في أعمال ديديموس، وهو عالم لا يعرف التَّعب إلى درجة أنه قرأ 3500 كتاب وفقَ إحدىالشّهادات، و4000 كتاب وفقَ شهادةٍ أخرى كما حصل على لقب تشاليسينتيروس «الشجاعة البرونزية»؛ أي نوع الشجاعة التي تولِّد مثل هذه النتائج. استمرَّ لقب الشجاعة البرونزية خلال النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، وكانت المهمَّة مبنية على العمل في المكتبة بتفانٍ بينما كان العالم الغربي ممزقاً بسبب الحروب الأهلية في روما.
لقد وضعَ تعليقات وافرة: على الإلياذة وعلى الأوديسة وعلى مسرحيات الشعراء الهزليين، ولا سيما مسرحيَّاتأريستوفان، وعلى مسرحيات الشعراء التراجيديين،وخاصة سوفوكليس، كما علَّق على خطب ديموستين. لقد وضع العديد من المسارد؛ لم تشمل جميع الكلمات كما فعل أريستوفان البيزنطي ولكن على أنواع معينة: مسرد للشعراء الهزليين، مسرد للشعراء التراجيديين (هذا يشمل ما لا يقل عن ثمانية وعشرين كتاباً، أطول من الإلياذة)، مسرد مصطلحات الكلمات الصعبة، مسرد المصطلحات المجازية، مسرد الكلمات الغامضة في المعنى.
أنتجت المرحلتان الأوليان من الثقافة الإسكندرية أدوات لا غنى عنها للمعرفة مثل النسخة النصية الرسمية، والتعليق، والمسرد كما أضافت المرحلة الأخيرة أداةً أخرى تتمثَّلُ في القواعد. كان المؤلف ديونيسيوس ثراكس أو ديونيسوس التراقي -نسبةً إلى والدهِ الذي كانَ يحملُ اسماً يعودُ إلى تراقيا- في الواقع كان من مواليد الإسكندرية، وكان أحد العلماء القلائل الذين عاشوا هناك. كان تلميذاً لأرسترخوس، وعندما اضطر معلمه في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد إلى مغادرة المدينة نتيجة لاضطرابات سياسية، غادر أيضاًوقضى بقية حياته في رودس. تعامل جميع علماء الإسكندرية -وخاصة معلم ديونيسيوس- بطريقة أو بأخرى مع عناصر قواعد اللغة اليونانية وجوانبها.
تمثَّلت مساهمة ديونيسيوس في تنظيم المادة المكتوبة في كلٍّ متماسك ومن ثمّ إنشاء أول كتاب في علمِ النَّحو.
على عكس العديد من الآثار التي أنتجتها الثقافة الإسكندرية، نجا هذا الأثرُ ولدينا فكرةٌ عن محتواه. في خمسين صفحة فقط، يقدم ديونيسيوس مسحاً موجزاًللغة اليونانية؛ بدءاً من الحروف الأبجدية ومروراً بأقسام الكلام وأشكالها المختلفة، بما في ذلك تصريفات الأسماء وتصريفات الأفعال. ظلت القواعد النحوية القياسية لتلاميذ المدارس اليونانية لأكثر من ألف عام،واستمرَّت حتى القرن الثاني عشر الميلادي.
اعتمد الرومان على قواعد النحو اللاتينية الخاصة بهم، ومن خلالها أصبح نموذجاً لجميع القواعد النحوية الحديثة.
كم من الوقت استمرت مكتبة الإسكندرية؟ لقد صمدت إلى 48 قبل الميلاد؛ إلى أن ابتلعتها النيران كما يقول بعضهم. ولكنَّ بعضهم الآخر يقولُ عكسَ ذلك ويشيرون إلى أنَّها تضرَّرت فقط ولم تتأثَّر كثيراً.
في عام 50 قبل الميلاد. عبر قيصر نهر روبيكون وتسبَّب في اندلاع حرب أهلية كبيرة بينه وبين خصومه بقيادة بومبي. بعد ذلك بعامين، في بلدة فارسالا في شمالي اليونان، حقق قيصر نصراً حاسماً، وهرب بومبي إلى الإسكندرية. وطارده قيصر ببعضِ السفن والرجال. بحلول الوقت الذي وصل فيه، قُتل بومبي غدراً؛ لكن قيصر اختار البقاء.
كانت كليوباترا -ابنة بطليموس الثاني عشر المتوفى في الفترة الأخيرة- تتشاجر مع أخيها حول من سيتولى العرش، وكان قيصر مهتماً بدعم قضية هذه الشابة الآسرة والبارعة. عندما حرِّض الإسكندريوُّنَ ضد الرومان، انفجر الوضع السياسي وتحوَّل إلى أعمال عنف، ووجد قيصر -بقواته الضئيلة- نفسه في مكان صعب وخطير. لقد تحصن في منطقة القصر؛التي كانت بالقرب من الواجهة البحرية، وفي لحظةٍ ما، لتجنب خطر «الانقطاع عن سفنه، اضطر إلى درء الخطر بإشعال النيران، فانتشرت ألسنتها انطلاقاً من الموانئ -حيثُ تصنع السفن- إلى أن امتدَّت إلى المكتبةِ فأحرقتها بالكاملِ». هكذا يكتب بلوتارخ عن قيصر،لكنَّ المؤرخ ديو كاسيوس يروي روايةً مختلفة إلى حدٍّما: «أضرمت النيران في العديد من الأماكن، ونتيجة لذلك، اشتعلت ترسانات بناء السفن ومخازن الحبوب والكتب التي قيل إنها بأعدادٍ كبيرةٍ وتحتوي على أجودِ الكتب». فُهِمَ من كلماته أنها تعني أن الدمار لم يشمل المكتبة بأكملها، بل اقتصر على الكتب التي تصادف وجودها في المستودعات على طول المياه. يتم تعزيز هذا من خلال اعتبارات أخرى.
واجهَ البطالمة اللاحقون -أولئك الذين اعتلوا العرش منذ منتصف القرن الثاني قبل الميلاد- اضطراباتاجتماعية متزايدة ومشاكل أخرى، ولم تعد المكتبة تحظى بالاهتمام الذي كان أسلافهم يولونها إيّاه. وبالفعل، انتهج بعضهم نهجاً ديكتاتوريّاً كردَّة فعلٍ سياسية: فقد أعطاها بطليموس الثامن (145 – 116) لضابط من حرس القصر وبطليموس التاسع (88 – 81) لأحد أنصاره السياسيين.
بعد أن استولت روما على مصر عام 30 قبل الميلاد،حافظ الأباطرة على استمرار عمل المتحف والمكتبة، لكن العضوية في المتحف مُنحت الآن -في معظمها- ليسلرجال متعلمين، ولكن للرجال الذين تميزوا في الخدمة الحكومية؛ في الجيش، حتى في ألعاب القوى – ما يعادل، بطريقة ما، الدرجات الفخرية اليوم. ربما حدث الشيء نفسه معَ أمناء المكتبة، ويمكننا أن نضربَ مثالاًعلى ذلكَ يتمثَّلُ في تيبيروس كلاوديوس بالبيلوس؛ الذي اشتغلَ في مرحلةٍ ما من منتصف القرن الأول الميلادي، إدارياً، ومسؤولاً حكومياً، ورجلاً عسكريّاً. ربما لقيت المكتبة حتفها عام 270 بعد الميلاد أو نحو ذلك؛ عندما انخرط الإمبراطور أوريليان في قتال مرير في الإسكندرية في سياق قمع تمرد مملكة تدمر. أثناء الصراع دمر القصر وما يحيطُ بهِ، وعلى الأرجح، دمِّرت المكتبة أيضاً.
فصل من كتاب : مكتبة شكسبير الباريسية بعنوان : مكتبة خاصة بي
لطالما أردت أن أفتتح مكتبة، وبمرور الوقت تحولت هذه الرغبة إلى هوس. حلمت بافتتاح مكتبة فرنسية على أن تكون فرعًا لمكتبة مونييه، وتتخذ من نيويورك مقرا لها . أردت أن أساعد الكتاب الفرنسيين الذين أقدرهم كثيرًا لكي يزداد عدد قرائهم في بلادي. ولكنني أدركت، لاحقا، أن مدخرات أمي الضئيلة، والتي أرادت أن تجازف بها لصالح مشروعي، لا تكفي لتغطية تكاليف فتح محل في نيويورك. وكان مؤسفًا حينها، أن أتخلى عن تلك الفكرة المدهشة.
ظننت أن أدريان مونييه سوف تحبط من انهيار مخططنا لفرع من مكتبتها في بلادي. ولكنها، على عكس ما توقعت، كانت مبتهجة. لذا، تحولت الفكرة في لمح البصر إلى مكتبة أميركية في باريس. بإمكان رأس المال الذي أملكه الذهاب بي بعيدًا في باريس؛ كانت الإيجارات منخفضة وكذلك تكاليف المعيشة آنذاك.
أخذت بكل هذه المميزات في الحسبان، وبالإضافة إلى أنني مغرمة بباريس، وأعترف أن ذلك لم يكن باعثًا صغيرًا على الاستقرار ولكي أصبح باريسية. هناك أيضًا عامل أدريان التي تملك خبرة أربعة أعوام في بيع الكتب. إذ افتتحت مكتبها وسط أجواء الحرب وحافظت
على استمرارية مكتبها. وعدتني أدريان بتوجيهي في خطواتي الأولى، ومساعدتي من خلال إرسال العديد من الزبائن إلي. كان الفرنسيون – حسب ما علمت- متحمسين للاطلاع على الجيل الجديد من كتابنا الأميركيين، وبدا لي أن مكتبة أميركية صغيرة على الضفة الغربية من السين سوف تكون موضع ترحيب من قبلهم.
كانت الصعوبة تكمن في إيجاد محل شاغر في باريس، ربما كنتُ سأضطر إلى الانتظار لوقت أطول للعثور على ما أريد لو لم تنتبه أدريان إلى وجود محل للإيجار في شارع دوبيتران الصغير، يقع في زاوية من شارع الأوديون. وجدت أدريان الوقت لمساعدتي في تحضيراتي على الرغم من انشغالها بمكتبها، ومنشوراتها، وكتاباتها الخاصة. هرعنا إلى شارع دوبیتران، حيث حمل المحل العنوان رقم 8 من أصل 10 محال هي مجمل عقارات ذلك الشارع الصغير والمرتفع، وجدنا شيش النافذة مفتوحًا، وفي الأعلى كانت ثمة لافتة مكتوب عليها: «محل للإيجار».
قالت أدريان إنَّ المحل كان مصبَغةً في وقت ما، وأشارت إلى كلمتي «سميكة» و«رقيقة ما يعني أن المصبغة كانت تستقبل البياضات السميكة والرقيقة معًا. وقفت أدريان التي كانت ممتلئة الجسم نوعًا ما، تحت كلمة «سميكة»، وطلبت مني الوقوف تحت كلمة «رقيقة»، وقالت «هكذا نحن».
توصلنا إلى مسؤولة المبنى امرأة عجوز تغطي رأسها بالدانتيل الأسود، تقطن مكانًا أشبه بالقفص بين طابقين، كحال مسؤولي المباني في تلك البيوت الباريسية القديمة، وبدورها أخذتنا في جولة لترينا المحل من الداخل، الذي قرَّرتُ دونَ تردُّد أنه محلي أنا. كان المحل يتكون من غرفتين، يفصلهما باب زجاجي، وسلَّم يفضي إلى الغرفة الخلفية، أما الغرفة الأمامية فحوت موقد المصبغة وأمام الموقد مكواة.
رسم ليون بول فارغ ذات مرة الموقد كما بدا في الماضي ومن أمامه
آلات الكي، بدا على الأغلب أن المكان مألوف لديه بسبب عاملة المصبغة الجميلة التي كانت تكوي البياضات. ووقع على الرسم باسم لیون بویل فارغ» كنوع من التلاعب اللغوي مع كلمة موقد بالفرنسية
.poêle
تذكرت أدريان – وهي تنظر إلى الباب الزجاجي- أنها رأت المكان من قبل. ففي طفولتها، رافقت والدتها للمصبغة ذاتها. وبينما كانت النسوة منشغلات، تسلّت الفتاة الصغيرة أدريان بأرجحة الباب، وبطبيعة الحال تهشم الزجاج، وتذكرت الصفعة التي تلقتها من والدتها فور عودتها للمنزل.
أبهجني كل شيء: المحل، ومسؤولة المبنى «الأم غاروست» كما أسماها الجميع، والمطبخ الصغير المتفرع من الغرفة الخلفية، وباب أدريان الزجاجي، ناهيك عن الإيجار المنخفض. على الرغم من ذلك فكرت مليا بالموضوع، حتى الأم غاروست طلبت مهلة للتفكير بي ليوم أو اثنين، وفق الأعراف الفرنسية الأصيلة.
استقبلت والدتي في وقت قصير برقية مني، كتبت ببساطة: «سأفتتح مكتبة في باريس، أرسلي المال من فضلك. فأرسلت لي كل مدخراتها.