المدونة
Posted by author-avatar

فصل من رواية : المرأة المتجلية لـ: غاييل نوا

في الأيام التالية، أحكم القلق خناقه عليّ حتى كادت تنقطع أنفاسي. وكانت الأرض تمور تحت قدمي، أنا لم أصبح «فيوليت» بعد وأيضاً أنا لست «إِلَيْزا» فعلاً، أنا لست أحداً، كان الدوار يصعقني. كنت كما لو أنني أسقط من دون توقف من جرف، وأن المناظر الطبيعية من حولي تتلاشى بعيدة، وليس أمامي سوى هذا السقوط اللامتناهي. كان الشيء الوحيد الذي يهدئني هو هذه الغرفة التي تهتز تحت صوت الخطوات، وصرير قاعدة السرير، وأصوات الأنين. أعتقد أنني أخيراً اعتدت ذلك. إن مأواي يصرخ ويعيش ويتنفس في الوقت الذي ينام فيه الشرفاء وهذا يطمئنني ويهدهد لي.
لم أعرف أبداً كيف أحدد منطقة القلق. عندما كنت طفلة، كان يجتاحني أثناء غياب والدي. كان حينا في «هايد بارك» مألوفاً جداً بالنسبة إلي حيث لم أكن أشعر بالخطر، على الرغم من انتشار شائعات الجرائم والحوادث الغريبة هناك بأسرع ما يمكن من أي مكان آخر، ما يؤدي إلى إحساسي بالقشعريرة والقلق، لكنني كنت ارتجف جزعاً أكثر على والديّ فور خروجهما من المنزل. كنت أخشى أن يقتلا في واحدة من تلك الأزقة الخطرة حيث يذهبان إلى عملهما. كنت أنا وأمي في ريبة دائمة إلى أنجاء شرطي يطرق بابنا. كان ظله يلوح تحت ضوء الرواق وسأعرف قبل أن يتكلم، سأعرف، ليتحطم بذلك قلبي.
كنت في الثامنة من عمري عندما تحدث والدي معي عن أعمال الشغب التي زامنت ولادتي. ما زلت أحافظ على الذاكرة حية. كنا نتجول في «غيتو برونزفيل». على الرغم من معارضة والدتي، غالباً ما كان يصطحبني إلى هناك. أستطيع أن أرانا ونحن نمازح بعضنا، كان طويلاً ومتعاظماً بلحيته المشذبة جيداً وقبعته، وأنا الصغيرة جداً في معطفي ذي ياقة الفرو، أجاهد لمتابعة إيقاع سيره، لكنني كنت مدركة تماماً هذه الهبة بأن تكون بجوار أبيك، هذا الامتياز ما كنت لأتخلى عنه مقابل أي شيء في العالم.
اعتقد والدي أنني سأكبر بشكل أفضل إذا أطلعني على حقيقة العالم. كان قد عقد العزم على إخباري منذ الطفولة عن أنواع معينة من الشر، تلك التي يمكن لعقلي الصغير استيعابها. أراني المباني المكونة من طابقين، التي تركها أصحاب العقارات البيض تتداعى، والساحات الخلفية حيث القمامة متناثرة ولم يتكبد جامعو القمامة عناء التقاطها. كان الأطفال يرتدون ملابس ممزقة، ليست على مقاسهم المناسب أبداً، والكلاب الصلعاء تعوي حتى الموت. أتذكر كم كنت مولعة بهذا المعطف الصغير، لكنه جعلني أشعر بالخجل من مشاهدة هؤلاء الأطفال وهم يركضون بقمصانهم الخفيفة في الرياح المتجمدة.
في «إلينوي»، يوضح لي والدي بصوت رزين أنه لا يوجد قانون يجبر السود على التجمع في «الغيتو».
رسمياً، يمكنهم الاستقرار أينما أرادوا. ومع ذلك، في كل مرة يعبر أحدهم حدود الحزام الأسود للانتقال إلى شارع قريب من أجل السكن، كان يخضع لتأديب شديد بما يكفي كي لا يعود أبداً. ثم تتكلف قنبلة بتحويل مسكنه إلى غبار، أو تضرم فيه النار بينما عائلته نائمة.
أدى تجاوز هذه الخطوط الوهمية إلى اندلاع أعمال عنف وأعمال شغب، فعاد أولئك الذين نجوا إلى ملجئهم في «الغيتو».
– ولدتِ في الصيف الذي جرفت فيه التيارات طفلاً أسود كان يسبح في البحيرة، مبتعداً عن الشاطئ المخصص للسود فقط، فلما اجتاز أحد تلك الخطوط غير المرئية، رماه أطفال بيض بالحجارة، فغرق؛ لذلك أصيبت المدينة بالجنون. استمرت أعمال الشغب أكثر من ستة أيام. هاجمت عصابات البيض مساكن السود، وأشعلت النار في المباني.. ورداً على ذلك، أشعل السود النار في أحياء البيض. كان هناك الكثير من القتلى والجرحى في المستشفى، فاضطررنا إلى وضع الجرحى على الأرض، كانت الأسرّة مملوءة عن آخرها.. وتطلب الأمر تدخل الحرس الوطني حتى يتوقف الأمر في النهاية. لهذا لم أكن موجوداً عندما ولدتِ يا يمامتي..
كان والدي طبيباً تحول إلى البحث الاجتماعي في جامعة شيكاغو، عاد والدي إلى الخدمة ليساعد المتدربين السود الذين حافظوا على دوام مستشفى هجره الموظفون البيض منذ بداية أعمال الشغب. كان يحب أن يقول إن علم الاجتماع سمح له بالتحقيق في جذور العنف أو المرض أو الفقر. كان يأمل من خلال عمله تنوير الضمائر وتحطيم الأحكام المسبقة. كان يحلم بالوقاية من الشر قبل أن تجتاح غرفة الطوارئ جثث مثقوبة بالرصاص أو الطعنات.
– طالما نجبر هؤلاء الأشخاص على التكدس كلهم في بضعة أميال محرومين من الحق في العيش حيث يريدون، والحصول على الفرص نفسها مثل الآخرين.. فسيرغبون في الهروب من سجنهم بأي وسيلة متاحة، ولا يهم إذا كان عليه أن يسرق أو يقتل للوصول إلى هناك. إنه إنسان، كما ترين، يتوق إلى الحرية، ولن يستطيع تحمل القفص.
نعم، إنه إنسان. وهذا سبب ضياعي في هذه المدينة الأجنبية، على الرغم من أنني أشعر وكأنني تائهة، إلا أنني بالكاد أستطيع دفع الفكرة المؤلمة لطفلي الصغير الذي يبحث عني في المنزل، يبحث عني ويتصل بي. أخشى أنه لم يتلقَّ أي رد، وأخشى الإجابات التي قد يتلقاها منهم. الحقيقة أنني اخترت أن أهرب قبل «تيم»، لأن اصطحابه معي كان محفوفاً بالمخاطر. هذا يتعارض مع كل ما تعلمناه؛ أن الأمهات يجبرن على التضحية بأنفسهن، وأن هذا هو مصيرهن منذ بداية الزمان. لم أطِع هذه الفرضية الفلسفية، ولكن غريزة عميقة أمرتني بعدم الالتفاف، وعدم السماح للحب بأن يمنعني. كان يوم سبت مشمساً، اصطحبته جدته من أبيه إلى درس في الإبحار، وكان والده يمارس عمله في برج لوب.
عندما عادا، لم أكن موجودة هناك. ما زلت أفكر في الرسالة التي تركتها لـ«تيم» والموضوعة في أحد مخابئنا السرية. أتمنى أن يجدها. وحتى إن لم يكن كبيراً بما يكفي لفهمها، فقد نقشت في قلبه أن مغادرتي لم تكن تخليّاً؛ لأنني تركته لأستعيد قواي ثم سأعود من أجله.
خلال اليومين الماضيين، كنت أسير بلا هدف عبر المدينة وأتجاوز كل هؤلاء الأشخاص المقيدين بحياة ووظيفة وأسرة. نظراتهم تتساءل عن سيمائي الحائرة، وتطمئن عند رؤية ملابسي الجميلة، وآلتي الروليفليكس حول رقبتي. أنا لا أبدو مثل هؤلاء المتشردين العجائز الذين يتسكعون في رفاتهم العائم ويخيفون الأطفال، ولا كرجال الأعمال الذين دمرهم انهيار عام 1929،والذين يبيعون التفاح في الجادات. تحدثنا عن ذلك كثيراً عندما كنت صغيراً، لكن بائعي التفاح الوحيدين، الذين قابلتهم في ذلك الوقت في شارع «ميشيغان»، بدوا كأنهم فقراء أبديون. وأتساءل عما إذا كانت قصص المليارديرات الذين نبذوا أو تنكروا في زي بائعي التفاح ليست سوى أساطير، روجها أولئك الذين أرادوا منا أن نصدق أننا لسنا الوحيدين الذين فقدنا كل شيء. لقد نجا أبطال المضاربات، «جو كينيدي» و«صموئيل إنسول»،من دون أن يصابوا بأذى. حالت المرتبة المريحة دون إمكانية السقوط، وفي أسوأ الأحوال كان مصيرهم المنفى رفقة حقيبة مليئة بالسبائك، وإجازة طويلة لمشاهدة غروب الشمس فوق البحر.
لا، أنا لا أفكر في هؤلاء، ولكنني أذكر والدي، الذي استثمر كل مدخراتنا في البورصة لإرضاء والدتي.
في تلك الأيام، كان الجميع يراهن على الفوز. حتى بائع التبغ في زاوية الشارع 47 كان يضارب في البورصة. كان كل واحد يعرف شخصاً من أبناء عمومته يتفاخر بسيارة ليموزين نتيجة ضربة حظ. قالت أمي: لكن، لماذا يتردد آرثر؟ الجميع يفعل ذلك! إن عمي «مايلز» يعمل في «وول ستريت»، ووعد بأن يقدم لنا بعض النصائح.. التقى أبي بالعم «مايلز» في «نيويورك» واقتنع في النهاية.
أتذكر أن موجة المد والجزر الصادمة لم تضربنا على الفور. ذات إثنين أسود، كانت أسهم «جنرال إلكتريك» والصلب الأمريكية سائرة في طريق التدهور، لكن تفكيراً عقلانياً مثل تفكير «آرثر بيرغمان» رفض الذعر، وكرر أن المصرفيين والحكومة سيجدون طريقة للحد من الانهيار، لكنه أدرك تدريجياً أن لا أحد يملك حلاً للتخفيف من الكارثة، فحبس نفسه في مكتبه لأيام عدة. كانت والدتي تطرق الباب في أوقات الطعام، فيجيب بأنه ليس جائعاً.
الآن أعرف شعوره. لم يكن يجهل كيفية التعامل مع انهيار حياتنا، وكيف يخبرنا أنه فشل في مهمته وفشل في حمايتنا من الإفلاس. كان يمشي وحده لساعات، حتى الإنهاك، ليجد معنى لهذا العبث. لكن الحقيقة أن هناك إخفاقات في حياتنا لا يمكننا الهروب منها إلا إذا تخلينا عن أجزاء من ذاتنا.
في المساء الثالث، عدت عند تاجر المجوهرات. سألني عن أمريكا، فكشفت له عن الحياة الخيالية لـ«فيوليت»، المتزوجة من رجل أعمال ثري يعمل في تجارة الأخشاب. حياة قاسية وسعيدة في بلدة صغيرة في الغرب الأوسط، حيث السهول تعصف بها الرياح، والشتاء القارس، والصيف الحار. لديها فتاتان صغيرتان وكلاب وخيول. تركته يتخيل هذه الحياة التي تتخللها الطبيعة وحرائق الخشب وأعياد الميلاد.
وفجأة، أعلنت المكالمة الهاتفية للسيدة «لي» أن زوجها أصيب بنوبة قلبية. المستشفى، ساعات الانتظار قبل التحدث إلى الطبيب الذي ينظر إليها وكأنه يشك في أنها تمتلك كل قدراتها العقلية، وشرع يكرر عدة مرات: زوجك مات، وصلت سيارة الإسعاف بعد فوات الأوان.. تنهمر دموع عيني، يوقظ الخيال ذكريات وفاة والدي، التي ما تزال تمزقني، الخمسة عشر عاماً، التي مرت منذ صباح ذلك اليوم من أبريل، لم تجد طريقها إلى النسيان.
أرى شارب التاجر يرتجف، أدرك أنه ليس رجلاً سيئاً، لكنه يجد صعوبة لرؤية الأشخاص الذين يقفون وراء المجوهرات. يحمي نفسه من تاريخهم ومن مصائبهم. كنا كاذبين يتصارعان في وسط كل هذه الأكاذيب، يلتقيان ويشاركان لحظة من الإخلاص لم نكن نتوقعها ولا نعرف ما يجب أن نفعل بها.
يمكن أن تكون الحياة قاسية يا سيدتي.. همس محرجاً. لكن عندما أنظر إليك، فأنت امرأة صغيرة وجذابة، وأنا متأكد من أنها تحتفظ لك ببعض المفاجآت اللطيفة. دعي «باريس» تسليك، وتلهمك. أبناء وطنك يحبون هذه المدينة، الآلاف منهم يستقرون فيها. ولم تتوقف «باريس» أبداً عن حب الأمريكيين، بجنودهم وخطة مارشالهم!
ثم يقدم لي عرضاً يعتبره «معقولاً ومفيداً» مشيراً بلباقة إلى أنه تأثر وتعاطف معي. كان العرض أقل مما كنت أخشى، بل أقل بكثير من قيمة السوار. لكنني لست في وضع يسمح لي بالرفض. أوقّع الإيصال مقابل مغلف من الأوراق النقدية الفرنسية. يخبرني الصائغ أن ذكرى «آدم» سوف تتألق على معصم زبون ثري يعاني من نقطتي ضعف: النساء والأشياء الأصيلة.
عندما رافقني الثعلب العجوز إلى الباب، كان شفق بنفسجي ينسدل فوق المدينة فشعرت أن قبضة القلق قد خفت. المال في حقيبتي سيمنحني القوة. قررت التوقف عند مقهى السلام، بالقرب من الأوبرا، الممغنط بروعة زمنه الجميل. اصطحبني نادل يرتدي ملابس رسمية عبر غرفة مليئة بالنساء ورجال الأعمال الأنيقين الذين يتجاذبون أطراف الحديث حول اللحوم النادرة والنبيذ الفاخر. طلبت طبق اليوم الذي أوصى به النادل يرافقه نبيذ «سامور شامبيني».كانت أول يخنة ممتازة أتناولها في حياتي. حصلت على مشروب آخر. شربت نصفه عندما شعرت بأنني مراقبة. كان شخص غريب جالساً في البار على بعد أمتار قليلة منّي يحدق فيّ. أسمر ونحيف، لديه ندبة على ذقنه. عندما التقت نظراتنا، لمحت في عينيه الغامضتين حبه للتسلية. رفع كأسه نحوي ببطء فجمدتني هذه اللفتة. أَهي الندبة، أم البشرة الزيتونية، أم تلك الطمأنينة الهادئة؟ فقدت رباطة جأشي، فدعوت النادل بيد مرتعشة.
في الحانة، الرجل لا يرفع عينيه عني. اتسعت ابتسامة على شفتيه الممتلئتين.
– هل أزعجك شيء يا سيدتي؟ سأل النادل.
– كل شيء على ما يرام، لكن يجب أن أذهب. الفاتورة من فضلك.
استغرق وقتاً طويلاً ليعود بالفاتورة. قدمت له ورقة مالية، لكن ليس لديه ما يكفي من الصرف.
-لا بأس، احتفظ بالباقي. قلت وأنا أنهض، التقطت الروليفليكس وغادرت الحانة من دون أن أنظر إلى الوراء، وبهدوء قدر الإمكان.
عندما خرجت، بدأت في الركض نحو «سان لازار» تتلوى قدميّ في حذائي، هربت كما لو كان رهط متكالب يتعقبني. لم أتوقف إلا في زاوية شارع «هافر» أتصبب عرقاً. قلبي ينبض حد الانفجار. لقد اختبأت تحت بوابة العربات وانتظرت، كانت حواسي كلها في حالة تأهب. لا ألمح من حولي سوى الكائنات المعتادة في الحي: الزبائن ذوو القبعات المائلة فوق أعينهم، والمومسات والمروجون، والظلال الملتبسة.
لا يطمئنني ذلك، لأن أولئك الذين يطاردونني يعرفون كيف يتخفون، يعرفون أيضاً كيف يتريثون ولا ينقضون على الفريسة بسرعة مفرطة مانحين أنفسهم الوقت الكافي لتخيل كل الكمائن، وكل الحيل.

المدونة
Posted by author-avatar

قصة قصيرة بعنوان: الصبي وحربته من المجموعة القصصية عندما كُسفت شمسنا لـ: بول لورانس دنبار

الصبي وحربته

حدث ذلك في شهر يونيو، عندما حان وقت انتهاء الدوام الدراسي، وأوشكوا على إغلاق المدرسة. كانت تصدر أصوات الصخب من المدرسة أثناء التحضير للتمارين النهائية لليوم الميداني بشكل خاص، ولا يوجد شيء يسعد قلب أمهات واشنطن -مهما كانت أعراقهن- إلا رؤية أبنائهن يرتدون زيّ المتدرب الأزرق، ويسير بفخر أمام حشد من المعجبين. هذا المشهد البسيط كفيل بأن ينسيها تعب الليالي، فلا تشعر إلا بالفخر والابتهاج بالنتيجة.
وعلى الرغم من أن بود بذل كل ما في وسعه في التدريب حتى خارج ساعات الدراسة؛ كانت هناك أيام عديدة من العمل الشاق بالنسبة لوالدته هانا ديفيس عندما التحق ابنها بالمدرسة الثانوية. كان الأمر صعبًا للغاية، لكنها كانت مستعدة لكل التحديات في سبيل صنع مستقبل باهر لابنها الحبيب؛ فأخذت على عاتقها ذلك بكل سرور، وأعطت بود فرصة للتعلم، وهذا ما أرادت أن يحصل عليه.
على أيّ حال، عندما انضم إلى فيلق الطلاب العسكريين، بدا لها كما لو أنها هي الخطوات الأولى نحو تحقيق كل أهدافها وآمالها التي طالما حلمت بها منذ أن كان طفلًا رضيعًا بين أحضانها. لقد كان الحصول على الزي الرسمي أمرًا صعبًا بالنسبة لها؛ لكن بُود ساعدها بنفسه، وعندما رأت كيف يحسن التصرف، ويعرف كيف يأخذ ما يريده، شعرت أن تعبها وجهدها لم يذهب سدى. لقد كان الأمر يستحق كل هذا العناء، ويستحق كل قرشٍ صُرف لأجل رؤية فرحة وفخر «الأخت الصغيرة» التي كانت تعشق أخاها بُود.
مع اقتراب موعد التدريب التنافسي، ساد جو من الإثارة حول المنزل الصغير الواقع في الشارع «د»؛ حيث يعيش الثلاثة معًا. كانت الأخت الصغيرة متحمسة طوال اليوم؛ على الرغم من أنها لم تكن في أتمّ صحتها، ولم تذهب إلى المدرسة حتى. جلست ونظرت من النافذة إلى منظر غير مثير للاهتمام؛ إلى طريق وعر تصطف على جانبيه منازل الطوب الأحمر الباهت الكئيب، كانت كلها قبيحة جدًا. عندما حل المساء، أسرعت هانا إلى المنزل لتناول العشاء في الوقت الذي يجب أن يعود فيه بُود إلى المنزل جائعًا ومتعبًا من أعمال الحفر.
كانت الأجواء مبهجة كأجواء العيد تمامًا. بينما كانوا يستعدون لتناول العشاء، كان الصبي ذو الوجه المتوهج يخبرنا كيف تسير الأمور في شركته الأولى، وماذا سيفعلون بشركاتهم الأخريات. لم يكن حديثه متفاخرًا بقدر ما كان تعبيرًا عن ثقته المبنية على العمل الشاق، وبقدر حماسته لمشاركتهم تفاصيل حياته، وكانت هانا والأخت الصغيرة متحمستان لسماع ذلك.
أما الطفلة فقد كانت تستمع إلى أخيها وتصفق بيديها وعيناها تتوهجان قائلة: «آه يا أخي بُود، كم أنت رائع. أنا متأكدة تمامًا من أنك ستهزمهم بجدارة أيضًا!». قال لها: «إذا كان العمل الجاد كفيلًا بهزيمتهم، فسنهزمهم بكل تأكيد!». ثم تقتحم هانا النقاش لتضيف نكهة تحذيرية: «لا تصبح واثقًا إلى هذه الدرجة يا بُني. لا تتباهي بنفسك؛ فكل رجل بارع لديه شخص ما أكثر براعة منه لينافسه». ولكن على الرغم من كلامها هذا، لا تفسر ملامحها شيئًا سوى الثقة والفخر. لقد كان تعارض أسلوبها مع ما تعبر عنه كلماتها واضحًا كالشمس في رابعة النهار.
جاء اليوم العظيم. حشد هائل من الناس قد ملأ ملعب البيسبول الكبير. كأن جميع سكان واشنطن الملونين قد حضروا. كان الجمهور متحمسًا للغاية، ويلوح باللافتات، ويهتف ويصرخ ويهلّل. انقسم الجمهور إلى أقسام متعددة حسب ألوان الأعلام التي كانوا يحملونها والأشرطة التي كانوا يرتدونها. صاح الجانب الأول متحديًا وصاح الجانب الآخر مزاحًا، والثالث منافسًا. أما فريق اللون الأزرق والأبيض «أ» فكان يتباهى بجرأة بجوار المقاعد التي كان يحلق فوقها اللون القرمزي والرمادي للفريق «ب»، وهز هؤلاء بدورهم رؤوسهم في تحدٍّ فوق الحاجز الوهمي بينهم وبين فريق الأسود والأصفر «ج».
كانت الفرق تهتف بالأغاني المدرسية، والمعلِّمون والمراسلون ورجال الأعمال حاضرون ويتحدثون معًا. تجمع سكّان المدينة كلهم في مكان واحد وفي آنٍ واحد تحت حدث واحد. كان يومًا تاريخيًا رهيبًا لا يُنسى. وجوه الناس المبتهجة، ووجوه صامته متحمسة وأجواء متوترة ولحظة انتظار النتائج النهائية. لقد كان هنالك خليط رهيب من المشاعر. أعلام ولافتات المشجّعين تغطي المدرجات بالألوان.
كانت هذه الأجواء بالنسبة لهانا والأخت الصغيرة تعني الكثير. أصوات الضحك والصراخ والأجواء الحماسية طالما انتظروها بشغف. كان بود يلعب مع الفريق «أ». توهج وجه هانا بالتوقعات وجلست «الأخت الصغيرة» ساكنة للغاية متشبثة بيد والدتها، وعندما اجتاح الفريق «أ» أرض العرض بخطوات سريعة واثقة وسط موجة من هتاف الجمهور، قفزت الفتاة الصغيرة وهي تبكي وتصرخ بصوت عالٍ: «ها هو بود. أنا أراه هناك».
ثم عادت إلى مقعدها وقد غمرها الحرج، وفرحت الأم عندما رأت عزيزتها تميّز أخاها من بين هذا الكم الهائل من الأولاد الذين كانوا يرتدون اللباس الأزرق نفسه. جاء الفريق «أ» يتمخطر في الميدان نحو كبار الرجال بطريقة دعت الحماسة في الجمهور تزيد أكثر وأكثر. لقد كانوا في الواقع مجموعة من الشباب المهندمين والرياضيين والعسكريين والمهذبين بسلوكهم. كان قائدهم فخورًا بهم، وقد أظهرت خطواته ذلك الفخر. كانوا يتحركون بناءً على أوامره. عند النظر إليهم من بعيد يبدون كأنهم مقيدون بعضهم ببعض؛ حيث إن خطواتهم كانت متساوية تمامًا.
فجأة خيّم الهدوء والتوتر عليهم عندما جاء الفريق «أ» من أربعة أفراد قدموا عرضًا عسكريًا مذهلًا لاقى إعجابًا كبيرًا من الكبار والصغار ومن الرجال والنساء. اقتربت هانا من ابنتها واحتضنتها بقوة. كانت خائفة من هزيمة فريق ابنها. لقد كان أعضاء الفريق «أ» باردين إلى حدٍّ كبير عندما خرجت الكرة التالية. لم تكن والدة بود مرتاحة من الهدوء المفاجئ لأتباعه؛ لقد شعروا بأن شيئًا ما غامضًا يحدث، وأن شيئًا لم يكن بالحسبان قد حدث.
وسيطر الخوف على قلوبهم، وتساءلوا: ماذا لو خسر فريق بود؟ لا يمكن أن يحصل هذا. لقد قال بود نفسه إنهم سيفوزون. لقد كانوا بائسين محبطين جدًا حتى ارتفع الهتاف مرة أخرى يخبرهم أن فريق بود قد كسب هذه المرة. قال أحد من الجمهور خلف هانا: «إنهم يقدمون أداءً رائعًا، حتمًا سيفوزون على الرغم من أنهم خسروا في الضربة الثانية». قام الفريق «أ» بالانحراف إلى اليمين، ثم توقف وسط الهتافات، وتشكل انحرف إلى الجانب الأيسر بمسار واحد دون توقف. كانت الحركة التالية منتظرة بفارغ الصبر بسبب صعوبتها؛ حيث كان يجب عليهم السير بخطوات سريعة ولكن متساوية في الوقت نفسه، ويجب أن تكون أيدي الصبية ثابتة تمامًا.
كان الأمل في قلوب المشجعين وأعضاء الفريق كبيرًا. كان الصبية يفعلون ذلك بسرعة وبحرية وبكل ثقة، ولكن فجأة ظهر من الصفوف بريق من الفولاذ؛ لقد أسقط شخص ما حربته وشهق أعضاء الفريق «أ» بقوة، ثم تنهد بحزن وإحباط بينما قام عدد من جمهور وأعضاء الفِرق الأخرى عديمي القلب بإصدار أصوات هسهسة لزيادة إحباط أعضاء الفريق «أ». ولكن حاول الفريق التصرف بثبات ودون استسلام لردة فعل الجمهور المتقلبة. تحركت المجموعة مرة أخرى بحركة متساوية وثابته كأن شيئًا لم يكن. صعد أحد القضاة، وقد كان ضابطًا في الجيش، والتقط الفولاذ المتساقط، وحاول ترقيع المصيبة التي حدثت منذ قليل.
لم يتمكن أي أحد من الجمهور من رؤية الذي أسقط حربته؛ إلا هانا التي كانت لا تنظر إلى أحد سوى بود، لذلك رأت حربته وهي تسقط، وكانت وحدها تعلم من هو المخطئ. كان بود قلقًا ومتوترًا من شدة رغبته في إرضائهم، وربما بسبب كثرة التفكير فيهم وحماستهم لفوزه تخبط وأخفق في كلّ ما كان يسعى من أجله أيامًا وليالي طويلة. كان يشعر بالدوار وكأن كل شيء أمامه تحول إلى اللون الأسود.
انتهى العرض وغادر رفاقه الساحة، وتسلل من بعيد كحيوان جريح؛ ليس لأن توبيخهم جرحه، بل إنه لم يسمعهم أصلًا، لكنه أراد أن يتسلل ليكسب قليلًا من الوقت، ويفكّر فيما سيقوله لوالدته ولأخته الصغيرة، وكيف يعبّر عن مدى بؤسه. بالنسبة إلى بود كانت بقية المسابقة بمنزلة كابوس مروّع، ولم يكن يعلم متى انتهت الفِرق الثلاثة لتلقّي قرار التتويج النهائي من القضاة. التصفيق الحار لفوز «ب»، وتعليق الميداليات الذهبية على أعناقهم.
كان يشعر بأنه أهان نفسه وفريقه. ماذا ستقول له والدته التي بذلت جهودها العظيمة في تدريبه والمبالغ الطائلة لأجل دخوله المسابقة، وماذا عن «أخته الصغيرة» التي كانت واثقةً تمامًا بأنها ستفرح بفوز أخيها وحماستها وترقّبها للحظة الفخر به؟ لقد شعر بأنه ليس إلا خيبة أمل لعائلته الصغيرة. لم تكن مشاعر هانا والأخت الصغيرة مختلفة عن مشاعر بود؛ كان كل ما تبقى من العرض مملًّا وبائسًا.
لقد فشلوا في حلمهم الوحيد. ولم يكن هنالك أي شيء قادرًا على رفع معنوياتهم؛ حتى عندما تعثرت بعض الفرق أثناء عرضها. حاولت الفتاة الصغيرة أن تتحلى بالشجاعة، ولكن عندما انتهى الأمر كان الشيء الوحيد الذي أسعدها هو أن وقت الخروج قد حان؛ فسحبت أمها وأسرعت للعودة إلى المنزل. أجهشت بالبكاء فور وصولها إلى المنزل، ثم خبأت وجهها البريء في ثوب والدتها، وبكت كأن قلبها قد تحول إلى أشلاء صغيرة.
«لا تبكي يا صغيرتي، لا تبكي يا ماما. هذه ليست الفرصة الأخيرة للمشاركة في العرض. ستكون لدى بود فرصة مرة أخرى، وحتمًا سيُظهر لهم عرضًا مختلفًا رائعًا، وأعتقد أنه سيكون قائدًا لفريقه. كلّ هذه المواساة لم تداوِ جرح «الأخت الصغيرة» بما حدث لأخيها. لقد كان الأمر فظيعًا جدًا بالنسبة لها، فشلًا ذريعًا. ولكن لم يكن في وسعها إلقاء اللوم عليه ولا على أي شخص آخر، ولا تعرف كيف توكل الأمر إلى الله، ولا تعرف ماذا يعني القدر. ما الذي يهمها سواء كان نقيبًا أم جنديًا؟ لم تكن تعرف معنى الكلمات أصلًا، لكن «الأخت الصغيرة» كانت تريد أن ترى بود وأمها سعيدين بالفوز.
شرعت والدتها في إعداد العشاء بينما كانت «الأخت الصغيرة» تتدلى بحزن في كرسيها الصغير، وجلست تبكي بصمت حتى سمعت صوت خطوات بود، ثم نهضت وهربت لتختبئ، ولم تجرؤ على مواجهته والدموع في عينيها. كانت تعلم أن الجرح الذي في قلبه كافٍ، ولم ترغب في زيادة جرحه عندما يراها حزينة عليه. دخل بود بصمت ودخل الغرفة الأمامية المظلمة.
قالت الأم: «هل هذا أنت يا بود؟» قال لها: «نعم يا أمي».
– «هيا تعال. العشاء جاهز». رد عليها بود: «لا أريد عشاءً يا أمي». فقالت أمه: «هيا يا ولد. لا شك في أنك متعب وجائع للغاية».
لم يجب على أمه؛ ولكن بعد أن جاءت الأخت الصغيرة، ووضعت يديها القطنيتين على خديه، وقالت بهمس: «هيا يا بودي تعال. أنا وماما نعرف جيدًا أنك لم تكن تقصد أن تفعل ذلك، ونحن لا نهتم أبدًا»، غمرها بود بلطف إلى أحضانه وقال: «أنتِ وأمي وحدكما. أنا آسف لأني أفسدت تدريبات الفريق؛ يقولون إن الفريق «ب» كان سيفوز على أيّ حال بسبب فشلنا الذريع، ولكن كلّ ما في الأمر أنني أردتكِ أنتِ وأمي أن تشاهداني أفوز، وأن تفتخرا بفوزي. همست قائلة: «نحن فخورون بك على أي حال، أنت نلت شرف المحاولة، وهذا فوز في حد ذاته».
مسكت يده بيدها الصغيرة، ومشت به إلى مائدة العشاء. بذلت هانا ما في وسعها لتشجيع الصبي وزرع الأمل فيه لأجل الاستعداد لتدريبات العام المقبل؛ لكنه لم يكن مستعدًا للنقاش فذهب إلى الفراش مبكرًا. في الصباح، على الرغم من اقتراب موعد المدرسة، جلس بود في الجوار وما يزال مزاجه متعكرًا وليس بحال تسمح له بالاستعداد للذهاب. قالت له هانا بمرح: «يجب عليك الاستعداد للذهاب إلى المدرسة». أجاب بود: «لا أعتقد أنني أريد الذهاب بعد الآن».
– «ماذا؟! لا تذهب بعد الآن؟ لماذا؟ ألا تشعر بالخجل من التحدث بهذه الطريقة؟».
– «أشعر بالخجل من إظهار وجهي للأولاد بعد الذي حصل».
– «وما شأن الأولاد؟ لقد حدت ما حدث، ولن يستطيع أحد تغيير القدر مهما كان».
– «آه يا أمي، لا أريد أن أذهب. أنت لا تعرفين ما الصراع الذي أشعر به».
قالت هانا: «أنا آسفة جدًا لأنني سمحت لك بالانضمام إلى ذلك الفريق، كنت أريدك أن تتعلم فقط، أردت منك أن تجيد اللعب، وليس لأجل الفوز بعرض تافه». ارتدت هانا ملابسها، وخرجت إلى عملها. ثم جاءت «الأخت الصغيرة» وقالت له: «ألن تتراجع عن قرارك وتذهب يا أخي؟ في الذهاب إلى المدرسة مصلحة لك. والخسارة هي من تصنع الأبطال، هيا اذهب وكن واثقًا وواجه مخاوفك بقلب شجاع. لم يرغب بود في أن يكسر خاطرها فقال لها: «حسنًا أنا ذاهب».
عدما وصل إلى المدرسة كانت ردة فعل الأولاد غريبة بعض الشيء؛ بعضهم كانوا باردين قليلًا، وبعضهم سيئ التعامل، لكن معظمهم أدرك حقيقة أن ما حدث للفتى بود كان من الممكن أن يحدث لأي واحد منهم. علاوة على ذلك بعد إظهار النسبة، تبين أن الفريق «ب» تميّزوا بطرق عديدة، ومن ثمّ إن الخطأ الذي تسبب به بود لم يكن العائق الوحيد أمام فوزهم. تم استدعاء أحد الضباط للحديث في المدرسة، وكان يتحدث بسهولة وبكل سرور مشددًا على أهمية الانضباط بشكلٍ خاص. وفي نهاية حديثه قال: «أعتقد أن الفريق «أ» يلقي الاتهامات على رأس الشاب الذي أسقط حربته بالأمس، لكن ما أود أن أقوله هو أن الأمر كان مؤسفًا للغاية، لكن الجدير بالذكر هو سلوك ذلك الطالب في التعامل مع الحدث. رأيت أنه لم يتوقف لحظة واحدة، ولم يدر رأسه أبدًا، بل ضبط نفسه بطريقة لم أرها في حياتي. كانت الأنظار كلها تتجه إلى بود، وبدأت الابتسامة تشرق في وجهه عندما قال الضباط: «لقد صوّر هذا الصبي المعنى الحقيقي للانضباط، وأريد أنا شخصيًا أن أصافحه إن كان حاضرًا هنا».
وعندما انتهى من حديثه، دعا المدير بود إلى الأمام، وصفّق له الجميع ومن ضمنهم الذين انتقدوه قبل قليل. صافح الضابط بود ثم قال: «لماذا لا ترتدي الزي الرسمي يا ولد؟».
ردّ عليه بود: «لقد خجلت من ارتدائه بعد ما حدث يوم أمس».
قال له الضابط: «لا تخجل من ارتداء زيك العسكري مرة أخرى؛ فهو فخر لك مهما كان».
لم يعد في قلب بود أي شعور بالخجل من رفاقه ولا من نفسه حتى. وعندما عاد إلى المنزل وروى ما حدث لعائلته الصغيرة في ذلك المساء، ملأ القلبين الصغيرين بالسعادة والفرح، وعادت المياه إلى مجاريها. قالت الأخت الصغيرة: «لقد أخبرتك أننا سنكون فخورين بك مهما حصل». سألته والدته: «وماذا قلت لك بشأن التراجع؟».
لم يتمكن بود من سماع سؤالها ولا الرد عليه؛ لأنه كان سعيدًا جدًا ومنشغلًا ينظف زيّه الرسمي بانسجام.

المدونة
Posted by author-avatar

قلوب قاتلة [ ثنائية الظل والأثر ]

في رواية «قلوب قاتلة» -منشورات جدل- للروائي السعودي حامد أحمد الشريف، تبدو العلاقة الثنائية بين شخصيتين محوريتين، تنطلق من إحداهما عملية البحث الاستقصائي، والأخرى هلامية، مسرود عنها بِسمة الحضور الكاشف لهتك ستر المسكوت عنه الباحث عن وجه من أوجه الحقيقة، والمتمثلة في شخصية الآخر/ الظل، أو ما يؤدي إليها من أثر يتجمع من خلال وجود شخصيات ثانوية تمثل عناصر مهمة من عناصر الوجود الواقعي المخاتل المضمر عبر غلالات من الغموض تطمس إحداثيات الوجود المفارق للشخصية/ الظل، التي لا ينتهي أثر وجودها حتى الرمق الأخير من النص الروائي.
وإن كان من خلال هلاميتها ووقوعها في أسر مكان/ بيئة لها طقوسها ورموزها وما يميزها من ملامح تجمع بين بيئات متعددة تحصرها بين البحر وأنثروبولوجيته وبين المكان/ الصحراء/ القرية الساحلية القبلية المقتطعة منها من خلال موروثها الذي يفرض سماته وحاكمية وجود أنماطه الإنسانية، ونماذج تمثل شواهد على تلك البيئة/ المكان وما يفرزه من ثقافة تعامل مع الواقع، كما تميزها علاقة بالغة الحساسية والأهمية والإثارة والاشتباك مع عنصر المرأة وإشكاليتها في هذه البيئة المخاتلة التي تعاني فصامًا أخلاقيًّا بين ماهية المعلن والمسكوت عنه في فضائها الضيق/ الرحب على حد سواء، ما يعمق من إشكالية وجودية المكان، والوضعية الإنسانية الراهنة بميراثها وموروثها معًا، مع ما يرافقها في تلك الرحلة من موتيفات الموروث الشعبي والبيئي المرتبطة.
«لم تكن يومًا «حلة الصعايدة» أكثر هدوءًا من هذا المساء بعد أن كثر اللغط خلال الأيام الماضية حين انشغل الجميع باختفاء «صالح محمد سعيد الشرومة»، ثمة من يقول: إنه موجود في سرداب سري أسفل بيتهم، بناه والده حتى يخفي أثره ويسجنه ما بقي من حياته، ويدعي أنه هرب، ويكاد هؤلاء يقسمون على ذلك» (ص9).
من خلال المكان المميز بسماته القبلية شبه المنعزلة، تبدو الشخصية/ الظل في بؤرة الحدث الروائي الممتد والمتشعب، بحالة من الجدل القائم على التشكك وإثارة المخيلة الفردية والجمعية على حد سواء، فيما يضمره الوعي الشعبي بالمكان وحكاياته والآثار الدالة عليها من خلاله، ومن خلال ما وقر في النفوس وما يتداول في الخفاء من مسكوت عنه يرتبط بأسرار المكان المغلق بغموضه، وبما يضغط به هذا الغموض لإحداث حالة من الجدل حول ماهية القتل.
أزمة السارد/ الواقع المخاتل
العنوان «قلوب قاتلة» يجمع بين مفردتين مطلقتين: إحداهما اسم، والأخرى صفة تحمل معنى الفعل، دلالة على قسوة مضمرة في مجملها، والتعميم وشيوع مبدأ القتل لديها، كعلامة نصية مهمة إلى حالة من حالات القتل المعنوي التي يحمِّلها العنوان بوظيفته المهمة، على متن/ أثر تبدو فيه حالة اختفاء/ موت مقترنة بشكوك وأقاويل ولغط شديد ينتاب بيئة متحفظة على أسرارها، في حين هي قائمة في موروثها على تناقل المرويات والأقاويل كسمة توالد أحداث مقترنة بحكي متواتر مرتبط بالجلسات والمسامرات كتعبير عن جانب من جوانبها، إلى جانب مادة/ إشاعة/ حالة القتل المادي الذي ربما تعرضت له تلك الشخصية/ الظل المتمثلة في «صالح الشرومة»، مع الاقتراب من دوائر الأسرار المغلقة، والمغلفة بالغموض غير المبرر في كثير من الأحيان، بسمة اغتراب نفسي مرتبط بتفاصيله وأثر ذلك فيه.
تبدو كل الأطراف/ الشخصيات المتصارعة -في وعي شخصية باحثة عن الحقيقة/ الضابط «أسعد»- على إخفاء الحقائق المرتبطة بشخصية جدلية يرتكز عليها العمل الروائي، صالح، ومفارقة وجوده الرئيس كشبح دون تجسيده -كمحرك وبؤرة للحدث السردي- بمفهوم الوجود المحسوس من خلال آخرين، ربما أقحمهم السارد الرئيس/ ضمير النص المنفصل عن ذوات تلك الشخصيات، على مشهده السردي بتفاصيله؛ ليتقاطعوا معه وظيفيًّا من أجل إبراز بعض الحقائق/ التكهنات مع التكتم على المزيد من الأسرار التي تسعى إليها الشخصية بحكم عملها، وبحكم وجودها الفضولي:
«كان عليه التعامل مع شرائح المجتمع كافة إن أراد بالفعل الوصول إلى الحقيقة التي بات على يقين من أنه لن يصلها بالارتهان لحدس حاسته السادسة في انتقاء المشتبه بهم» (ص35).
ما يُدخل الرواية في دوائر عدم الإمكان بالرغم من وجود العديد من المفاتيح السردية/ الإنسانية الكاشفة التي ربما توزعت على العديد من الأنماط البشرية الموجودة في المكان/ البيئة، والتي تحكم وجودها مجموعة صلات وعلاقات تصنع ما يشبه شبكة متسعة للمزيد من التناقضات، ومن ثم الكشف عن روافد كثيرة لسمات الوجود في ظل مكان زاخر بشخوصه/ رموزه، بثيمة التعقب ومحاولة التحقيق غير المباشر لحالة إنسانية واراها التراب/ الغياب على حد سواء من خلال سمة غرائبية يتعامل بها شخوص الرواية مع واقعهم:
«عندما وصل إلى تلك النتيجة لم يستغرب انسداد الأفق الذي يعيشه، وغياب المعلومة التي يبحث عنها، فصالح بالنسبة لهم موجة عاتية لكنها عابرة، أو هبة ريح عاصفة ما لبثت أن تلاشت وتخلصوا منها، وعادوا إلى ممارسة الحياة بالطريقة التي ألفوها» (ص56).

حامد الشريف
هكذا تبدو نظرية المؤامرة على الوعي الكاشف، التي تركن إليها فلسفة تناول الشخصية الباحثة تجاه موقف يزداد تعقيدًا بالنسبة له على الأقل، ومن خلال وضع الشخصية/ الشخصيات المغدورة وتأثير ربما كشف عنه الهاجس والحدس إضافة إلى إشارات المجتمع الممثل للمكان إلى ذلك، بما لها من آثار جلية في الوعي، وبما تحمله من ثقل معنوي ضاغط ربما أدى إلى فكرة المؤامرة، ومن خلال أنماط بشرية تعامل معها من زاوية الحدث وزاوية المعرفة التي لا يملك مفاتيحها، لكنها ربما أعطته مفاتيح تشرع الأبواب على تلك العوالم المتفجرة من خلال تاريخها وسلوكياتها وسماتها وعلاقاتها مع بعضها أو مع الشخصية المفقودة/ الغائبة على حد سواء، وعلاقاتها بالمكان، وما يستتبع ذلك من حالات قتل وافتقاد، تعقبها سلسلة من علاقات وأزمات نفسية ومعنوية.
هكذا تتداخل الرؤى وتتشوش وتدخل في دوائرها كل الاحتمالات والعودة مجددًا إلى دروب قد تركها الباحث الذي يرصد بكثير من التعمد سمات نفسية مرتبطة بالمكان المغلق، وكأثر لانغلاقه وكتمانه للحقائق، حيث يحتدم أيضًا الحس المحموم بضرورة اقتناصها بالرغم من كل العوامل التي تسمح لليأس أن يتسرب إلى الذهنية المتقدة التي يتعامل بها المسرود عنه الرئيس مع هذه الحالة المتشبعة بالحذر، وكثرة المسالك التي يمضي فيها الغموض وتلك العلاقات الملتبسة والأسئلة التي تثير الشكوك وتزيدها تعقيدًا، ما يدخله في دوائر من عدم الاكتمال والإمكان على حد سواء:
«وقد بدأت الأفكار تتصارع في ذهنه وتكاد تقضي عليه، قرر إصمات عقله وعدم التفكير مطلقًا في الحوادث كلها، لكنه تذكر في تلك اللحظة أن هناك متهمًا آخر ربما يكون أقرب من كل هؤلاء، وتذكر غياب فرهود الذي بدأ يقلقه ويخشى أن يكون أصابه مكروه» (ص 248).
تمضي الرواية على وتيرة التردد بين اليأس وانبعاث الأمل من جديد في شأن حل لغز تلك الأحاجي التي يبرزها الواقع ويفرضها على الوعي المؤرق لشخصية ربما وصلت إلى مرحلة محاربة طواحين الهواء، تلك التي تتوالى على وعيه وإدراكه بالمزيد من حوادث غامضة لا تفسير لها، ولا مناص من البحث فيها ووراءها في سلسلة لا تنتهي من الانتهاكات الإنسانية التي لا يجد من ورائها ولا من ينفذها على هذا القدر من الغموض والحيطة الشديدة والتكتم وعدم قدرة أي إنسان في هذا المحيط على الإرشاد أو الإخبار عن ماهية ما يحدث ولا قدرة على الاستشهاد بأي شهود؛ لتزداد الدائرة ضيقًا وحصارًا وإثارة.
يبدو دور الحاكم لتلك البيئة/ الحارة المتمثل في «العمدة» بملامحه العبثية اللامبالية، كشخصية ظل على هامش تلك الحوادث والمجريات بالرغم من وجوده القائم وتجسده الظاهر، ولكن بهيمنة وجود كاذبة أو مخادعة، ما يثير أيضًا الشكوك ويدخله في دائرتها، ذلك الأثر الواضح الذي يبدو، من خلال علاقة شخصية العمدة بما حوله، وكأن الشأن لا يعنيه، وهو ما أشار إليه السارد في بدايات اقتحام سرده لتلك المرويات التي تروى عن رموز القرية/ المكان، انتقالًا ودورانًا حول كل الشخصيات الدائرة في فلك المكان، يوظفها السارد، على مدار سرده، فيما يشبه لعبة «الكراسي الموسيقية» الخاضعة لمعايير الشك واليقين من جهة، ومن أخرى رائحة الدلائل العقلية والذهنية على مدى تورطهم في تلك الحوادث، أو استبعادهم منها في حالات من الإقصاء والدنو المتكررة، والمتأرجحة.
بما يمثل ضغطًا نفسيًّا على شخصية الباحث المتورط بفكره وإعمال ذهنيته في اتجاه كل صغيرة وكبيرة تدور في هذا الفلك المُعتم الغامض، لتبدو النهاية أكثر غموضًا وإثارة للسخرية واستعادة حالة اللغط التي تميز تلك المجتمعات التي تتيه فيها الحقائق تحت ستر المسكوت عنه، كموروث للبيئة التي تلقي بظلالها على كل شيء، كما تعدم الظلال المتحولة فيها حياتها لتبقى أثرًا يتعانق مع أثر المكان؛ لتعود حالة الاعتياد الساخرة لتغلف علاقات كل الشخصيات ببعضها في هذا الفضاء العجيب، حتى الانتهاء/ الإيهام بانتهاء تلك العاصفة التي أحدثتها هذه الشبكة من العلاقات المخاتلة والغامضة فيه، والتي تشير في مضمونها/ مجمل نتائجها إلى علاقات اجتماعية فاسدة مختلطة بتطلعات وخيانات وقصور في التعامل مع اللحظات التأسيسية للواقع المعيش بين الشخصيات المرتبطة بالمكان والملتصقة به والخاضعة لحاكمية وجوده.

المصدر: مجلة الفيصل
بقلم: محمد عطية محمود

المدونة
Posted by author-avatar

سرديّة النجاة في «مجتمع الغرقى» للكاتبة السورية وسام الخطيب

سرديّة النجاة في «مجتمع الغرقى» للكاتبة السورية وسام الخطيب
بقلم: عماد الدين موسى
المصدر: صوت سوري

في مجموعتها القصصية «مجتمع الغرقى»، تُبحر الكاتبة السورية وسام الخطيب في أعماق النفس البشرية المهددة بالانهيار، لتفكك عبر لغة رمزية شديدة الكثافة ثنائيات السلطة المنكسرة، والأمومة المقاوِمة، والذاكرة التي ترفض النسيان وسط الركام. هذه القراءة النقدية تغوص في دهاليز المجموعة، وتكشف كيف تحول الأدب إلى أرشيف سري لإنقاذ الإنسان من الغرق الرمزي داخل واقع مضطربة عن دار «جدل»، تقدّم الكاتبة السورية وسام الخطيب حكايات تتقاطع عند فكرة الغرق الرمزي داخل واقع مضطرب، وتكشف عبر مصائر شخصياتها عن هشاشة الإنسان وهو يحاول الحفاظ على معنى الحياة وسط التحولات القاسية.
تبدو الحكايات منفصلة من حيث البنية، غير أنّ خيوطاً خفية تشدّها إلى فضاء دلالي واحد: فضاء الغرق الرمزي داخل واقع تتجاور فيه الحرب، والخراب، والتحولات النفسية العميقة. يحمل العنوان الرئيس مفتاح القراءة، فالغرق هنا ليس فعلاً فيزيائياً بل حالة وجودية يعيشها الأفراد حين تتصدع المعاني الكبرى، ويصبح الواقع أعنف من قدرة اللغة على احتوائه.
تتجه قصص وسام الخطيب نحو رصد تلك اللحظة الحرجة التي ينهار فيها التوازن الداخلي للشخصيات، فتبدأ رحلة التيه داخل متاهة النفس والذاكرة، ليتداخل الحلم بالعنف، والغرابة بالمألوف. وتغدو المجموعة أشبه بمرآةٍ سيكولوجية لمرحلة تاريخية معاصرة في المنطقة العربية، تتوالد من خلالها الأسئلة حول السلطة، الهوية، الحرب، الأمومة، والذاكرة. وتشتغل الكاتبة على هذه الثنائيات عبر لغة سردية شديدة الكثافة، تنحاز إلى الصورة المركبة والرمز، وتستثمر تقنيات المفارقة والخيال الأسود لكشف العطب العميق الذي يصيب الإنسان حين يباغته العيش داخل عالم مهدد بالانهيار.
العنف وتفكك بنية السلطة
يحضر العنف في قصص المجموعة بوصفه بنية سردية تتغلغل في تفاصيل الشخصيات، إنه نظام كامل يطبع العلاقات الإنسانية ويعيد تشكيل وعي الأفراد بأنفسهم وبالعالم.
في قصة «بنات ميدوسا»، يظهر نموذج الضابط العسكري الذي بنى مجده على تراتبية السلطة والقمع. تُقدَّم الشخصية منذ البداية بوصفها تجسيداً لقوة الدولة الحديدية، ثم تبدأ ملامح الانهيار النفسي بالتسلل إلى هذا البناء الصلب:
«مات متكوّماً قرب سلة المهملات في إحدى الزوايا المعتمة، مات أخيراً داخل زنزانة منفردة».
تنقل هذه الجمل القصيرة انقلاباً راديكالياً في المصير، فالضابط الذي عاش محاطاً بالأوسمة والرهبة ينتهي جسداً مهزوماً في زاوية مظلمة. يتعمّد السرد هنا تقزيم اللحظة الأخيرة، ليكشف المسافة الهائلة بين صورة القوة المتخيّلة وهشاشة الوجود الإنساني في نهايته.
تستثمر الكاتبة هذا التحول لتفكيك خطاب البطولة العسكرية، فالشخصية التي اعتادت قراءة العالم عبر منطق السيطرة والامتثال تفقد قدرتها فجأة على فك شفرة نظرة امرأة واحدة. تتحول تلك النظرة إلى لغز يؤرق الضابط ويقوده إلى الانهيار العقلي، ليتحول من جلاد مُهاب إلى طريدٍ تلاحقه أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها.
يبرز هنا أحد أهم محاور المجموعة: المعرفة بوصفها سلطة مضادة، فالطاغية الذي يمتلك قوّة السلاح، يعجز تماماً أمام سر إنساني صغير. وبذلك يتحول السرد إلى مساءلة عميقة لفكرة القوة ذاتها، إذ يكشف أنّ القمع قد يمنح السيطرة على الأجساد، لكنه يقف قاصراً عن ترويض الروح البشرية أو فهمها.
فضاء الحرب ومفارقات الولادة
تنتقل الكاتبة في قصة «سرير الحرب» إلى فضاء يبدو مغايراً في الظاهر، غير أنّه يظل مشدوداً بجاذبية السياق ذاته: سياق الحرب التي تعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية.
تتناول القصة حياة امرأة ترغب في إنجاب طفلٍ رغم أحزمة الخراب التي تحيط بها، فيمطرها المجتمع بسيول من الأحكام اللائمة، غير أنّها تمضي في خيارها مدفوعة بحاجة غريزية وعميقة لابتكار معنى للحياة. تمزج الكتابة هنا بين الواقعي والغرائبي، فالحمل يحدث بصورة مفاجئة ومكثفة، ثم يتحول الجنين إلى كائن استثنائي الملامح. في لحظة اكتشاف الحمل، تصف الساردة هذا الإحساس: «أحسّت بسمكة صغيرة وناعمة تسبح بين أحشائها، شعرت بالجنين يتحرك في داخلها».
يظهر الجنين هنا كسمكة تسبح في بحر داخلي، في استعارة ذكية تعيد وصل القصة بالعنوان الإطاري للمجموعة (الغرق)، لكنه غرق مقلوب، إذ يتحوّل الجسد الأنثوي إلى رحم بكر، وتبدو الحياة كأنها تشق طريقها الخصيب عبر الماء والعتمة في مواجهة جفاف الموت الخارجي.
يحمل الطفل عند ولادته ملامح غريبة تضعه خارج التصنيفات المجتمعية المألوفة، فتدرك الأم حجم القسوة التي تنتظره، وتتجه إلى عزله وحمايته، لتغدو الأمومة هنا فعلاً سياسياً ومقاومة في وجه واقع مشوه. تطرح القصة بذلك سؤالاً فلسفياً حول الطبيعة الإنسانية، إذ يتحول الطفل «المشوّه» في نظر المركزية المجتمعية إلى كائن جميل وفريد في عين أمه، ويكشف هذا التحول عن قدرة الحب على إعادة صياغة مفاهيم الجمال والقيمة.
مقاومة الفقد بالتدوين
تبرز قصة «الصورة تموت وحيدة» بوصفها إحدى أبرز نصوص المجموعة تماسكاً، إذ تنشغل بذاكرة ما بعد الخراب عبر رحلة السارد إلى قريته المدمّرة بحثاً عن صوره القديمة التي التقطها خلال عمله مصوّراً. تبدو الرحلة في قشرتها الخارجية سعياً وراء لقىً مادية، لكنها سرعان ما تتعمّق لتغدو حَفْراً في الذات واستعادة لما تبقّى من أثر الهوية المتشظية.
تتحول الصور هنا إلى أرشيف بصري للحياة الآفلة، وتغدو الشاهد الأخير والوحيد على وجود الوجوه والأمكنة بعد أن احترقت البيوت وتلاشت الملامح، لتكتسب عملية البحث أبعاداً أسطورية لإنقاذ التاريخ الشخصي والجماعي من المحو.
ويتجلى هذا البعد الرمزي مع حضور المرأة التي رفضت مغادرة القرية، لتظهر بوصفها «سادنة الذاكرة» وحارستها، تجمع ما نجا من الحطام وتحتفظ به في خزانة صغيرة، كأنها تؤسس متاحف سرية للبلاد المفقودة. تنكشف عبر هذا المشهد رؤية الكاتبة لجدوى الكتابة نفسها، فالقصة تبدو شبيهة بتلك الخزانة التي تصون بقايا الحياة قبل أن يبتلعها نسيان التاريخ الرسمي، ويؤدي الأدب دور الأرشيف الذي يحفظ ما يتوارى خارج سرديات التاريخ الرسمي.
جدلية السرد بين الشِعرية والغرابة
تحمل لغة وسام الخطيب طاقة تصويرية عالية، فالجمل قصيرة، مكثفة، ومشحونة بالاستعارات، مما يمنح الإيقاع السردي سرعة وتوتراً مستمرين. تميل الكاتبة إلى بناء صورها على عناصر حسية بدئية كالماء، والجسد، والظلمة، والأصوات، وهي عناصر تتحوّل إلى مفاتيح رمزية متكررة تخلق شبكة دلالية تربط النصوص بعضها ببعض خفية.
المعرفة بوصفها سلطة مضادة تشكل أحد أهم محاور المجموعة، فالطاغية الذي يمتلك قوّة السلاح، يعجز تماماً أمام سر إنساني صغير
يحتل الماء موقعاً مركزيّاً في هذه الشبكة الرمزية، فيظهر مرة في صورة البحر الملتهم، وتارة في صورة المطر المطهر، وأخرى في صورة السائل الأمنيوسي الذي يحيط بالجنين. هذا التناص الداخلي يمنح دلالة الغرق عمقاً إضافياً، إذ يتحول من مجرد حادثة إلى استعارة كبرى للحياة نفسها.
تعمل اللغة في المجموعة على مستويين متوازيين: مستوى أفقي (سردي) ينمي الأحداث، ومستوى عمودي (شِعري) يبني طبقات من التأويل حول تلك الأحداث، ما يمنح النصوص طابعاً تأملياً يجعل فعل القراءة تجربة غنية بالاحتمالات.
الكتابة طوق نجاة
تتسم قصص «مجتمع الغرقى» بجرأة فكرية وجمالية واضحة، فالشخصيات تتحرك داخل فضاء مأزوم ومثقل بالعنف، لكنها تواصل السعي نحو معانٍ صغيرة تمنح الحياة قابلية للاستمرار. وتنكشف، من خلال هذا المسار، حالة الغرق بوصفها تجربة وجودية مشتركة تتوزع بين الشخوص بدرجات متفاوتة: فثمة من يغرق في وهج السلطة، وآخر في دهاليز الذاكرة، وغيرهما في الحب أو الأمومة، مما يوسع دلالة العنوان لتشمل بنية المجتمع بأكمله.
ضمن هذا الأفق، تتحول الكتابة عند وسام الخطيب إلى فعل إنقاذ رمزي، إذ تبدو كل قصة في المجموعة أشبه بيدٍ تمتد في عمق الماء بحثاً عن كائن يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة. ومن خلال هذا الجهد السردي، تنجح الكاتبة في تدوير الألم الجماعي وتحويله إلى مادة فنية تفتح أفق التفكير في مصير الإنسان داخل عالم مضطرب ومهدد بالزوال.
—

المدونة
Posted by author-avatar

فصل من كتاب: النساء اللواتي يصنعن رواياتنا | بعنوان: ديميترا فاكا

ديميترا فاكا
إنها ممارسةٌ جديرة بالثناء، لكنها ليست مثمرةً دائماً لدار النشر التابعة لشركة هاوتون ميلفين، بوسطن، أن ترسل ملفاً إلى جميع مؤلفيها يطلب مثل هذه التفاصيل الخاصة بحياتهم، والتي يمكن أن تكون ذات أهمية مناسبة لعامة الناس. في عام 1914، أو ما يقارب ذلك، ذهب أحد طلبات الحصول على الحقائق إلى المؤلفة ديميترا فاكا، بطريقة أخرى السيدة كينيث براون، وفي الوقت المناسب، عاد إلى بوسطن محملاً بالبيانات التالية، منقوشةً بيد أنثوية لا يمكن لأيّ مدير مدرسة أن يمدحها بضمير حيّ:
الاسم الكامل: ديميترا كينيث براون.
المهنة أو العمل الرئيس: زوجة.
عنوان السكن: غرين لين كَتِج، ماونت كيسكو، نيويورك.
مكان الولادة: جزيرة بويوك أدا، بحر مرمرة.
تاريخ الميلاد: 1877.
التعليم، متى وأين جرى تلقّيه بالتفصيل: أولاً بشكل خاص، ثمّ في مدرسة أثينا الخاصة. باريس. الأديرة المختلفة. دورات في جامعة السوربون. سنة واحدة في جامعة أثينا. سنة واحدة في جامعة نيويورك. مدارس مختلفة في القسطنطينية، وهي كثيرة جداً على أن أتذكرها. أستخدم المدارس كما تستخدم النساء العابثات الملابس فهنّ يتخلّصن منها عندما لا تكون مناسبة.
تاريخ الزواج: 1904، 21 نيسان/ أبريل.
السجل العسكري والسياسي والمدني: لا توجد سجلات أياً كانت باستثناء المزاج السيئ.
مديرة أو وصية للمؤسسات التعليمية أو العامة الآتية: لم يُقدَّم أيّ منها قط، باستثناء المؤسسة المفترضة لتربية زوجي.
السياسة: بالنسبة للرجل الأفضل على هذه التذكرة.
الطائفة الدينية: أرثوذكسية يونانية.
الجمعيات المهنية والجمعيات العلمية والفنية، الأوسمة… إلخ: لا يوجد.
عضو في المؤسسات الإنسانية أو الخيرية التالية (إذا كنت صاحب أيّ منصب فاذكر ذلك): ليس لديك أيّ أموال لتدخريها.
النوادي الاجتماعية: ليس لدي ما يكفي من المال باستثناء نوادي الغولف والتنس أينما كنت، وإذا جرى احتسابها فستتطلب مساحة أكبر مما يُسمح لي، حيث نتجوّل في جميع أنحاء الأرض.
السجل التجاري أو المهني: في هيئة تحرير الصحيفة اليونانية أتلانتيس مدةَ ستة أشهر تقريباً في مدينة نيويورك. مدرسة لغة فرنسية في مدرسة كومستك، مدينة نيويورك، لسنوات عدة حتى عام 1903. كاتبة منذ عام 1904.
المركز أو المنصب الذي تشغلينه: زوجة.
عنوان الكتاب (الأول): السكرتيرة الأولى.
سنة النشر الأولى: 1907.
الناشر: دبليو بي دودج وشركاه (توقفت عن العمل).
يجب استكمال هذا الاستجواب المسلّي في عدة نقاط، وسيكون القارئ أكثر استنارة إلى حدّ ما بما يلي.
ديميترا فاكا يونانية عاش أجدادها في القسطنطينية لأكثر من 700 عام. كان كثيرون منهم مسؤولين حكوميين أتراكاً، وبالتالي حياة السيدة براون المبكرة جعلتها على اتصال مستمر ووثيق مع الأتراك. لعبت مع الأطفال الأتراك، وتمكّنت من رؤية الشعب التركي من دون أيّ تحيّز ديني على الإطلاق، لكنها ولدت، كما تقول، بروح أمريكية. ظروف معيّنة جعلتها تثور، ليس أقلها نظام الزيجات المرتبة مسبقاً. هرباً من مثل هذا الزواج هربت من المنزل، قادمةً إلى الولايات المتحدة مع عائلة أحد الأقارب. ومع ذلك، حال وصولها، سرعان ما تُركت لتعتمد على نفسها.
وحيدة، مفلسة، لم تبلغ الثامنة عشرة بعد، وجدت أن الحصول على عمل ليس أمراً سهلاً ولا رومانسياً. عندما انضمت أخيراً إلى طاقم العمل في أتلانتيس، وجدت أنها تحب العمل الصحفي، لكنها فهمت بوضوح أنها لن تتعلم الإنكليزية بهذه الطريقة أبداً، وفي ذلك الوقت أرادت اللغة الإنكليزية؛ لأنها كانت تأمل أن تدرس الطب؛ لذلك عملت معلمة في مدرسة خاصة للغة الفرنسية، وفي غضون عامين غدت مسؤولة قسم اللغة الفرنسية في المدرسة.
في عام 1901، بعد ست سنوات من وصولها إلى أمريكا، عادت إلى تركيا. حافظت بعناية على تذكرة عودة إلى أمريكا في جيبها. لم تنوِ أن تبقى في القسطنطينية. حالما وصلت إلى تلك المدينة، بدأت الدعوات من صديقات الصبا تصل إليها. لقد أصبحن عندئذٍ نساء متزوجات. وهكذا، وبفضل وجهة نظر جديدة وأمريكية، دخلت الحريم التركي كزائرة مرحب بها ولا داعي لإخفاء الأسرار عنها. بعد ثماني سنوات، نشرت عشر دراسات عن النساء التركيات، تجسّد ما رأته وسمعته في 1901-1902، في كتاب الحرملك (Haremlik)، الذي يعني “مكان الحريم”، لكن لنتمسك بترتيب الأحداث:
عادت ديميترا فاكا إلى أمريكا، ودرَّست اللغة الفرنسية لكن ليس لفترة طويلة. في عام 1904 تزوجت من كينيث براون، الروائي، وحصلت أخيراً على التشجيع المستمر والمساعدة المهنية اللازمة إذا كان عليها أن تصبح كاتبة باللغة الإنكليزية. لقد حُثَّت مراراً وتكراراً على الاستعداد لنشر تجاربها الخلابة. بعد يوم واحد من زواجها، أرسلت إلى محرر إحدى المجلات سرداً لتجربة أثناء زيارتها لروسيا. جرى قبوله. وقد حسم ذلك الأمر. ستكتب.
كان الحرملك (Haremlik) كتابها الثاني. لقد ترك انطباعاً واسعاً وعميقاً. كانت هناك ترجمات فرنسية، سويدية، ألمانية، إيطالية، دنماركية، هولندية. إنه ليس خيالاً، وليس كتاب السيدة براون الأخير، طفلة من الشرق (A Child of the Orient)، الذي يحكي قصة طفولة المؤلفة وحياتها المبكرة في القسطنطينية، لفتاة يونانية مع أصدقاء وزملاء أتراك. نكهة ألف ليلة وليلة تملأ صفحات الحرملك وطفلة من الشرق. تعطي الفصول الأخيرة من الكتاب الثاني انطباعات ديميترا فاكا الأولى عن أمريكا، والتأثير على فتاة في سنّ المراهقة من أرض مختلفة تقريباً عن باريس، كما كانت باريس مختلفة عن القسطنطينية وأثينا.
الكتاب الأحدث للسيدة براون كتاب في مسألة الحرب، لكنه ذو طابع استثنائي للغاية. لفهم نشأتها، يجب أن تتذكّر أنها، على الرغم من زواجها من مواطن أمريكي، يونانية حسب العرق. كُشِف عن حبها لليونان وآمالها في مستقبلها، بوضوحٍ، في الفصل الافتتاحي من الحرملك. وهكذا عندما مرت الحرب الأوروبية بمراحلها الأولى، وتطور الوضع السياسي في اليونان إلى صراع بين الملك قسطنطين وفنيزيلوس، وهو صراع هدد فيه موقف الملك بالعار الوطني، قررت ديميترا كينيث براون الذهاب إلى اليونان، ومقابلة قادة الفصيلين، وإنقاذ اليونان من أجل الحلفاء- على الأقل مسعى لرؤية أن اليونان تفي بالتزاماتها التعاهدية، مثل تلك المبرمة مع صربيا.
بالنظر إلى المشروع الآن، السيدة براون نفسها أول من اعترف بأنه خيالي، ولا أمل فيه، وسخيف منذ البداية. ومع ذلك، أثبت قيمته الهائلة بطرق غير متوقعة. ذهبت إلى لندن، ونجحت الروائية في الوصول إلى لويد جورج؛ بعد ذلك تمكنت من الوصول إلى شخصيات رفيعة أخرى في دول الحلفاء. بالإضافة إلى الفرنسية، هي تتكلم الإيطالية. في أثينا كانت جميع الأبواب مفتوحة لها. لقد قابلت، ليس مرة واحدة بل مرات عديدة، الملكَ قسطنطين نفسه وجنرالاته. بعد ذلك ذهبت إلى سالونيكا، وتحدثت مع فينيزيلوس. عندما فعلت ذلك، تمكنت، كمراسلة تماماً، من كتابة كتابها في قلب المؤامرة الألمانية (In the Heart of German Intrigue)، أحد الكتب الأبرز التي كشفت أسرار الحرب. أدانتهم من أفواه قسطنطين ومساعديه. أسفرت سلسلة المقابلات المتشابكة التي أجرتها عن كشف كامل وكارثي لما كانت ألمانيا تخطط لفعله بالتواطؤ مع حكومة قسطنطين.
إن عمل السيدة براون كمراسلة للأسر الملكية وغيرها، وحتى كتب سيرتها الذاتية مثل طفلة من الشرق والحرملك يُعدّ، بدقة، خارج نطاق هذه الصورة الأدبية الوصفية، فيما يتعلق بها في المقام الأول كروائية وامرأة أمريكية. كروائية لديها كتب عديدة في رصيدها بالإضافة إلى كتابها الأول السكرتيرة الأولى (The First Secretary). سعر الدوق (The Duke’s Price)، الذي كتبته مع زوجها؛ وفينيلا في أرض الخيال (Finella in Fairyland)، وفي ظل الإسلام (In the Shadow of Islam)، وقبضة السلطان (The Grasp of the Sultan)، التي نُشرت أول مرة تحت اسم مجهول (“تأليف؟”)، كلها لها، بالإضافة إلى قلب البلقان (The Heart of the Balkans). من بين كل تلك المؤلفات، تعدّ قبضة السلطان، التي نُشرت بشكل متسلسل، وبيعت جيداً حتى قبل الكشف عن هوية المؤلف، الأكثرَ إثارة للاهتمام والأكثرَ استحقاقاً للتفكّر التفصيلي في هذا المجال.
نُشرت الرواية في عام 1915 (وكـَ كتاب في حزيران/ يونيو 1916)، وتمثّل مهارة ديميترا فاكا بعد نحو عشر سنوات من التدريب المهني في الكتابة باللغة الإنكليزية. شاب إنكليزي بدَّد ثروةً ينتقل إلى القسطنطينية، ويعين، بواسطة مواطن ما صار أميرالاً تركياً، مدرساً للأمراء العثمانيين. الأمير الأصغر الذي كان في عهدته هو الأمير بيازيد وقد كان عمره 4 سنوات، ووالدته فتاة يونانية جميلة من الحريم. تجرأت على تحدي السلطان، الذي أخفق في استجدائها، وسعى إلى كسر إرادتها بإبعاد ابنها عنها. بخدعة رئيس المخصيين، تستردّ طفلها، وتحصل على تعهد من السلطان بعدم التدخل مدة خمس سنوات.
هذه هي خلفية القصة الرومانسية. يقع مدرس اللغة الإنكليزية الشاب في حب الفتاة اليونانية، ويخطط للهروب معها ومع الأمير الصغير بيازيد.
تُروى القصة بخبرة، وبلا مراوغة، مع تحكمٍ جيدٍ في التشويق وإثارةٍ بعد إثارة. الأفضل في الأمر هو اكتشاف القارئ المستمر لمعرفة المؤلفة الشاملة بشخصياتها ومكانها. بافتراض أنّ أمريكياً كتبها، يجب أن تكون قد سبقت ذلك أسابيعُ من الدراسة تُستكمَل بالسفر إلى الخارج؛ إذا ما كان يمكن لشخص لم يولد ويُربّى مثل ديميترا فاكا أن يكتبها، حتى بعد “التوثيق” الشامل، يبدو مشكوكاً فيه. يجب أن نقول إن هذا الشيء سيكون مستحيلاً تماماً إذا لم نضع في اعتبارنا الراحل ف. ماريون كروفورد، الذي تذكرنا حكاياته البارعة والمقنعة بحكايات السيدة براون. هو أيضاً كتب رواية واحدة أو أكثر عن القسطنطينية بدقةٍ تاريخية لا يمكننا التكهن بها. من المحتمل أن السيدة براون يمكن أن تلتقط فيها مئةَ فجوة فيما يتعلق بالحقائق! ومع ذلك، كان لها، بالنسبة إلى القارئ الأمريكي، تأثير محاكاة الحقيقة الكاملة، وهذا هو التأثير على وجه التحديد الذي اغتنت به قصص السيدة براون. فقط، في حالتها، نعلم أن التشابه مع الحقيقة محسوس، لأن الحقيقة موجودة. يجب أن تفعل من أجلنا فيما بعد، إذا سمحت روحها المضطربة، ما فعله كروفورد. أعطتنا رومانسيات ديميترا فاكا أعطتنا الشرق. ابقي معنا، اكتبي لنا رواية بعد رواية من النوع الذي اعتاد أن يأتي، كلّ سنة أو سنتين، من تلك الفيلا في سورينتو، حيث عاشت طويلاً، وصنعت بإخلاص الدكتور إسحاق وتاريخ شجعان الأمير ساراتشينيسكا!

المدونة
Posted by author-avatar

فصل من كتاب مذكرات الشيخوخة | لـ: إرنستو ساباتو

يوم الجمعة

جئت إلى إسبانيا، وأخشى ما أخشاه من عدم العثور على ما أبحث عنه؛ حيث إنني وجدتها مُتغيرة إلى درجةٍ أنني أخاف ألا أتعرف عليها. أخشى أن يخونوا دون كيخوته، كما أنهم يريدون «إرضاء أنفسهم» بأشياء يشترونها، بأي ثمنٍ أيّاً كان هذا الشيء إنجليزياً
أو أمريكياً.
أرجوكم أخبروني! ما الذي سيبقى من الأيبيريين بلا كيخوته؟
لقد حذر ليون فيليبي قائلاً:
بِالْفِعْلِ لَيْسَ هُنَاكَ مَجَانِينُ
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَانِينُ فِي إِسْبَانْيَا
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَانِين.
مَاتَ مانتشيجو،
ذَاكَ اَلشَّبَحُ اَلصَّحْرَاوِيُّ اَلْغَرِيب.
عندما لا يتوق المرء إلى محاربة طواحين الهواء، فإن هناك شيئاً لا يمكن علاجه يهيمن على روح الإنسان.
وأنا لا أشير إلى السقوط الدائم لصراع الإنسان أمام الشر الذي يجاهد فيه. فأنا ضد اللامبالاة، والكسل، والأنانية، ولا سيما الكراهية.
بغض النظر عن كل شيء وأي شيء.
عندما بدأ ليوناردو في الشعور بالشيخوخة والعجز، وخوفه من الموت، كتب بحروفٍ صغيرة في دفتر ملاحظاته «لا ينبغي للمرء أن يتمني المستحيل»، وهو من دون شكٍّ ردٌّ حزينٌ على سعة رغباته اللانهائية. وعلى الرغم من كل شيء عاد مرة أخرى إلى عمله، وكتب ملحوظة «سأواصل الآن»؛ حيث كان شتاء سنة 1519 قاسياً، وحيث إن القدر قرر شيئاً آخر، لكنه قام ورسم أحلامه وجناحيه، وعرّى الزمان لهم.
إن حياة كل إنسان تتأرجح بين ذلك الإيهام بالمثل العليا، وكآبة الواقع؛ بذلك التسطيح الذي نسميه الواقع. بيد أن الوجود المُختزل في الماديات يسقط في فخ فاشية مبهمة تجهض أفضل ما في الوجود في سبيل الاستبداد «الواقع» الذي نهيم به بغباء في أيامنا الآن.
أتذكر أننا درسنا في الكلية «عملية التقدم» باعتبارها جسر العبور من أسطورة الشعارات إلى أسطورة السببية؛ وشعرنا أننا عباقرة بعد أن تخطينا العصور الظلامية القديمة والوسطى.
بلا أساطير لن يتحمل البشر تجربة ما قد يحدث. فلسوف نسحق لو لم يكن لدينا رابط يربط بيننا وبين جودنا. ودونما السرد تستحيل الحياة.
فكلما حاولنا أكثر للتخلص من الأساطير، ظهر من الأساطير المزيد. هذه الأساطير البديلة تخالف الدين بالكلية، ولقد تفترض عالماً من دون وجود الله فيه، ولكن لديها بنية دينية معينة واضحة.
نيتشه، العظيم نيتشه، المجنون نيتشه، هو ذلك الشخص الذي أظهر أن التاريخ ببساطة هو مجرد مجموعة من البيانات، التاريخية أو اليومية، التي لا تكفي للعيش، بل هي على العكس تماماً، إنها تكبلنا.

في وقتٍ لاحق

ذكرتني إلبيرا بشيء كتبته قبل خمسين سنة.
عندما كان الرجل نزيهاً عصامياً، وليس مدللاً بهذه الطريقة المُثيرة للشفقة كما صدرتها لنا العقلية المُعاصرة، كان الشعر والفكر تجسيداً واحداً للروحِ. كما ذكر ياسبرس – Jaspers، ومن سحر الكلمات الشعائرية إلى تمثيل المصائر البشرية، ومن الابتهال بالصلوات إلى الآلهة، تغلغل الشِّعر في التعبير الكامل للإنسان. ولم تكن الفلسفة الأولى -ذلك البحث البدائي في الكون من الشواطئ الأيونية- سوى تعبير جميل وعميق عن النشاط الشعري. لكن كان في هذا العصر الهدّام إزالة الغموض (الذي يتم الخلط بينه وبين إزالة الغموض، كما لو أن الأسطورة والدجل هما الشيء نفسه)، لقد زُعم أن التقدم يتسم بالإخلاء التدريجي للفكر الشعري: الفرويديون، والوضعيون، وكما حاول عدد كبير من الماركسيين استعمار الأراضي الجديدة بعد «تطهير مستنقعات اللاوعي».
يلوح لنا الفشل في الأفق.
كما أن هناك شيئاً آخر هو ما أسماه نيتشه «جو المحيط». إن ما يضفي على الحياة سحراً في الحب: الخيال، والعواطف، والحب، والقصص، والغضب الخيالي لدون كيخوتة، وعمليات البحث الخيالية، وأمنيات بعيدة المنال. قد لا تكون صحيحة لكنها تصبح حقيقية في حياة أولئك الذين يمتلكون الشجاعة لعيشها. ومن المفارقات أن أولئك الذين يجسدون هذه الأشياء غير الواقعية يتم تحميسهم من قبلهم.
يجب أن تستمر الحياة وتدعيمها بالخيال.
ما يهم ليس أن يحوي «الواقع الصادم المُر» هذا الشيء، بل ذلك الارتفاع الذي يشير إليه. حيث بفضل هذا المستحيل نرتقي فوق كل ما هو كائن؛ فالحماسة هي ما تبقينا على قيد الحياة.
قالوا لي بشكل عابر إن الحماسة تعني أن تكون مصدراً للإلهام من الآلهة. وهو شيء سيبدو رجعياً جداً لأبناء الرعية التقدمية.

المدونة
Posted by author-avatar

محمد سليم شوشة: أخلاق الحكاية في ثلاث روايات عربية بقلم: فاطمة أبو ناجي

محمد سليم شوشة: أخلاق الحكاية في ثلاث روايات عربية
بقلم: فاطمة أبو ناجي

هل يمكن قراءة الرواية بوصفها مساحة لاختبار القيم الأخلاقية بقدر ما هي فضاء للحكاية؟ هذا ما يحاول الناقد المصري محمد سليم شوشة الإجابة عنه في كتابه الجديد “الأخلاق والسرد: من منظور النقد الإدراكي” (دار العين، القاهرة، 2026) في مقاربة نقدية تبحث في كيفية تفاعل الأخلاق والذاكرة والانفعال مع البناء السردي، وتأثيرها في تشكيل الشخصيات وتوجيه مساراتها. ومن خلال قراءة ثلاث روايات عربية هي “وكسة الشاويش” لكمال رحيّم، و”زقاق المدق” لنجيب محفوظ، و”الاستدارة الأخيرة” لأحمد الزمام، يختبر شوشة إمكانيات النقد الإدراكي في مقاربة السرد العربي وكشف آليات اشتغال النص على وعي القارئ وتفاعله.

يندرج الكتاب ضمن مشروع شوشة النقدي الذي يهتم بتقديم النظريات الحديثة للقارئ العربي بلغةٍ واضحة تحافظ على دقتها المفاهيمية، ويعتمد فيه أدوات النقد الإدراكي، وهو حقل يتقاطع مع علوم اللغة وعلم النفس والعلوم المعرفية، بحثاً في العمليات الذهنية المرتبطة بإنتاج النص واستقباله، وأيضاً في أثر الخبرة الإنسانية في تشكيل القراءة.

ويتناول شوشة الأخلاق داخل السرد باعتبارها عنصراً بنائياً يشارك في تشكيل العالم الروائي، إذ تدخل في تكوين الشخصيات وعلاقاتها وصراعاتها ومسارات أفعالها. وتتحرك القيم داخل البنية السردية عبر اختيارات الشخصيات وانفعالاتها وطريقة رؤيتها للعالم، كما تؤثر في علاقة القارئ بالنص وفي فهمه دوافع الشخصيات وتحولاتها.

يرى أن القيم تساهم في فهم دوافع الشخصيات وتحولات الأحداث
في قراءته رواية “وكسة الشاويش” للروائي المصري كمال رحيّم، الصادرة عام 2023، يتتبع شوشة تشكّل الشخصية من خلال الذاكرة والتجربة والانفعال. ويمنح الراوي الطفل اهتماماً خاصاً، إذ تتحول التفاصيل المخزنة في وعيه المبكر إلى عناصر تؤثّر في بناء الرؤية السردية وفهم العلاقات داخل العالم الروائي. كما يتوقّف عند صورة الأُمّ، ودور الخبرة الأولى في تكوين موقف الشخصية من الذات والآخر، مستعيناً بمفاهيم مثل كفاءة الشخصية ومصداقية الراوي وفجوات السرد ودور الذاكرة في بناء الدلالة.

ويقرأ شوشة “زقاق المدق” لنجيب محفوظ، الصادرة عام 1947، من خلال أثر القيم في تشكيل عالم الحارة وشخصياتها. وتكشف المقاربة الإدراكية حضور الأخلاق في بناء الهوية الفردية والجماعية، وفي توجيه رغبات الشخصيات وانفعالاتها وصراعاتها. وتبرز شخصيات مثل عباس الحلو وحسين كرشة ضمن نماذج تكشف اختلاف التصورات حول القوة والمسؤولية والاختيار، كما يتوقف المؤلف عند دلالة أسماء الشخصيات ووظائفها داخل البناء الروائي والعلاقة الجامعة بين الشخصية والصوت السردي.

أمّا في رواية “الاستدارة الأخيرة” للروائي الكويتي أحمد الزمام، الصادرة عام 2024، فتسمح لشوشة متابعة تشكل الصراع داخل عالمٍ روائي تتحرك داخله الشخصيات ضمن تصوراتٍ متعددة للقيم. ويركز على الصراع الجندري وتمثلات الخير والشر، وأثر الذاكرة والخبرة في تكوين المواقف والميولات، إضافة إلى حضور البراءة والدهشة والتوتر العاطفي في بناء الشخصيات ومسارات الأحداث.

ويكتسب اختيار الروايات الثلاث دلالةً منهجية، إذ يجمع الكتاب بين نص لنجيب محفوظ ينتمي إلى منتصف القرن العشرين وروايتين معاصرتين، بما يسمح باختبار أدوات النقد الإدراكي في سياقاتٍ مختلفة من تطور الرواية العربية. وتستند هذه القراءات إلى مفاهيم من السرديات الإدراكية، من بينها مفهوم “الصلة” لدى دان سبيربر ودريدري ويلسون، المتصل بوجود خلفيةٍ معرفية مشتركة بين النص والمتلقي. ومن هذه الرؤية تساهم القيم في بناء التواصل مع العمل الروائي، ذلك أنها ترتبط بخبراتٍ إنسانية وتصورات مشتركة تساعد على فهم دوافع الشخصيات وتحولات الأحداث

المصدر: صحيفة العربي الجديد

المدونة
Posted by author-avatar

فصل من رواية الطاووس | لـ : نيكولاي ليسكوف

لو أن بافلين استفاد -بأي درجة- من الرأي الطيب عن شخصيته الذي ساد بيننا، فهو يدين بذلك إلى خالتي أولجا التي تعامل معها في كل لقاء بها باهتمام استثنائي، وقد نال استحسانها على ذلك. ضحكت أمي مازحة بشأن خالتي أولجا، قائلة إنها بإخضاع بافلين قد صنعت معجزة ترويض الوحوش التي صنعها دانيال، لكن هذه المزحة انطوت على قدر من الحقيقة. لقد بجَّل بافلين خالتي؛ لكن الأمانة تقتضي مني القول إنه أعرب عن تبجيله هذا لها مع حفظه الكامل لكرامته التي لا يمكن المساس بها. اعتاد الانحناء بالتحية أمامها بقدر أكبر من انحنائه للآخرين، كما اعتاد إفساح الطريق لها للمرور بقدر من الاحترام أكبر مما يفعله لآنا لفوفنا نفسها التي -بحسب ملاحظات الخالة أولجا- لم يكن يتحملها ويشعر تجاهها بالازدراء. لا أعرف إلامَ استندت في وصولها إلى هذه النتائج والاستدلالات دون أن تتحدث أبدًا مع بافلين، لكنها انطوت على قدر من الحقيقة. يمكنكم أن تدركوا من ذلك أننا -لسبب ما- اهتممنا دائمًا ببافلين؛ فقد أثارت شخصيته اهتمامنا، ولا أستثني نفسي، فقد اهتممت بثيابه الملونة، كما لا أستثني ماما التي بدأت تتعاطف معه بسبب الازدراء الذي لاحظته فيه الخالة أولجا تجاه آنا لفوفنا.
استمر الأمر على هذه الحال فترة طويلة؛ واصلنا العيش في منزل آنا لفوفنا، وراقبنا بافلين من بعيد حتى سنحت فجأة -وعلى نحو غير متوقع بتاتًا- فرصة للتعرف إليه من كثب. حدث الأمر على النحو الآتي؛ لم تشعر ماما بالرضا عن أحد الخدم، فاستأجرت شخصًا آخر. بدلًا من الخادم السابق بحثت عن غيره واستطاعت توظيفه، وكان من المفترض أن يصل الخادم الجديد ويتولى مهامه في اليوم التالي، لكن في مساء اليوم السابق استلمت الخالة أولجا من البواب ظرفًا مكتوبًا عليه اسمها. بدا الخط غير مألوف وغير منظم؛ خط واحد من العصاميين المنتشرين في روسيا ممن علَّموا أنفسهم بأنفسهم، وفي الظرف رسالة مكتوبة بعناية على ورقة نظيفة بالخط نفسه، وبقدر ما أتذكر كانت كلمات الرسالة كالآتي:
«صاحبة السعادة أولجا بتروفا! لقد عيَّنت السيدة أختك الخادم «فلان»، لكن هذا الشخص المُعيَّن إنسان طائش وغير جدير بالثقة؛ الأمر الذي يدفعني إلى إبلاغك بذلك كإجراء احترازي».
التوقيع: البواب بافلين بيفونوف.
أرت خالتي الخطاب لأمي، فقررت الأخيرة الاستماع إلى تحذيرات بافلين، وبعثت رفضها الخادم الطائش الذي سبق أن عيَّنته، وبينما تتجول أمي جولتها المعتادة في الفناء التقت ببافلين وشكرته على لطفه. خلع الرجل الغريب قبعته ذات شرائط الزينة وردّ على ماما بانحناءة صامتة، لكنها مهذبة. قالت ماما مساءً لخالتي أولجا بينما تشربان الشاي:
– لكننا في حاجة إلى خادم، لقد شوَّه السيد بافلين واحدًا، لكنه لم يرشدنا إلى واحد آخر.
أجابتها خالتي:
– هذا ليس شأنه.
– أعرف ولكن… كان في وسعه أن يُرشِّح لنا واحدًا لو أراد.
– وهل طلبتِ منه؟
– لا، يبدو أنه لا يريد التحدث معي؛ فهو ينظر إليّ نظرة عظيمة كأنه وزير مهم ثم يبتعد. (أضافت مازحة) ربما يختلف الأمر لو طلبتِ منه بنفسك؛ فربما حينها يعدّ تقديم هذه الخدمة لنا شرفًا عظيمًا.
قبلت خالتي المزحة ببهجتها المعتادة، وردت عليها مازحة هي الأخرى:
– حسنًا… سأطلب منه.
في اليوم التالي، في أثناء سير خالتي إلى مكان ما، وأنا بصحبتها، عرجت على شقة البواب حيث جلس بافلين كعادته، وحيدًا على كرسيه، منهمكًا في قراءة كتاب قبالة مصباح أخضر.
ما إن رأى خالتي حتى وضع كتابه على المكتب، وانحنى بأدب، ثم انتصب كاملًا، واتخذ الوضعية التي تجعله يشبه جوته.
أخبرته خالتي بطلبها، فعقد بافلين حاجبيه وفكر ثم قال:
– في هذه الأيام لم يعد يوجد خدم يقومون بواجبات وظيفتهم بدقة.
– ألا يمكنك إذن أن توصي لنا بأحد؟
– لا أستطيع يا سيدتي لأني لا أتوقع المطلوب من أحد.
انصرفنا دون جدوى، وعندما عدنا إلى شقتنا مزحت ماما مع خالتي كثيرًا قائلة إن سلطتها على بافلين بيفونوف لم تثمر شيئًا، وإنه ما زال ذئبًا وحيدًا وقحًا، لكن خالتي دافعت عنه في هذا الموقف أيضًا قائلة إنها لا ترى في رفضه هذا إلا دليلًا جديدًا على دقته وتعقُّله. قالت إنه حذر لأنه «إنسان دقيق»، ولو عرف شخصًا يمكنه أن يضمنه لأوصى به لنا بالتأكيد.
لم تخطئ خالتي في ذلك؛ فقبل أن نستيقظ في صباح اليوم التالي وصلَنا مجددًا خطابٌ قصير يطلب فيه بافلين بأسلوبه القصير والدقيق تأجيل مسألة توظيف خادم مدة يومين، فقد وصلته بعض المعلومات عن «خادم دقيق شهير عمل لدى السيد الذي عمل لديه بافلين سابقًا».
هنا بانت مشاعر ماما الحقيقية تجاه بافلين؛ فقد توقفت عن وصفه بالوقاحة، وابتهجت بشدة بإمكانية أن تحظى بخادم من نوعيته، وأعربت عن موافقتها انتظار الخادم الذي يوصي به بافلين مدة شهر كامل، لكننا لم نحتج إلى كل هذا الانتظار لأن الخادم المنتظر وصل إلينا في اليوم التالي، ووظفناه سريعًا، وبدأ عمله خادمًا متواضعًا في مسكننا المتواضع.
الشخص الذي عيَّنه بافلين كان أكبر منه قليلًا، ويفوقه بقدر كبير في بساطة التفكير والطيبة. يمكن القول إنه اتسم بالطيبة إلى أقصى حد ممكن، كما اتسمت شخصيته بالمرح والانفتاح والوداعة بدرجة استثنائية، علاوة على الكد في عمله؛ إذ نال ثقتنا وإعجابنا فورًا، وقد ساعده في نيلها بالتأكيد ترشيح بافلين له الذي قدَّم له بذلك خدمته الأولى.
وسرعان ما قدَّم الثانية؛ إذ عزمنا على قضاء الصيف في الريف، وشعرنا بالحزن لأننا سنضطر إلى ترك خادمنا المحبوب في الشقة، فماذا حدث في ظنكم؟ لم نكد نتحدث عن الأمر في شقتنا مساءً في أثناء تناول الشاي، حتى وجدنا صباحًا رسالة من بافلين مرة أخرى إلى خالتي، كتبها بأسلوبه المعتاد الموجز والدقيق، يوضِّح فيها أننا غير مضطرين إلى ترك أي شخص على الإطلاق في شقتنا صيفًا لأن «بإمكانه العناية بها بنفسه دون أي صعوبة». بدا لنا قبول هذه الخدمة شديد الإغراء؛ فبهذه الطريقة يمكننا تسوية شؤوننا تمامًا، والسؤال الوحيد الذي تبادر إلى أذهاننا وقتها هو: كيف يمكننا مكافأة بافلين على ذلك؟ سمحنا لخادمنا بالاشتراك معنا في مناقشة هذا السؤال، لكننا لقينا منه اعتراضًا حاسمًا. قال:
– بافلين بيتروفيتش رجل طموح؛ إنه يُقدِّم هذه الخدمة بدافع من الشرف، ومكافأته عليها بالمال يمكنها أن تسيء إليه إساءة بالغة.
بقي الأمر على حاله إذن، فلم تستطع ماما أو خالتي أولجا أن تتوصلا إلى طريقة يمكنهما بها مكافأة رجلنا الطيب بافلين على صنيعه.
أصبح بافلين يُسمى عندنا «الرجل الطيب»، هكذا غيَّر تصورنا عن شخصيته على مشارف زمن قادم سينبغي له فيه أن يدلف إلى صراع المشاعر، وهو أمر ليس من سماته على الإطلاق.

المدونة
Posted by author-avatar

فصل من رواية يوم ابن آوى | لـ فريدريك فورسيث

خلال النصف الثاني من شهر يونيو، وطوال شهر يوليو من عام 1963، هزت فرنسا جرائم سطو عنيفة على المصارف ومحلات الصاغة ومكاتب البريد، جرائم لم يسبق لها مثيل في ذلك الوقت، ولم تتكرر أبداً بعد ذلك.
هوجمت المصارف في كل مكان، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، من لصوص يحملون الأسلحة النارية ونصف الآلية. كما شاعت مداهمات محلات الصاغة خلال تلك الفترة؛ إلى درجة أنه قبل انتهاء قوات الشرطة المحلية من التحقيق في جريمة السرقة، وأخذ شهادات صائغ المجوهرات ومساعديه المهزوزين والنازفين في أغلب الأوقات، كانت تُستدعى للتحقيق في جريمة سرقة أخرى مماثلة في المنطقة نفسها.
أطلق اللصوص النار على موظفيْن في بنكين مختلفين -كل في مدينة- في أثناء محاولة كل منهما مقاومة السرقة، وقبل نهاية شهر يوليو، تفاقمت الأزمة إلى درجة استدعاء رجال فيلق الجمهورية، وهي فرق مكافحة الشغب المعروفة لكل فرنسي باسم «فيلق الأمن الجمهوري»، وتسليحهم لأول مرة بمدافع رشاشة. أصبح من المعتاد بالنسبة إلى مرتادي المصارف أن يمروا بحارس أو اثنين من حراس فيلق الأمن الجمهوري في زيهم الأزرق؛ كل منهم يحمل مدفعاً رشاشاً مُعمَّراً.
رداً على سيل شكاوى المصرفيين وصائغي المجوهرات؛ ممن احتجوا بشتى السبل على طوفان الجرائم التي ابتُلوا بها، تكررت عمليات تفتيش الشرطة للبنوك ليلاً بدرجة غير مسبوقة. غير أن هذا كله كان بلا جدوى؛ لأن اللصوص لم يكونوا مجرمين محترفين قادرين على الإغارة على أقبية المصارف خلال ساعات الظلام، وسرقة ما اختُزن فيها ببراعة، بل مجرد لصوص ملثمين، مسلحين ومستعدين لإطلاق النار إذا ما استُفزوا بأي طريقة.
الخطر كله تمثل في وضح النهار؛ إذ أصبح من الممكن أن يفاجأ أي بنك أو محل مجوهرات في أي مكان في فرنسا بظهور رجلين أو ثلاثة رجال مسلحين وملثمين في وسط يوم العمل التقليدي، يصيحون في الجميع «ارفعوا أيديكم!!».
في أواخر شهر يوليو تمكنت الشرطة من إصابة ثلاثة لصوص في ثلاث مدن مختلفة وحبسهم. تبين أن أولهم محتال صغير يستخدم تنظيم الجيش السري بصفته ذريعة لإشاعة الفوضى، أما اللصان المتبقيان فكانا من رافضة أحد الأنظمة الاستعمارية السابقة، وسرعان ما اعترفا بأنهما من رجال تنظيم الجيش السري. وعلى الرغم من استجوابهم بمزيد من الصرامة في مقر الشرطة، لم ينطق أي من الثلاثة بحرف حين سئلوا عن السبب الكامن وراء سلسلة السرقات التي ضربت البلاد فجأة. كل ما ذكروه هو أن «الزعيم» (رئيس العصابة) اتصل بهم وحدد لهم الهدف؛ الذي تمثل في السطو إما على بنك وإما على محل مجوهرات. في نهاية المطاف، فهمت الشرطة أن السجناء لا يعرفون شيئاً عن الغرض من هذه السرقات. كل ما يعرفونه هو أنهم وُعدوا بحصة من مجموع سرقاتهم، ولأنهم مجرد نكرة فقد صدعوا لأمر «الكبار».
لم تستغرق السلطات الفرنسية وقتاً طويلاً لإدراك أن تنظيم الجيش السري وراء تفشي هذا البلاء، وأن التنظيم -لسبب غير معلوم- بحاجة ماسة إلى المال في أسرع وقت ممكن. لم تكتشف السلطات السبب حتى مضي الأسبوعين الأولين من شهر أغسطس، وبطريقة غير متوقعة بحال.
بيد أنه خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر يونيو، علَت موجة الاقتحام والسرقة التي جردت المصارف ومحلات الصاغة من المال والمجوهرات على نحو سريع ومفاجئ للجميع، وبلغت من الخطورة مبلغاً حث المسؤولين على تسليم هذا الملف إلى المفوض موريس بوفييه؛ رئيس إدارة التحقيقات الجنائية التابعة للشرطة القضائية، والذي حظي بين السلطات باحترام واسع. في مكتبه الصغير المكدس بالقضايا في مقر الإدارة المركزية للشرطة القضائية الفرنسية، الواقع على ضفاف نهر السين -وتحديداً في 36 كاي ديز أورفيفر- أعد المفوض ورجاله مخططاً يعرض مقدار المال المسلوب وقيمة إعادة البيع التقريبية للمجوهرات المسروقة. بحلول النصف الأخير من شهر يوليو، تعدى المجموع مليوني فرنك جديد؛ أي ما يوازي أربعمئة ألف دولار. حتى مع اقتطاع مبلغ معقول لتغطية نفقات تنفيذ عمليات السطو، ومبلغ إضافي كحصص للمجرمين الذين نفذوا هذه العمليات؛ فإنه بحسب تقدير رئيس إدارة التحقيقات، يبقى مبلغاً ضخماً من المال لا يعرف أحد مصيره.
في الأسبوع الأخير من شهر يونيو، وجد الفريق يوجين جيبو -رئيس جهاز مكافحة التجسس والأمن الداخلي- تقريراً على مكتبه من رئيس مكتبه الدائم في روما. جاء في التقرير أن الرجال الثلاثة الكبار في تنظيم الجيش السري؛ مارك رودان ورينيه مونتكلير وأندريه كاسون، يقيمون معاً في الطابق العلوي من فندق يقع بالقرب من شارع فيا دي كوندوتي. وأضاف التقرير أنه على الرغم من التكلفة الواضحة للإقامة في فندق في هذا الحي الاستثنائي، اتخذ الثلاثة الطابق العلوي لأنفسهم، والطابق السفلي لحراسهم الشخصيين. ويقوم ثمانية رجال أقوياء من الأعضاء السابقين بالفيلق الأجنبي الفرنسي على حراسة الرجال الثلاثة ليلاً ونهاراً؛ الذين لم يخاطر أي منهم بالخروج من الفندق ولو مرة واحدة. افترض رجال الخدمة السرية أنهم هناك لعقد مؤتمر من نوع ما؛ غير أنهم -مع مرور الأيام- استنتجوا أنهم يتخذون كل الاحتياطات الممكنة للتأكد من عدم وقوع أي منهم ضحية لعملية اختطاف أخرى كالتي وقعت لأنطوان أرجو. ارتسمت على وجه الفريق يوجين جيبو ابتسامة كئيبة وهو يتخيل كبار رجال التنظيم الإرهابي ترتعد فرائصهم داخل ذلك الفندق في روما، ورفع التقرير بوصفه إجراءً روتينياً لا مفر منه. على الرغم من الخلاف المرير الذي كان ما يزال قائماً بين وزارة الخارجية الفرنسية في كيه دورسيه ووزارة الخارجية الألمانية في بونة بشأن التعدي على وحدة الأراضي الألمانية في فندق إيدن وولف في شهر فبراير من العام السابق، كان ما يزال لدى يوجين جيبو كل الأسباب ليسعد برجاله في وحدة الإجراءات الذين نفذوا الانقلاب. مشهد رؤساء تنظيم الجيش السري المفزوعين وحده تعويض يكفي وزيادة. في أثناء تفحص الجنرال ملف مارك رودان قرر أن يقضي على بذور الشك التي بدأت تطل برأسها في صدره. سأل نفسه علام يفزع رجل مثل مارك رودان إلى هذه الدرجة وبهذه السهولة؟ إن رودان -بوصفه رجلاً يتمتع بخبرة لا يستهان بها في وظيفته، ويدرك واقع عالم السياسة والدبلوماسية تمام الإدراك- يعلم جيداً أن من المستحيل أن يحصل على إذن لتنظيم عملية اختطاف أخرى. لم تتضح له الخطورة الحقيقية وراء الاحتياطات التي اتخذها رجال تنظيم الجيش السري الثلاثة للحفاظ على سلامتهم، إلا بعد وقت طويل.
* * * * * *
.
في لندن، أمضى ابن آوى الأسبوعين الأخيرين من شهر يونيو والأسبوعين الأولين من شهر يوليو في نشاط موجَّه ومخطط له بعناية. من يوم عودته وقد وضع هدفاً لنفسه يتمثل في الحصول على كل كلمة كُتبت عن شارل دي جول، وكل كلمة كتبها شارل دي جول، وقراءتها بعناية. قرر ابن آوى الذهاب إلى مكتبة الإعارة القريبة، والبحث عن الرئيس الفرنسي في الموسوعة البريطانية، ووجد في نهاية القسم المخصص للرئيس قائمة شاملة بالكتب التي يحتاج موضوع بحثه إليها.
تمثلت خطوة ابن آوى التالية في إرساله عدة رسائل إلى عدد كبير من المكتبات المعروفة؛ مستخدماً اسماً مزيفاً وعنواناً معاداً توجيهه إلى شارع برِد في حي بادينجتون، وبهذا استطاع أن يحصل على الكتب المطلوبة بالبريد. وكل يوم يجلس الإنجليزي في شقته يلتهم هذه الكتب التهاماً حتى ساعات الصباح الأولى؛ كي يبني في ذهنه صورة مفصلة بدقة عن ذلك الرجل الذي يقطن قصر الإليزيه؛ منذ نعومة أظفاره حتى هذه اللحظة. لم ير في المعلومات المتنوعة التي حصل عليها فائدة عملية تُذكر، ولكن من وقت إلى آخر كانت تتبدى لابن آوى سمة شخصية للجنرال أو عادة معينة في كتاب من الكتب. ما وجده الأكثر إفادة فيما يتعلق بشخصية الرئيس الفرنسي كان مجلد «حد السيف» من مذكرات الجنرال، الذي أوضح شارل دي جول فيه بالتفصيل الدقيق موقفه الشخصي من الحياة، ومن وطنه، ومصيره كما رآه.
وابن آوى ليس رجلاً غبياً أو بطيء الفهم، وعلى هذا فقد استمر يقرأ بنهم ويخطط بدقة. كما أن الطبيعة حبته بملكة القدرة على حفظ قدر هائل من المعلومات والحقائق، تحسباً لوقت قد يحتاج فيه إلى استخدام أي منها لاحقاً.
بيد أنه على الرغم من قراءته لأعمال شارل دي جول، والمؤلفات التي كتبها عنه رجال عرفوه جيداً -على نحو قدّم صورة كاملة لرئيس فرنسا الفخور المتكبر- لم يستطع ابن آوى أن يعثر على إجابة السؤال الذي سيطر على ذهنه منذ تلك اللحظة التي دخل فيها غرفة مارك رودان في ذلك البنسيون الصغير في فيينا يوم الخامس عشر من شهر يونيو الماضي، وقَبِلَ مهمة اغتيال الرئيس. بحلول نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو، لم يتوصل بعد إلى إجابة هذا السؤال: متى يجب أن يضرب ضربته؟ وأين؟ وكيف؟
كمحاولة أخيرة، توجه إلى غرفة المطالعة في المتحف البريطاني، وبعد التوقيع على طلب الحصول على إذن لإجراء بحث باسمه المزيف المعتاد، بدأ في مطالعة النسخ القديمة من صحيفة لو فيجارو اليومية الرائدة في فرنسا.
لا يُعرف بالضبط متى حصل ابن آوى على الجواب المنتظر، ولكن في وسعنا أن نفترض حدوث هذا في غضون ثلاثة أيام من اليوم السابع من شهر يوليو. في غضون تلك الأيام الثلاثة؛ بدءاً من بذرة فكرة تفتق عنها ذهنه بعد قراءة مقالات كاتب عمود في عام 1962، ومراجعة الملفات التي تغطي كل سنة من سنوات رئاسة شارل دي جول منذ عام 1945، تمكن القاتل المحترف أخيراً من العثور على إجابة سؤاله. استنتج أنه خلال ساعة محددة في يوم بعينه، سوف ينزل شارل دي جول إلى الجماهير؛ سواء كان مريضاً أم لم يكن، وسواء كانت الأحوال الجوية جيدة أم سيئة، غاضاً الطرف كلياً عن أي خطر يمكن أن يداهمه جراء ذلك. ومنذ اللحظة التي توصل فيها ابن آوى إلى هذا الاكتشاف، انتقلت استعداداته من مرحلة البحث إلى مرحلة التخطيط العملي.
بعد ساعات طويلة من التفكير مستلقياً على ظهره في شقته يحدق في السقف المطلي بلون القِشْدة، ويدخن بلا توقف سجائر كينج سايز المعتادة ذات الفلتر، اتضحت التفاصيل الأخيرة في ذهن ابن آوى أخيراً.
خطرت له ما لا يقل عن عشرة أفكار؛ لكنه رفضها جميعاً قبل أن يستقر في النهاية على الخطة التي قرر تبنيها، ويجد جواب آخر سؤال: «كيف سيفعلها؟»، بعد أن حدد بالفعل «متى» سيفعلها «وأين».
لقد وعى ابن آوى تماماً أنه في ذلك العام -1963– لم يكن الجنرال شارل دي جول رئيساً عادياً لفرنساً؛ فقد حظي بطاقم حراسة هو الأشد دقة ومهارة في العالم الغربي بأسره. وكما ثبت في وقت لاحق، كان اغتياله أصعب بكثير من اغتيال رئيس أمريكا جون كينيدي. لم يعلم القاتل الإنجليزي أن خبراء الأمن الأمريكيين سمحوا لنظائرهم الفرنسيين بالاطلاع على الاحتياطات التي اتخذوها لحماية حياة الرئيس كينيدي، وأنهم عبروا عن استيائهم من ضعف الإجراءات التي اكتفى بها جهاز المخابرات الأمريكي. وفيما بعد ثبتت صحة رأي الخبراء الفرنسيين في الأساليب الأمريكية حين قُتل جون كينيدي في دالاس، في شهر أكتوبر من عام 1963. استطاع هاوٍ نصف مجنون أن يقضي على الرئيس الأمريكي في دقائق معدودة؛ في حين عاش شارل دي جول حتى تقاعد في سلام، ورحل في النهاية بشكل لائق آمناً في منزله.
ما عرفه ابن آوى هو أن رجال الأمن الذين يخطط للتغلب عليهم هم من بين الأفضل في العالم، وأن كامل جهاز الأمن المحيط بشارل دي جول في حالة تأهب دائم تحسباً لأي احتمالات، ويتوقعون محاولة اغتيال زعيمهم في أي وقت، وأن التنظيم الذي اختار أن يعمل لحسابه مليء بالواشين الذين يفشون خططه وأسراره للشرطة الفرنسية السرية. لكن إن قرر النظر إلى نصف الكوب الممتلئ، ففي وسع ابن آوى الاعتماد على نقطة عدم الكشف عن هويته، وعلى رفض الرئيس الفرنسي القاطع للتعاون مع قوات الأمن الخاصة به. في اليوم المختار، سوف يجبره كبرياؤه وعناده واحتقاره لحقيقة الخطر المحدق به على الخروج إلى العلن لبضع ثوان مهما حذره المحيطون به من مخاطر ذلك.
* * * * * *
.
هبطت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الاسكندنافية -القادمة من بلدة كاستروب الألمانية- في مطار لندن، وتوقفت على بعد أقدام قليلة من مبنى الركاب. أزّت المحركات بضع ثوان، ثم توقف الصوت تدريجياً حتى تلاشى تماماً. في غضون دقائق معدودة، أنزلت الطائرة سلمها، وبدأ الركاب الخروج بعد إلقاء نظرة أخيرة على المضيفة المبتسمة في الأعلى، وتوديعها بإيماءة أو تلويحة سريعة. على منصة المراقبة، رفع الرجل الأشقر نظارته الداكنة إلى أعلى جبهته، وبدأ يتفحص ما حوله بمنظار كان في حوزته. كان فوج الركاب النازلين من الطائرة هو الفوج السادس الذي خضع لهذا الفحص الدقيق في صباح ذلك اليوم؛ بيد أنه مع ازدحام المبنى بالناس المتكدسين في ضوء الشمس الدافئ ينتظرون وصول الركاب ومحاولة تمييزهم بمجرد خروجهم من الطائرة، لم يظهر على المراقب أي اهتمام.
عندما خرج الراكب الثامن إلى النور ورفع رأسه، بدا بعض التوتر على الرجل الواقف فوق المنصة، وتتبع الوافد الجديد بمنظاره حتى وصل إلى أسفل الدرج. كان الراكب القادم من الدنمارك قسيساً أو كاهناً، يرتدي زياً رمادياً تقليدياً مزوداً بياقة إكليركية؛ بدا في أواخر الأربعينيات من عمره بسبب قصة شعره الرمادي متوسط الطول، والمُسرَّح إلى الخلف؛ لكن ملامح وجهه بينت أنه أصغر سناً. كان رجلاً طويل القامة عريض المنكبين، تبدو عليه اللياقة البدنية. لم يختلف في بنية جسده كثيراً عن الرجل الواقف يراقبه من فوق المنصة.
في أثناء دخول الركاب صالة الوصول للحصول على جوازاتهم وتخليص الإجراءات الجمركية، ألقى ابن آوى بالمنظار في حقيبته الجلدية، وأغلقها، وتحرك بهدوء نحو الباب الزجاجي؛ وصولاً إلى الصالة الرئيسة.
بعد خمس عشرة دقيقة خرج القسّ الدنماركي من منطقة التفتيش في المطار حاملاً حقيبة يده وحقيبة سفره؛ دون أن يبدو أن أحداً ينتظره. توجه من فوره إلى مكتب بنك باركليز لتغيير العملة.
حسب ما قاله لرجال الشرطة الدنماركية حين استجوبوه بعد ستة أسابيع، لم يلحظ القسّ الدنماركي الشاب الإنجليزي الأشقر الذي كان يقف إلى جواره منتظراً دوره في الصف بحسب ما يبدو؛ بينما يتفحص ملامح الدنماركي بهدوء من خلف نظارته الداكنة. لم يتذكر حتى أنه رأى هذا الرجل.
ولكن عندما خرج من الصالة الرئيسة لركوب حافلة المطار كان ابن آوى يسير خلفه ببضع خطوات حاملاً حقيبته الجلدية. تؤكد الشواهد أنهما لا بد وصلا إلى لندن على الحافلة نفسها.
حين وصلت الحافلة إلى محطة غرب لندن الجوية، تعين على القسّ الدنماركي انتظار حقيبته بضع دقائق أمام مقطورة الأمتعة بمؤخرة الحافلة، وحين استلمها انطلق من فوره متجاوزاً مكاتب التسجيل بالمطار إلى حيث لافتة المَخرج المزودة بسهم توضيحي بالإضافة إلى كلمة «تاكسي» المتعارف عليها في مختلف الدول. تتبعه ابن آوى إلى حيث مؤخرة الحافلة، واستمر في طريقه وصولاً إلى موقف الحافلات الذي توقفت فيه سيارته الرياضية مفتوحة السقف في موقف سيارات موظفي المطار. ألقى بحقيبته على مقعد الراكب، ثم ركب السيارة وشغلها، وتحرك بها بمحاذاة الجدار الأيسر للمبنى حيث يتمكن من رؤية صف سيارات الأجرة الطويل أسفل الممر المسقوف ذي الأعمدة. ركب الدنماركي سيارة الأجرة الثالثة، التي انطلقت على طريق كرومويل، متجهة نحو نايتسبريدج. وانطلقت السيارة الرياضية خلفه.
أمام فندق صغير ومريح بشارع هاف مون، توقفت سيارة الأجرة، ونزل منها القسّ الغافل تماماً عن الإنجليزي الذي يتتبعه. انطلقت السيارة الرياضية متجاوزة مدخل الفندق، وفي غضون دقائق قليلة وجد الإنجليزي عداداً احتياطياً لانتظار السيارات في الركن البعيد من شارع كرزون. في غضون خمس دقائق، كان ابن آوى قد وضع الحقيبة في صندوق الأمتعة، وأغلقه بالمفتاح، ثم ذهب واشترى صحيفة إيفينينج ستاندارد من بائع الصحف الواقف في سوق شيبرد، وعاد إلى بهو الفندق. انتظر خمساً وعشرين دقيقة أخرى قبل أن ينزل الدنماركي إلى الطابق السفلي ويعيد مفتاح غرفته إلى موظفة الاستقبال. بعد أن علقت الموظفة المفتاح في مكانه، تأرجح بضع ثوان من الخطاف. وهنا استطاع الرجل الجالس في البهو على مقعده المريح ذي الذراعين؛ الذي ينتظر صديقاً -على ما يبدو- والذي أنزل صحيفته عندما مر الدنماركي به في طريقه إلى المطعم، أن يلاحظ أن الرقم على المفتاح كان 47. بعد بضع دقائق، توجهت موظفة الاستقبال إلى المكتب الخلفي، وذلك من أجل التحقق من حجز تذكرة مسرحية لأحد النزلاء. وهنا تحرك الرجل ذو النظارة الداكنة بخفة وهدوء نحو الدرج دون أن يلاحظه أحد.
لم يكف شريط ميكا المرن بعرض بوصتين لفتح باب الغرفة 47 المتصلّب، فاستعان ابن آوى بسكين صغير لدمج الألوان من النوع الذي يستخدمه الرسامون، وفُتح القفل الزنبركي بعد تكّة واحدة. ولأن القسّ نزل إلى الطابق السفلي لتناول طعام الغداء دون نية في الخروج، ترك جواز سفره على منضدة السرير الجانبية. في غضون ثلاثين ثانية عاد ابن آوى إلى الطُرقة، تاركاً حافظة الشيكات السياحية كما هي؛ على أمل أنه من دون دليل على السرقة، ستحاول السلطات إقناع الدنماركي بأنه فقد جواز سفره في مكان آخر. قبل وقت طويل من انتهاء القسّ الدنماركي من قهوته، غادر الإنجليزي دون أن يراه أحد، وقبل أن يمر وقت طويل من عصر ذلك اليوم -بعد أن فتش القس غرفته تفتيشاً دقيقاً- هرول إلى مدير الفندق كي يبلغه باختفاء جواز سفره. فتش المدير الغرفة هو أيضاً، وبعد تبيُّن أن كل شيء آخر كان موجوداً؛ بما في ذلك دفتر الشيكات السياحي، بذل مدير الفندق كل جهده لإقناع ضيفه المرتبك بأنه لا حاجة للاتصال بالشرطة وإحضارهم إلى فندقه؛ إذ إن من الواضح أن القس فقد جواز سفره في مكان ما خلال رحلة العودة. ولطيبة القسّ الدنماركي وعدم تأكده من وضْعه في ذلك البلد الأجنبي، وافق مضطراً على أن هذا هو ما حدث لا بد. وعلى هذا ذهب في اليوم التالي للإبلاغ عن فقدانه جواز سفره في القنصلية العامة الدنماركية؛ فمنحوه هناك وثيقة سفر اضطرارية يستطيع من خلالها العودة إلى كوبنهاجن في نهاية فترة إقامته في لندن المحددة بأسبوعين. وبعدها لم يعر القس الدنماركي ما حدث مزيداً من الاهتمام. قدم موظف القنصلية العامة بلاغاً بفقدان جواز سفر باسم القسّ بير جِنسن من سانكت كيلسكيرك بكوبنهاجن، ولم يعر الأمر مزيداً من الاهتمام هو الآخر. حدث هذا في الرابع عشر من شهر يوليو.
بعد مرور يومين تعرض أمريكي لخسارة مماثلة. هذه المرة كان طالباً من سيراكيوز في ولاية نيويورك. حين وصل الأمريكي إلى مبنى أوشيانيك في مطار لندن قادماً من نيويورك، قدم جواز سفره من أجل صرف أول شيكاته السياحية في مكتب أميريكان إكسبريس. بعد صرف الشيك، دس النقود في جيب سترته الداخلي، وجواز السفر في حافظة شفافة مضغوطة وضعها في حقيبة يد جلدية صغيرة. بعد بضع دقائق، حاول جذب انتباه الحمال بأن وضَعَ الحقيبة أرضاً؛ ليكتشف أنها اختفت بعد ثلاث ثوانٍ. في البداية اتهم الحمال، ولجأ إلى مكتب تحقيقات بان أميريكان؛ الذي وجَّهه بدوره إلى أقرب ضابط شرطة أمن بالمطار. قاده الضابط إلى مكتب، وهناك شرح الشاب الأمريكي له مشكلته.
بعد أن استبعد البحث احتمال أخذ شخص آخر لحقيبة اليد عن طريق الخطأ، رفع المسؤول تقريراً يدرج ما حدث بوصفه سرقة متعمدة.
اعتذر الموظفون للشاب الأمريكي الرياضي طويل القامة وأعربوا عن أسفهم الشديد على ما يفعله النشالون ولصوص الحقائب في الأماكن العامة هذه الأيام، وأخبروه عن الاحتياطات الكثيرة التي اتخذتها سلطات المطار لمحاولة الحد من سرقات الأجانب الوافدين. كان الشاب لطيفاً بما يكفي ليعترف بأن أحد أصدقائه تعرض للسرقة بطريقة مماثلة في محطة جراند سنترال بنيويورك.
في نهاية المطاف، وُزعت نُسخ من التقرير بطريقة روتينية على جميع أقسام شرطة مدينة لندن؛ إلى جوار وصف حقيبة اليد المفقودة ومحتوياتها من أغراض وأوراق بما في ذلك جواز السفر. بيد أنه مع مرور أسابيع دون العثور على أي أثر لحقيبة اليد أو محتوياتها، توقف الجميع عن التفكير في الحادث.
في تلك الأثناء توجه مارتي شولبيرج إلى قنصليته في ميدان جروفينور، وأبلغ هناك عن سرقة جواز سفره، فأصدروا له وثيقة سفر تمكنه من العودة إلى الولايات المتحدة بعد إجازته التي ستستمر شهراً في مرتفعات إسكتلندا مع حبيبته من برنامج التبادل الطلابي. سُجِّل فقدان جواز السفر في القنصلية، وأُبلغت وزارة الخارجية بواشنطن. وبعدها نسيت كلتا المؤسستين كل شيء عن ذلك الحادث.
لن نعرف أبداً عدد الركاب القادمين من الخارج، والوافدين إلى مبنى الركاب في مطار لندن؛ الذين فُحصوا بعناية من خلال منظار يحمله رجل أشقر هادئ يقف في منصة المراقبة المقابلة في أثناء خروجهم من طائراتهم ونزولهم درجات السلم القصير. على الرغم من اختلاف الشخصين اللذين فقدا جوازي سفرهما في السن، فقد جمعتهما بضع سمات مشتركة؛ إذ بلغ طول كل منهما نحو ستة أقدام، وامتلك كلاهما منكبين عريضين وبنية رشيقة؛ فضلاً عن عينين زرقاوين وملامح قريبة الشبه من ملامح الإنجليزي الهادئ الذي تبعهما وسرقهما. على الجانب الآخر، كان القسّ جنسن يبلغ من العمر ثمانية وأربعين عاماً، ذا شعر رمادي ونظارة قراءة ذهبية الإطار؛ في حين كان مارتي شولبيرج في الخامسة والعشرين من عمره، كستنائي الشعر يرتدي طوال الوقت نظارة مستطيلة سوداء الإطار.
هذان هما الوجهان اللذان فحصهما ابن آوى بمنتهى الدقة في أثناء جلوسه إلى مكتبه في شقته القريبة من شارع جنوب أودلي. احتاج ابن آوى يوماً وثلاث زيارات متتابعة؛ الأولى إلى مصمم أزياء مسرحية، والثانية إلى أخصائي بصريات، والثالثة إلى متجر ملابس رجالي في ويست إند متخصص في الملابس الأمريكية المصنوعة في نيويورك؛ للحصول على عدسات لاصقة زرقاء اللون، ونظارتي نظر؛ إحداهما ذهبية الإطار والأخرى سوداء، وطقم كامل يتألف من حذاء رياضي جلدي أسود، وقميص، وسروال داخلي، وبنطال أبيض مائل إلى الصفرة، وسترة خفيفة من النايلون الأزرق السماوي لها سحاب أمامي، وأطواق وأكمام من الصوف الأحمر والأبيض؛ كلها مصنوعة في نيويورك، فضلاً عن قميص إكليركي أبيض، وياقة إكليركية بيضاء منشاة، وصدرية سوداء. ولم ينس ابن آوى أن يزيل كل أثر للملصقات التي تبين بلد المنشأ من القطع الثلاث الأخيرة.
أما زيارته الأخيرة في ذلك اليوم فاستهدفت بازاراً في تشيلسا، متخصصاً في الشعر الرجالي المستعار، يديره رجلان مثليان. وهناك طلب صبغة لتلوين الشعر بلون رمادي متوسط، وأخرى لتلوينه باللون البني الكستنائي، والتي حصل معها على تعليمات دقيقة ومفصلة حول كيفية تطبيق الصبغة لتحقيق أفضل النتائج في أقصر وقت حيث يبدو الشعر طبيعياً تماماً. كما اشترى عدة فُرَش شعر صغيرة مخصصة لهذا الغرض. وبصرف النظر عن مجموعة الملابس الأمريكية، حرص ابن آوى على ألا يشتري أكثر من غرض واحد من كل متجر.
في اليوم التالي، وتحديداً في الثامن عشر من شهر يوليو، نُشرت فقرة صغيرة في ذيل إحدى صفحات جريدة لو فيجارو، تُعلن تعرُّض المفوض هيبوليت دوبوي، نائب رئيس إدارة التحقيقات الجنائية التابعة للشرطة القضائية، لسكتة دماغية في مكتبه في كاي ديز أورفيفر في باريس، ووفاته في طريقه إلى المستشفى. ذكر الخبر أيضاً اسم خليفته؛ المفوض كلود لوبيل، رئيس قسم جرائم القتل، الذي تقرر أن يتولى مهامه الجديدة على الفور نظراً إلى ضغوط العمل على جميع الأقسام خلال أشهر الصيف. أما ابن آوى، الذي لم يتوقف عن مطالعة كل صحيفة فرنسية متوافرة في لندن بصفة يومية، فلم يقرأ الفقرة إلا بعد أن لفتت انتباهه كلمتا «التحقيقات الجنائية» في العنوان، لكنه لم يطل التفكير في هذا الذي قرأه.
قبل أن يبدأ ابن آوى ساعة المراقبة اليومية في مطار لندن، قرر استخدام هوية مزيفة طوال عملية الاغتيال القادمة. في الواقع، لا أسهل من أن تحصل على جواز سفر بريطاني مزور. اتبع ابن آوى الإجراء الذي يتبعه معظم المرتزقة والمهربين وغيرهم ممن يرغبون في استخدام أسماء مستعارة لعبور الحدود. أولاً: ذهب في رحلة بالسيارة عبر المقاطعات الرئيسة في وادي التايمز بحثاً عن قرى صغيرة. في المقبرة الثالثة التي زارها، عثر ابن آوى على شاهد قبر يناسب غرضه. كانت هذه هي مقبرة ألكسندر دوجان الذي توفي عن عمر سنتين ونصف في عام 1931. ولو أن الطفل ألكسندر دوجان قد عاش لأصبح في شهر يوليو عام 1963 أكبر من ابن آوى ببضعة أشهر فحسب. حين ذهب الزائر نفسه قاصداً بيت الكاهن وجده مهذباً ومتعاوناً بشدة. أوضح الزائر له أنه يهوى علم الأنساب، ويحاول تتبع شجرة آل ألكسندر دوجان. كان قد أُبلغ بأن آل دوجان استقروا في القرية قبل سنوات طويلة. وسأله ببعض الخجل عمّا إذا كان يرى أن سجلات الرعية قد تساعد في بحثه.
كان القسّ هو اللطف ذاته، وفي الطريق إلى الكنيسة ازداد الرجل تعاوناً ولطفاً حين علَّق ابن آوى على جمال المبنى النورماندي الصغير، وساهم في صندوق التبرعات التي تُجمع من أجل ترميمه. تبين من السجلات الجنائية المركزية أن كلا الوالدين ماتا خلال السنوات السبع الماضية، وأن ابنهما الوحيد ألكسندر توفي قبلهما –يا للأسف- ودفن في فناء الكنيسة قبل أكثر من ثلاثين عاماً. قلَّب ابن آوى صفحات سجل الرعية الخاص بالولادة والزواج والوفيات خلال عام 1929، ولفت انتباهه اسم ألكسندر دوجان المولود في شهر أبريل، والمكتوب بخط يد أحد رجال الكنيسة.
ألكسندر جيمس كوينتين دوجان: ولد في الثالث من شهر أبريل من عام 1929، في أبرشية سان مارك بسامبورن فيشلي.
طبع ابن آوى التفاصيل في ذاكرته، وشكر القسّ بحرارة، ثم غادر الكنيسة بسرعة. وحين عاد إلى لندن، توجه من فوره إلى السجل المركزي للمواليد والزيجات والوفيات، وهناك قبِل موظف شاب متعاون بطاقة الزيارة التي تُبين أنه شريك في شركة محامين بمدينة ماركت درايتون شمال مقاطعة شروبشاير. أوضح الإنجليزي أنه يحاول تعقب أحفاد إحدى عميلات الشركة التي توفيت في الفترة الأخيرة وتركت ممتلكاتها كافة لأحفادها. وأحد هؤلاء الأحفاد هو ألكسندر جيمس كوينتين دوجان؛ المولود في سامبورن فيشلي، في أبرشية سان مارك، في الثالث من أبريل عام 1929.
يبذل معظم موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا قصارى جهدهم لتقديم المساعدة حين تُطلب منهم بأدب، وفي هذه الحالة لم يكن المساعد استثناء. اتضح بعد البحث في السجلات أن الطفل المعني مسجل بالاسم نفسه والمعلومات التي قدمها المستفسِر، لكنه توفي في يوم الثامن من شهر أكتوبر من عام 1931 نتيجة حادث سير. لقاء بضعة شلنات، حصل ابن آوى على نسخة من شهادتي الميلاد والوفاة. قبل عودته إلى المنزل، عرج على مكتب فرعي تابع لوزارة العمل وهناك ملأ استمارة طلب جواز سفر، ثم على محل ألعاب اشترى منه طبّاعة أطفال بملحقاتها مقابل خمسة عشر شلناً، ثم على مكتب بريد من أجل شراء وثيقة حوالة بريدية بقيمة 1 جنيه استرليني.
عند عودته إلى شقته، ملأ استمارة الطلب باسم ألكسندر دوجان، ودون العمر المضبوط، وتاريخ الميلاد، وما إلى ذلك. وفي خانة الأوصاف الشخصية دوّن ابن آوى أوصافه هو. ذكر طوله، ولون شعره، ولون عينيه. وفي خانة المهنة كتب ببساطة «رجل أعمال». كما ملأ اسمي والدي ألكسندر دوجان بالكامل؛ نقلاً عن شهادة ميلاد الطفل. في خانة الضامن كتب الإنجليزي اسم الكاهن الذي تحدث إليه ذلك الصباح؛ جيمس إلدرلي، كاهن كنيسة سان مارك بقرية سامبورن فيشلي، بعد أن رأى اسمه بالكامل مكتوباً على لافتة بالقرب من بوابة الكنيسة. وأخيراً زور توقيع القسّ بخط رفيع مستخدماً قلماً رفيع السن، وبالاستعانة بطبّاعة الأطفال اخترع ختماً للكنيسة يقول «كنيسة أبرشية سان مارك. سامبورن فيشلي»، وختم به إلى جوار توقيع القسّ. بعد ذلك، أرسل ابن آوى نسخة من شهادة الميلاد واستمارة الطلب ووثيقة الحوالة البريدية إلى مكتب الجوازات في شارع بيتي فرانس. ولم ينس أن يتلف شهادة الوفاة ويتخلص منها. وصل جواز السفر الجديد بالبريد إلى العنوان المذكور بعد أربعة أيام بينما كان يطالع نسخة ذلك الصباح من صحيفة لو فيجارو. وذهب ابن آوى لاستلامه بعد الغداء. في وقت متأخر من عصر ذلك اليوم، أغلق باب شقته بالمفتاح، وتوجه إلى مطار لندن حيث استقل الطائرة المتجهة إلى كوبنهاجن، ودفع نقداً من جديد تجنباً لاستخدام دفتر الشيكات. في تجويف سحري بحقيبته، وداخل جيب لا يزيد سمكه على سُمك مجلة ولا يمكن اكتشافه إلا بإجراء تفتيش دقيق، أخرج الألفي جنيه استرليني التي سحبها في وقت سابق من ذلك اليوم من صندوق سنداته الواقع في خزانة بقبو أسفل إحدى الشركات القانونية في هولبورن.
كانت زيارة كوبنهاجن سريعة وعملية. قبل مغادرته مطار كاستروب، حجز ابن آوى لنفسه في عصر اليوم التالي رحلة طيران إلى بروكسل على خطوط سابينا الجوية. في العاصمة الدنماركية، كان الوقت قد تأخر كثيراً على الذهاب للتسوق، ولهذا قرر أن يحجز في فندق إنجلترا بميدان كونجينز نيتورف، وأكَل كالملوك في مطعم سيفين نيشنز، وغازل شقراوات دنماركيات في أثناء تجواله في حديقة تيفولي، ثم ذهب إلى النوم بحلول الواحدة صباحاً.
في اليوم التالي، اشترى بدلة رمادية اللون خفيفة الوزن من أحد أشهر متاجر الملابس الرجالية في وسط كوبنهاجن، وحذاء مشي كلاسيكياً أسود، وجورباً، ومجموعة من الملابس الداخلية، وثلاثة قمصان بيضاء مع ياقات إكليركية مماثلة. وقد تأكد ابن آوى من أن جميع ما اشتراه يحمل شعار «صنع في الدنمارك» على الملصقات القماشية الصغيرة بداخله. أما هدفه من ابتياع القمصان البيضاء الثلاثة التي لم يكن بحاجة إليها فكان مجرد الحصول على الملصقات الخاصة بها وتثبيتها في القميص الإكليركي والياقة الإكليركية والصدرية السوداء التي اشتراها في لندن أثناء ادعائه أنه طالب في اللاهوت على وشك الرِسامة.
آخر ما اشتراه كان كتاباً باللغة الدنماركية عن الكنائس والكاتدرائيات الأبرز في فرنسا. تناول ابن آوى وجبة غداء خفيفة من الأطعمة الباردة في مطعم على ضفاف البحيرة في حديقة تيفولي، ثم استقل طائرة الثالثة والربع المتوجهة إلى بروكسل.
. . * * * . .

المدونة
Posted by author-avatar

التقنيات السينمائية في رواية «قلوب قاتلة» لحامد أحمد الشريف | بقلم : منى الغامدي

التقنيات السينمائية في رواية «قلوب قاتلة» لحامد أحمد الشريف

في زمن تزدحم فيه الروايات وتتشابه الموضوعات، تبرز قيمة العمل الروائي في تمكنه من تجاوز كل ما سبق وبراعته في صنع صوته الخاص، وقد تحقق ذلك في رواية «قلوب قاتلة» الصادرة عن دار جدل لعام 2025م للكاتب الروائي المميز حامد الشريف، في تقديمه عالماً له نبرته وملامحه، من خلال العلاقات المعقدة بين شخصياته التي تتحرك في فضاء مأزوم، وأحداثه التي لا تقف عند حدود الجريمة الكلاسيكية المعتادة في البحث عن القاتل، بل تتجاوزها إلى استنطاق خفايا المجتمع الذي أشعل فتيلها وساهم في دفنها. كما أن أكثر ما تميز به العمل براعة الكاتب في توظيف الكثير من التقنيات السينمائية في تصوير فضاءاته السردية، ولم أجد أي قراءة سابقة وقفت عند هذه التقنيات التي كان حضورها لافتاً، لذا فقد خصصت هذه الورقة لاستقراء الملامح السينمائية ومدى حضورها في هذا العمل المشوِّق.
قبل الخوض في القراءة من المهم التنبيه إلى أن علاقة الرواية بالسينما في رواية قلوب قاتلة تقوم على الاشتراك في بناء الحكاية عبر الترتيب، والتقطيع، وتوزيع المعلومات، لا على افتراض محاكاة الرواية الحرفية للكاميرا. وقد جعلت دراسات السرد المقارن بين الأدب والفيلم من الممكن النظر إلى الحكاية بوصفها بنية قابلة للتحقق في وسائط لفظية وبصرية، مع إمكانية استعارة كل وسيط لأدوات الآخر على الرغم من اختلافهما. ولذلك فإننا في سعينا إلى استنطاق التقنيات السينمائية التي لجأ إليها الكاتب في روايته لا نستخدم مصطلح السينمائية بمعنى تقني ضيق، وإنما بمعنى إجرائي واسع يشمل: تحويل الحدث إلى مشهد، وتنظيم أبعاد الحدث ومجاله كما لو كان كادراً، وترتيب الشذرات السردية على هيئة مونتاج، وغير ذلك من التقنيات السينمائية التي سنرى كيف تسهم في تحويل الدلالات وإعادة تشكيلها بطريقة فنية مميزة.
أولاً: مشهد افتتاح الرواية/ اللقطة التأسيسية
تبدأ الرواية بتقديم حلة الصعايدة في صورة تبدو ساكنة، حارة هادئة بعد أيام من اللغط. هذه البداية يمكن أن تشكل لقطة افتتاحية عامة في فيلم جريمة؛ فهي لا تدخل مباشرة إلى فعل القتل، بل تعرض فضاء يومياً يبدو مطمئناً، ثم تكشف أن هذا الهدوء نفسه مشحون بالحكاية والشائعة والرغبة المكبوتة في زوال الضحية، حيث تنتقل مباشرة إلى تداول النساء للحكاية في جلسة يومية؛ وهذا الانتقال يجعل الافتتاح أقرب إلى لقطة تأسيسية واسعة يعقبها دخول إلى بؤرة اجتماعية ضيقة في مشهد جماعي تتداخل فيه الحارة، والشائعة، والضحك، والطعام، والكلام النسائي.
تكشف هذه البداية وظيفة سينمائية مبكرة ترتبط بالبنية الثقافية للمجتمعات العربية، فالجريمة المحتملة لا يتم تقديمها في صورة صدمة مباشرة كما نعهدها في أفلام الجريمة في المجتمعات الغربية، بل في صورة شائعات قابلة للتداول والاستهلاك، حيث يضع النص القارئ داخل فضاء يرى من خلاله كيف تتحول الحكاية إلى مادة للثرثرة قبل أن تتحول إلى ملف جنائي؛ وبذلك تصبح الرؤية المشهدية مدخلاً لفهم بنية المجتمع الذي يسعى إلى محاولة طمس الجريمة داخل الحياة اليومية المعتادة، وكأن شيئاً لم يكن.

ثانياً: الكادر السينمائي
بمعنى ما يدخل في إطار الصورة وما يبقى خارجها، أو بعبارة أدق: حدود الرؤية والاختيار البصري. وتعتمد هذه الرواية على ما يمكن تسميته خارج الكادر السردي؛ وذلك لأن الحادثة المركزية لا تقدم بوصفها لحظة قتل مرئية منذ البداية، بل تأتي عبر آثار لاحقة، حيث تؤكد حادثة العثور على بقايا صالح أن ما وصل إلى الناس والشرطة هو أثر لا فعل؛ فقد عثر على الجثة في منطقة رملية بعيدة، ولم يبق ما يسمح بالتثبت من الحدث الجنائي، لذلك يبقى الفعل الأصلي خارج الكادر، بينما تعرض الرواية ما تركه الفعل من آثار غامضة، وهذا النقص في الرؤية هو الذي ينتج التشويق ويؤسس لعملية بحث الضابط عن الصورة المفقودة.
ينطلق السارد من هذه التقنية أيضاً في رسم حدود علاقة الضابط بعالم النساء والرواشين. فالنساء حاضرات في الحدث، لكن حضورهن غالبًا غير مباشر، إما خلف الرواشين، أو من فتحات العليات، أو عبر الصراخ، أو من خلال ما يتوقعه الرجال منهن؛ الأمر الذي يجعل جزءاً من الحقيقة خارج مجال التحقيق الرسمي. «باب النساء شبه مغلق ومن الصعب، بل شبه مستحيل فتحه، فهن مُغيّبات عن المجتمع ولا يمكن التواصل المباشر معهن». ص 41. «حتى النساء أدّين دوراً مهماً … بنثر العملات المعدنية فوق رؤوس المحتفلين، من فتحات الرواشين وشبابيك العليّات». ص 42. لذلك يمكن قراءة الرواشين كحدود للكادر الروائي؛ إنها تضع الحقيقة في منطقة خارج الصورة، حيث تصل للضابط آثارها فقط: صراخ، خبر، إشاعة، خوف، أو تلميح. بهذا تصبح الجريمة محمية معمارياً وبصرياً. ليس لأنها تقع في مكان بعيد فقط، بل لأنها موزعة بين فضاءات لا تتساوى في قابلية الظهور، فالسوق والمركاز والبرحة في الضوء العام، أما العالم النسائي وما يدور خلف البيوت ففي الظل وخارج الكادر.
ثالثاً: اللقطة القريبة وجسد المتكلم
من أهم ملامح السينمائية في الرواية أن الحوار كثيراً ما ينقطع لوصف هيئة المتحاورين، وأصواتهم، أو حركاتهم، أو طريقة تحدثهم. وهذا يشبه إلى حد ما وظيفة اللقطة القريبة في السينما، حيث لا تكون الكلمة وحدها كافية لفهم الشخصية، بل تصبح الملامح وردود الفعل جزءاً من إنتاج المعنى. يظهر ذلك بوضوح في مواضع كثيرة من الرواية، ومنها على سبيل المثال: الحوار الذي جرى بين خليل والضابط، إذ يتوقف السارد طويلاً عند علبة الدخان: «يمد يده، ينزع البلاستيك، يخبط العلبة على الطاولة، يخرج السيجارة، يقلبها بين أصابعه، يضعها في فمه، يشعلها، ثم يشفط الدخان ويطلقه»، فيستغرق في تشكيل لقطة تفصيلية قريبة لملامح خليل وهو يدخن وطريقة إمساكه بالسيجارة، وظيفتها ليست إلا الكشف عن شخصية خليل الهادئة، المتمكنة، المراوغة، ومحاولته التخلص من حصار الضابط، بل محاولته شراء وقت كاف للسيطرة على موضوع الحوار وإدارة دفته.
أيضاً في لقاء الضابط بوالد صالح؛ حيث لا يقدم هذا الأخير اعترافاً أو أي معلومة حاسمة، وإنما يكتفي بعبارة عامة حول الدعاء للميت بالرحمة: « لم يسمع منه صراحة إلّا قوله بصوت خافت: «الميت ما تجوز عليه غير الرحمة»، بينما يقوم السارد بربطها بالصوت الخافت وتقطيبة الجبين وتغضن الوجه: «وبدا من ملامحه وتقطيبة جبينه وتغضّن وجهه..» ص 18فينتقل مركز الدلالة من القول إلى الهيئة، وكأنه يضع أمام القارئ لقطة قريبة لوجه يصرح بما يحاول لسانه كتمه. هذه التقنية لا تكشف الحقيقة كاملة، لكنها تمنع القارئ من الاكتفاء بظاهر الكلام. وهكذا يقوم الحوار المقتضب بمحاولة دفن الحقيقة، بينما تقوم هيئة المتحدث على العكس من ذلك بالتلميح إليها أو التصريح بها، ومن ثم فإن تعابير الجسد في الرواية علامة جمالية بصرية وسردية في آن، تثير الريبة وتوسع مجال التأويل.
رابعاً: المركاز بوصفه ميزانسين Mise-en- scène
«الميزانسين»: مصطلح فرنسي يُترجم ترجمة حرفية بـ «الوضع في المشهد»، ويعني تقريباً: «تنظيم عناصر المشهد، أو ما يوضع داخل المشهد»، ويستعمل في النقد السينمائي للإشارة إلى السمات المرئية في الفيلم، وكل التفاصيل الطبيعية أو المصطنعة التي تشكل الفضاء المصوَّر، والتي يمكن أن تنتظم في أربعة محاور: المكان/الديكور، والإضاءة، والزي، والأداء/التشكيل الحركي. وما يهم هنا هو ربط هذه العناصر بمزاج الشخصيات وطريقة أدائها التي تنعكس على إنتاج الدلالة، وفي رواية «قلوب قاتلة» يتحول مركاز العمدة إلى مشهد مركب؛ حيث يصور السارد الضوء الداخل من نوافذ الروشان، ويصف مكان جلوس العمدة، والشيشة، والمروحة، والسجادة، والمساند، والباب الخشبي، قبل أن يستقر الحوار في مجراه. هذه التفاصيل ليست زائدة عن الحاجة؛ فالشيشة والمروحة والروشان والمساند تحدد سلطة العمدة وطبيعة المجلس بوصفه مكاناً للصلح والكلام والاحتواء الاجتماعي. وإذا كان التحقيق الرسمي يبحث عن الدليل، فإن المركاز يعرض سلطة اجتماعية بديلة تؤجل المواجهة والصراع، وتفضل الجهل على المعرفة. وتتأكد الوظيفة السينمائية للمركاز عندما يدخل صوت فرهود على المشهد. فالصوت يأتي من الخارج، ثم يقترب، ثم يظهر الجسد من الباب أو من الروشان، فيتحول المكان إلى مشهد متعدد المستويات: داخل المجلس، وخارج الحارة، ونافذة الروشان التي تسمح بالظهور والاختفاء.
خامساً: الصوت والمشهد السمعي
لا تقوم سينمائية الرواية على الصورة وحدها؛ فالصوت عنصر مركزي في بناء الجريمة، حيث تنهض المواويل الينبعاوية، والسمسمية، وأصوات الأعراس بكل طقوسها الشعبية بوصفها مادة سمعية ملازمة للمكان؛ بوظيفة تظليل مسارات التحقيق وتشتيته. ولذلك يمكن النظر إلى الصوت في الرواية بوصفه خلفية دلالية، وليس مجرد تلوين فولكلوري. ومن ناحية أخرى لا تكفي العناصر السمعية في خلق المشهد الدال، بل لابد من حضور عناصر بصرية أخرى، كما في نواح فرهود المستمر بالعبارة القصيرة الدالة التي كان كثيراً ما يكررها: «قتلوك يا صالح» والتي تقوم بتحفيز حواس المحقق وتوجيه أصابع الاتهام ناحية المجتمع، حيث نجد أن أهمية المشهد لا تنحصر في العبارة وحدها؛ فالسرد يصف صوته المخيف، وحركة يديه كأنه يعزف، ونظرته الغاضبة، وبكاءه، وعودته إلى فتحات الروشان التي أقبل منها، فيجتمع الصوت والحركة والنافذة والوجه ويتداخلون في رسم أبعاد المشهد ودلالاته، وهذا التداخل هو ما يمنح المشهد طابعه السينمائي.
تبلغ وظيفة الصوت ذروتها في مشهد لعبة العجل الذي ينتظم كما لو أنه تتابع سينمائي: برحة، أصوات المرواس والنقرزان، تصفيق، أهازيج، نساء يرمين العملات من الرواشين، أطفال يلتقطونها، ثم فجأة صرخة امرأة. توقف الصرخة الجميع لثوانٍ، ثم يبتلعها الإيقاع العام. «لم يخرجه من هذه الحالة إلا صوت صراخ امرأة… عاد بعدها الجميع إلى سابق عهدهم وكأن شيئاً لم يكن».ص 43. هنا يمكننا أن نقول إن المجتمع لا يطمس الجريمة بالصمت فقط، بل بالصخب واستمرار أداء الطقس الجماعي. وعلى هذا الأساس، يؤدي الصوت وظيفة مزدوجة: فهو من جهة يوقظ الجريمة حين ينوح بها فرهود أو تصرخ بها امرأة، ومن جهة أخرى يغمرها داخل إيقاع الحارة اليومي حين يتداخل مع الغناء والطرب والمواويل.
سادساً: المونتاج وتقطيع الحقيقة
تبنى الحكاية في هذه الرواية عبر جمع المحقق لأجزاء متناثرة من ذاكرة الحارة، ومن القصص والحوارات، والشهادات الناقصة، والملفات القديمة وبعض الإشارات الجسدية، أو التلميحات العابرة. وهذا البناء يقترب من المونتاج بمعناه السردي؛ إذ لا تعرض الحقيقة دفعة واحدة، بل تتركب من مشاهد وأقوال وقرائن متباعدة. يفتح الضابط ملف قضية صالح ويجد أوراقاً وتحقيقات ومراجعات وبرقيات، لكنه يكتشف أن الأوراق في مجملها لا تكفي لكشف الحقيقة، مما يجعل الملف نفسه مادة مونتاجية، فهو عبارة عن وثائق كثيرة، لكنها لا تنتج صورة مكتملة. لذلك لا يعمل المونتاج في الرواية لصالح الوصول إلى اليقين السريع، بل لصالح إبراز ثيمة التمزق والشتات، فكل مشهد يضيف شيئاً؛ يفتح في الوقت نفسه احتمالاً جديداً. فعندما يتحاور الضابط مع فرج النمس، تنتقل الفرضية من صالح وسلطته إلى خليل والنساء، ثم يغادر فرج فجأة، فيترك الضابط يعيد تركيب المشاهد السابقة دون أن يصل إلى صورة نهائية.
ويعد حوار الضابط مع فرج النمس في «قهوة شكوكو» أمام البحر من أوضح المواضع التي تتقاطع فيها المشهدية مع المونتاج الداخلي للحوار. «وتساءل الضابط باستغراب، وهو يمطُّ شفتيه، ويفتح كفيه أمام وجهه، وقد أمال رأسه قائلاً». ص36 «كان النمس ينظر وقتها إلى البحر ولم يتحول ببصره عنه، وظل صامتاً لأكثر من دقيقة … وهو يدير أصابع يده اليسرى أمام فمه ويهز رأسه، التفت إليه وقال له: «وهل يشك عاقل في مقتل صالح؟». ص 37. «ابتسم عند ذلك في وجهه وعاد بنظره إلى البحر وكأس الشاي في يده يرتشف منه رشفة بعد كل عبارة». ص 38.
في هذا المشهد تمر المعلومات وتتدفق عبر أداء جسدي؛ فرج ينظر إلى البحر، يصمت، يلتفت، يدير أصابعه، يبتسم بمكر، ثم يقف فجأة. هذا الإيقاع البصري لحركات الجسد يتخلل الحوار ويحوله إلى لقطات متعاقبة، بحيث يصبح الصمت والحركة جزءاً من البناء السردي، وتكمن قيمة هذا المشهد في أنه لا يقدم خيطاً تحقيقياً فحسب، بل يدفع الضابط إلى إعادة ترتيب اللقطات السابقة، ومن هنا يصبح الحوار نفسه عملية مونتاج ذهنية داخل وعي المحقق.
سابعاً: تناوب حركة السرد وتنقله بين المشاهد
إيقاع السرد في الرواية لا يسير على وتيرة واحدة، فأحياناً يتباطأ بسبب استغراق السارد في وصف التفاصيل الصغيرة، وأحيانًا ينقطع فجأة، فينتقل من مشهد إلى مشهد كما يحدث في المونتاج السينمائي. فعلى سبيل المثال، يقوم السارد بإبطاء الزمن عبر سرد تفاصيل المكان أو تعبيرات الجسد، أو غير ذلك كما رأينا في وصفه للشيشة والسيجارة وكأس الشاي، ثم يقوم بعد ذلك بنقل المشهد فجأة إلى مشهد آخر، عبر صرخة، أو موت، أو انسحاب مفاجئ لإحدى الشخصيات من المكان، أو عبارة مباغتة. هذا التناوب يصنع التشويق لأنه لا يعطي القارئ دفقًا متصلًا من المعلومات، بل يضعه أمام توقفات ومفاجآت وإشارات معلقة. ص 46، ص 266. تتكرر حركة الانسحاب المفاجئ عند خليل وفرج وغيرهما، وهذه الحركة تحمل بعداً سينمائياً مكثفاً؛ لأنها تغلق المشهد عند نقطة حرجة، وتترك الضابط والقارئ أمام فراغ تأويلي، تنتهي فيه اللقطة قبل أن يكتمل الجواب.
ختاماً، تنتهي هذه القراءة إلى أن التقنيات السينمائية في «قلوب قاتلة» ليست مظاهر شكلية منعزلة، بل أدوات بنائية تعيد تصور المجتمع للجريمة والحقيقة من منظور مختلف، حيث تجعل آليات الرؤية نفسها موضع سؤال، ومن ثم يمكن عد الرواية نصاً سردياً يوظف العناصر السينمائية لتكثيف الغموض وإبراز صعوبة الوصول إلى الحقيقة.

المدونة
Posted by author-avatar

الممكنات الدرامية في مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي) لرجاء البوعلي | بقلم : عباس أحمد الحايك

الممكنات الدرامية في مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي) لرجاء البوعلي

كل قارئ يتلقى العمل السردي بطريقته الخاصة؛ فهناك من يملك معرفة بنظريات التلقي ويقرأ بعين الناقد، وهناك من يقرأ بعيداً عن كل نظرية بحثاً عن متعة خالصة. أما أنا، فقد وجدتني أقرأ السرد منطلقاً من اهتمامي بالدراما (مسرحاً وسينما وتلفزيوناً)، ويمكن أن أسميها (قراءة بصرية) تحيل كل كلمة أقرأها إلى صورة متخيلة، وكل شخصية إلى كائن متخيل بكل أبعاده. أقرأ القصة القصيرة والرواية كأني أشاهد فيلماً، أو أتابع عرضاً مسرحياً: شخصيات تتحرك على الخشبة، وأحداث تدور، وسينوغرافيا، وأصوات، وموسيقى.
وهذا ما جعلني أختار قراءة مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي)للكاتبة رجاء البو علي، والصادرة عن منشورات جدل- الكويت -2024. ورغم أن الكاتبة لم تصنف مجموعتها كقصص قصيرة، وتركت النصوص التي ضمتها المجموعة بلا تصنيف، إلا أنني كنت أبحث عن الحكاية في هذه النصوص. حيث لم يخلُ أي نص من نصوصها من حكاية. ورغم أن بعضها اتجه للبوح، أو الكتابة التسجيلية السيرية، أو اليوميات، فإن الحكاية كانت لا تنفصل عن كل نص من نصوص المجموعة.
وهذا تماماً ما يبحث عنه الكاتب المسرحي أو السيناريست: (الحكاية). فهي أصل الأنواع الأدبية والفنية أغلبها؛ أصل الرواية والقصة القصيرة، وأصل المسرحية، وأصل السيناريو سينمائياً كان أو تلفزيونياً. فكل كاتب يسرد حكايته بطريقته، فالقاص يكتبها بتقنية سرد تختلف عن كاتب المسرح أو السيناريست الذي يتجه للكتابة البصرية. هي فروقات تقنية، لكن الأصل واحد، كما أن عناصر كل واحد من هذه الأنواع هي ذاتها. فهناك حكاية تدور حول شخصية لها حاجة وتواجه تحديات يتخلق منها الصراع، وهذه الحكاية لا يمكن أن تُحكى دون أحداث متسلسلة، أو دون (حبكة) كما تسمى في السرد، أو (بناء درامي) كما تسمى في المسرح والسيناريو. لذا اخترت أن أقرأ المجموعة وأنا أبحث عن ممكنات الدراما في كل نص منها، وكيف يمكن أن تتحول هذه النصوص إلى أعمال درامية.
فالقصة، منذ بدايات السينما، كانت مادة غنية تُصنع منها الأفلام. ومنذ أول عمل سردي تحول إلى فيلم، وهو فيلم (تريلبي وليتل بيلي-1896) الذي بلغت مدته 45 ثانية وصوّر جزءاً من رواية Trilby للكاتب الإنجليزي جورج دو مورييه الصادرة عام 1895، تواصل تحويل الأعمال السردية إلى أفلام ملهمة لصناع السينما، ثم صناع الدراما التلفزيونية حتى وقتنا هذا.
أول نصوص المجموعة هو نص (عاملتي الأفريقية)، وفي النص صوتان: صوت الراوية (أو السيدة)، وصوت العاملة. صوتان، وثقافتان، وفكرتان تصلان حد التناقض، وصراعان بين شخصيتين متضادتين. هذا النص أخذني مباشرة إلى الخشبة؛ إلى نص مسرحي ثنائي، أو ما يصطلح عليه المسرحيون بـ(الديودراما). تبدأ المسرحية من لحظة الافتراق، بين صمت العاملة وغضب السيدة. العلاقة بينهما تملك المسحة الدرامية المفترضة لصناعة نص مسرحي عن امرأة اغتربت لتحقق أحلامها، “شابة جميلة وطموحة أجبرها القدر على اختيارٍ لا يشبهها”. إنه صراع بين الرغبات والواقع؛ رغبات في أن تصبح عارضة أزياء، ورفض من قِبل حبيبها، وظروف لا تسمح لها بتحقيق هذا الحلم. النص مشحون بالطاقة الدرامية، ويشبه المسرح أكثر من أي شيء آخر.
أما النص الثاني من نصوص المجموعة (شقة في الملحق الأخير)، فنحن هنا أمام نص ثري بالتفاصيل، بالشخصيات، بالأمكنة، وبالأحداث، وبالزمن أيضاً، وبتحولات الشخصيات التي يمكن أن تُغني أي سيناريو مكتوب. نص قابل لأن يصبح فيلماً، حيث تحمل الأحداث تشويقاً وتوتراً وتصاعداً، وهي العناصر التي تصنع الدراما وتُصعّد من حالة التشويق في أي عمل درامي. فيلم يحمل هوية المكان، وتفاصيل عاشتها فتيات في زمن لم تكن المرأة تمتلك فيه المساحة التي تمتلكها الآن؛ حيث كانت المرأة وهي في الجامعة محاطة بالأعين التي تراقب وتتفحص، بينما هي الآن تملك القدرة على إغماض أي عين. هذا النص يحتاج إلى سيناريست يتوسع في الحكاية، بل الحكايات؛ فلكل شخصية في النص حكايتها، وهواجسها، وتحدياتها، ورغباتها. كل شخصية لديها أبعادها التي يمكن للسيناريست أن يشتغل عليها ويقدمها في إطار درامي.
في المقابل، فإن النص الذي حمل اسم المجموعة (عشرة أيام في مركز عين قسيس الإنجيلي) لم يحمل طاقة درامية؛ فلا صراع هنا غير صراع سعي البطلة لتغيير الصورة النمطية لدى بقية المشاركين. النص عبارة عن صفحة من مذكرات بكل ما تحمله من أهمية، وهي ليست مذكرات عادية، بل مذكرات محملة بثقل معرفي. أخذتنا البطلة/الراوية إلى تفاصيل المكان والحوارات التي شاركت فيها، وعرّفتنا على كيف تفكر، وكيف تخضع كل شيء حولها للسؤال. إنه نص يمكن تلقيه بعيداً عن الدراما التي كنت أبحث عنها في نصوص المجموعة؛ فهو وثيقة معرفية، وإجابات عن أسئلة، كما أنه صحيفة دفاع عن السعودية، وعن نسائها، وعن ثقافتها. وهذا كله لم يجعل من لغة النص لغة تقريرية إنشائية، بل كانت لغته لغة سرد ممتع، يجعلك تواصل القراءة من السطر الأول وحتى نهاية النص.
أما (جاثوم الحب)، فهو نص (مونودراما) جاهز، يحتاج فقط إلى إعادة صياغة وإعداد مسرحي؛ فثمة فضاء، وشخصية في لحظة فارقة تسترجع ذكرياتها، ومواقفها، وعلاقاتها. ثمة بوح، وصراع من أجل البقاء، ومن أجل العبور من لحظة البرزخ بين الحياة والموت؛ لحظة غارقة في الدراما التي يمكن أن تُستثمر في نص مشحون بالطاقة الدرامية.
بينما نص (متعة)، نص جاهز لفيلم قصير، يصور صراع امرأة مع مجتمع يبرز أنيابه لافتراسها. امرأة أصبحت جاهزة للافتراس بعد أن حصلت على صك الطلاق، حيث يحيط بها رجال يسنّون نصالهم لحز رقبتها بحجج التضامن معها والوقوف إلى جانبها. امرأة تقف في وجه طوفان، فهل تتمكن من التغلب عليه والعبور إلى ضفة آمنة؟ هذا ما أعلنه النص القصصي الذي يملك طاقة درامية بامتياز.
وكذلك نص (مونامور)، فهو نص لفيلم أنيق بكل تفاصيله؛ فيلم قصير عن بوادر الحب عند الصغار، كيف ينمو ويكبر؟. وفي النص قضية تُطرح، وهي الفصل الاجتماعي بين البنات والأولاد، والعبور من الطفولة إلى المراهقة، واللعب الطفولي. فيلم يمكن أيضاً أن يثير حالة من “النوستالجيا” لمن يشاهده من أبناء المنطقة؛ فيلم من تسعينيات القرن الماضي بكل ما فيها من ألفة وبساطة، بعيداً عن تعقيدات حياتنا الجديدة.
وهناك نصوص يمكن أن تُجمع في مسلسل (منفصل) تكون لكل حلقة فيه قصة. فنص (حريق) واحد من القصص التي يمكن أن تُعد درامياً لحلقة مسلسلة؛ فالنص مكتمل درامياً من حيث التشويق، والتوتر، والإثارة، ويحكي عن حريق يلتهم شقة، وإنقاذ عائلة من النيران التي أكلت كل شيء. ومثله نص (رسائل كوب شاي) بما فيه من مفارقة درامية، ونص (عطب أمومي) الذي يقترب من سلوكيات البنات في المدارس وأثر التربية عليهن.
وفي نص (هرة) أيضاً مفارقة درامية، بل هي مفارقة فكرية وتناقضات يعيشها البعض؛ تناقض المبادئ والقيم لدى أشخاص انتقائيين يختارون القضية التي تهمهم بينما هم غارقون في الخطأ في قضايا أخرى، وكأن القيم ليست ثوابت. ومن النصوص أيضاً التي يمكن أن تكون فكرة لحلقة تلفزيونية: نص (سلام أمي)، و(المشهورة)، و(سيدة المكتب الجديدة). كلها يمكن أن تصنع مسلسلاً تلفزيونياً يغوص في عمق الحياة الاجتماعية وقضايا المرأة؛ فهي نصوص قصصية تحمل تلك الطاقة الدرامية التي يحتاجها السيناريست ليكتب نصه التلفزيوني.
توقفت طويلاً عند نص (عيني على نعش)؛ فالنص يحمل كثافة وجدانية عالية. حيث تُحوّل القاصة لحظة الصدمة بفقد الأب إلى شريط من الذكريات والأسئلة الوجودية؛ أسئلة الحياة والموت والعلاقات. علاقة الأب بأبنائه وبعائلته؛ إذ تسترجع القاصة أحداثاً قد تبدو عادية لكنها تحمل كل مفردات الدفء العائلي. والتساؤل حول علاقة الأب بأبنائه حتى في التفاصيل الصغيرة (كحمل الحقيبة المدرسية عنهم) جعل البطلة تتساءل: “ما طبيعة المتعة التي يشعر بها الآباء وهم يحملون التعب عن أبنائهم؟”. الأمر هنا لا يتعلق بالحقيبة، بل يتعلق بالأبوة التي تتجاوز الإدراك؛ وفعلاً، فالآباء يحملون التعب، وليس الحقائب وحدها. النص محتشد بالتفاصيل الصغيرة التي يعتني بها السيناريست عادة وهو يكتب نصه السينمائي أو التلفزيوني، أو يبحث عنها المخرج ليؤثث صورته السينمائية. هنا في هذا النص، كل تلك التفاصيل قادرة على تحفيز مخيلة السيناريست؛ فثمة حكاية تُقال، وشخصيات، وذكريات، ومشاعر، وحالة فقد، وأمكنة متعددة، وكلها عناصر يمكن أن تصنع فيلماً روائياً طويلاً. الليلة الأولى بعد الفقد، كيف تحكي الجدران حكاية الأب؟ والممرات، والغرف، والحديقة الصغيرة؟ وكل فرد من العائلة يحمل من الذكريات ما يكفي لأن يُحكى بصرياً.
لقد أخذتني كل النصوص في رحلة؛ قرأت فيها شخوصاً مختلفين، وأفكاراً، ويقيناً، وشكاً، وأسئلة، وإجابات. قرأت أحداثاً، وأمكنة، وحكايات. هذه النصوص جديرة بالقراءة، مثلما هي جديرة بأن تكون بذرة لمشاريع أعمال بصرية من سينما ومسرح وتلفزيون.

بقلم: عباس أحمد الحايك
المصدر: مجلة سماورد الالكترونية

المدونة
Posted by author-avatar

أناشيد طائر الهوما سرد شائق لأشكال الصراع الإيديولوجي وتجلياته في فضاءات متعددة | بقلم : نذير جعفر

متعب بن ظمنه في روايته: أناشيد طائر الهوما»

سرد شائق لأشكال الصراع الإيديولوجي وتجلياته في فضاءات متعددة

في روايته السابقة: «عرش من الرمال»بجزئيها، انشغل الروائي والقاص والسيناريست الكويتي متعب بن ظمنه بصحراء الجزيرة العربية وعوالمها في ماضيها البعيد، وما دار فيها من صراعات وحكايات حب وطموح ووفاء وغدر، وصراع على السلطة والنفوذ، مستبطناً أسرارها وأساطيرها وطبيعتها الموزعة ما بين الرمال المتحركة والجبال الشامخة، ومشاغل قبائلها وزعمائها في مواطن إقاماتهم وترحالهم، وفي أحلامهم الشاسعة وواقعهم المتأرجح ما بين مواسم الخصب والجفاف.

ومن الصحراء في الماضي البعيد بما تثيره من أسئلة وشجون بوصفها قيمةً جمالية مطلقة معادلة للحرية من جهة وخاضعة للأعراف والتقاليد من جهة ثانية، يخطو الكاتب في روايته الجديدة: أناشيد طائر الهوما … أزمان محمد الأوزبكي وأحواله نحو الأرياف والبلدات الصغيرة والعشوائيات والمدن المكتظة والعواصم المعاصرة بما تضج به من فقر مدقع وثراء فاحش، في سياق صراع متعدّد الأشكال والمستويات والانتماءات القومية والدينية والإيديولوجية، سواء بين التيارات الجهاديّة والسلطات الحاكمة، أم بين قوى الاحتلال الأجنبي وقوى التحرّر الوطني.

وقد استدعى هذا المسار تنقل الشخصيات الرئيسة والمرافقة لها في تنفيذ مهماتها الجهادية بين دول وعواصم ومطارات عدة أجنبية وعربية، تبدأ من بلدات حيرات ومزار شريف وبلخ الملقبة بأم البلاد وطشقند في أوزبكستان؛ مروراً بكابول في أفغانستان، ومكة المكرّمة والطائف وجدة في المملكة العربية السعودية، وبعقوبة والموصل والحديثة في العراق، ودمشق ودير الزور في سورية، ودبي، وأثينا، وصولا إلى نهاية المطاف وخاتمة الرواية معاً عبر مهمة جهادية في تل أبيب، من دون أن تغيب كل من روسيا وأميركا عبر دور كل منهما في أفغانستان والعراق على نحو خاص.

الشخصيّة المحورية التي تبدأ الأحداث معها وتتمحور حولها وتستمر حتى توقفها، هي شخصية محمد الأوزبكي الذي يشكّل الثّيمة الرئيسة في عنوان الرواية: «أناشيد طائر الهوما … أزمان محمد الأوزبكي وأحواله». والربط بين محمد الأوزبكي وطائر الهوما لا يتوقف على العنوان وحده بل يشمل في رمزيّته السرد برمته مبنى ومعنى ودلالةً في هذه الرواية. فطائر الهوما كما جاء في استهلال الرواية: «يقضي حياته محلّقاً في الهواء، يرتحل بين عوالم مختلفة، ويعيش أجواءً متنوّعة لم يعرفها كأنه محكوم في كل مرة إلى البدايات، يطل من عليائه إلى شخوص يحاولون الاتصال به وهو يلامس الغيوم ولكن نهايته تكون حين يلامس الأرض ويتناثر على أديمها إلى أن يصحو مرّةً أخرى». وهذا التوصيف يتطابق تماماً مع شخصية محمد الأوزبكي ومساراتها وأفعالها كما سيراها القارئ في إقاماته المتعدّدة وترحاله من بلد إلى آخر برّاً وجواً بحكم إيمانه بعقيدته نصرةً للمظلوم، وتكليفه بمهماته الجهادية ردا على قوى الاستعمار والاستكبار، وتنفيذه لتلك المهمات يحيل إلى أناشيده وكذلك إلى أزمانه وأحواله المتعدّدة والمتباينة التي تتقاطع مع مراحل حياته وتنقلاته أرضاً وجوا عبر سرد تتجاور فيه النزعة الواقعية الصرفة مع التخييل الفني الشائق والساحر.

تتبع عنوان الرواية الرئيس عناوين فرعية تشكل نقاط ارتكاز وتشويق للقارئ، وتلقي بظلالها على المشاهد السردية موحية بدلالاتها من جهة ومحفّزة على متابعة القراءة بما فيها من جماليات المجاز وجاذبيته وتنوعه من جهة ثانية، نحو: (ذاكرة الشتات) الذي يحيل إلى تنقل أسرة محمد الأوزبكي في طفولته وشبابه ما بين أوزبكستان وأفغانستان ضمن بلدات وأحياء ومدن وما عانته من مشقات في التأقلم لا سيما في الأحياء العشوائية. ومثله (الروائح التي تسكننا) الذي يشير فيه إلى روائح الخوف والقتل والرعب من الرجال المتجولين في الأحياء الشعبية ببنادقهم الآلية. والسائرون إلى الجنة) والمقصود به الذين استشهدوا في مذبحة أنديجان وسواهم من ضحايا الحروب المشتعلة. وقريباً من الكعبة) وفيه مقاربة لقداسة المكان وروحانيته. وبنادق الآلهة): هي التي لا تخطئ صدور الكافرين. و(أخوة يسكنون الهوامش المقصود به سكان أرض السواد في العراق. وأشلاؤهم الطرية) يسلّط الضوء على المتاجرة بأعضاء ضحايا التفجيرات، ورأيت المعبر): يصور سبيل النجاة من تفجير أودى بحياة الآخرين الذين تحولوا إلى أشلاء . و (طيوف هيلاس الشاحبة) الذي يرصد وصول محمد الأوزبكي إلى أثينا ووصفه لها. ومزامير الدسائس الخفية) الذي يكشف خطط تغيير خرائط الشرق الأوسط. ومغامرات غير آمنة): يصوّر رحلة محمد الأوزبكي مع مرافقه اليان في الطائرة من مطار ابن غوريون بجواز سفر مزوّر للقيام بمغامرة إخفاء الطائرة الماليزية عن الرادارات لتهريب أحد المطلوبين. وضفاف الموت البارد) وفيه رصد لمسار السفر من أقاصي أفريقيا إلى موسكو وما يترتب عليه من مخاطر وأناشيد القربان الحي): وفيه لقاء محمد الأوزبكي ومرافقه اليان بالرئيس ترامب في قبو عمارة ضخمة في تل أبيب خلف البنك الفيدرالي وسماع أحد الحضور مخاطباً ترامب بأن دولا كثيرة ستتلاشى عن وجه الأرض.

تحيل هذه العناوين الفرعية إلى أحداث الرواية الأسرة بوصفها نقاط استناد وتذكير للقاري وتحفيز له بما فيها من صدق فنّي وعاطفي يعزّز مسارات السرد الذي يوحي أكثر مما يقول محققا بذلك المتعة الجمالية من دون كلل أو ملل.

الصيغة السردية

جاء معظم السرد في أناشيد طائر الهوما من الصفحة الأولى حتى (237) بصيغة ضمير المتكلم first- person narrative التي توهم بتماهي صوت الراوي في النص مع صوت المؤلف الحقيقي في الواقع، كما توهم بواقعية التجربة، وحقيقية الشخصيات. ومن هنا يأتي الربط الظالم بين شخصية المؤلف وشخصيّة بطله مع أن السرد بضمير الغائب أو المخاطب قد يكون أحيانا اختيارا فنيا حتى في مجال رواية السيرة.

في هذه الصيغة لا يكون الراوي خارج العالم الروائي كما هو الشأن بالنسبة إلى ضمير الغائب، بل شخصيّة مركزية فيه، أو شخصيّة مشاركة في صنع أحداثه. وهذا ما يسمح بتأويل خطابه بوصفه خطابا للمؤلف، وتحديد وجهة نظره بوصفها وجهة نظر المؤلف نفسه. مع أن آلية التحليل النصي لا تقتضي ذلك إلا إذا كان هناك قرائن مُرجحة .

يتتالى السرد في هذه الرواية عبر ضمير المتكلم محمد الأوزبكي الذي يتقمص شخصية أوري الإسرائيلي ولا يكتفي بنقل الأحداث، أو تصويرها، بل يشارك في صنعها كطرف رئيس فيها، وبذلك يقف معها لا وراءها، وهذه الصيغة أتاحت للشخصيّة إمكانية البوح الذاتي في استحضار ماضيها، وعلاقتها بالحاضر، وما رافق ذلك من تداعيات، وذكريات وتعليقات تستوقف القارئ، وتحفزه على

التأمل كطرف مشارك في العمل الروائي. لكن اقتحام سرد السيرة برنامج السرد الروائي، جعل صوت الراوي المتكلّم «محمد الأوزبكي / أوري» بؤرة مركزية تطغى على ما عداها وتصبغه بصبغتها.

وحينما يغيب صوت الراوي المتكلم محمد الأوزبكي أوري في الربع الأخير من الرواية على أثر التفجير الذي أصيب فيه يحضر صوت الراوي الغائب الذي يسم الرواية الكلاسيكية على وجه الخصوص ويكون فيه الراوي هو، هي، هم مهيمناً، خارج نطاق الحكي، يقف وراء الأحداث والشخصيات، ويوجهها من بعيد نحو مصائرها . وهذا المنظور قد يبدو الراوي من خلاله حياديا حيناً، ومجرّد شاهد على ما حدث، فيقنع قارئه بخطابه، أو منحازاً حيناً آخر لفكرة يحاول الانتصار لها بتدخله المباشر، فيثير الشكوك حول مصداقيته الفنية والإيديولوجية.

الشخصية الروائية ونماذجها في أناشيد طائر الهوما تقسم الشخصيات الروائية من حيث أفعالها ، وأقوالها، ودوافعها المعلنة والمضمرة، ومصائرها إلى:

شـخـصـيــات مــركـبـة «ديـنــامــيــة dynamics»، أو كما يسميها بعضهم معقدة، نامية، مــدوّرة(1). وهي تمتاز بالتحولات الدرامية والتراجيدية التي تطرأ على سلوكها وأفعالها ومواقفها داخل البنية الحكائية فتنقلها من حال إلى آخر، ومثالها شخصية «محمد الأوزبكي / طائر الهوما / أوري» الذي دفعه إحساسه بالقهر والظلم ومعاناة أسرته

وتدخل القوى الدولية في مصير بلده إلى الالتحاق بالجماعة الجهادية وإتقان العمل على الحواسيب واختراق برامج البنوك وتحويل ما يلزم والقيام بمهمات خطيرة تكلّفه بها جماعته قادرة على النفاذ إلى الدوائر الأمنية واختراق البرنامج الانتخابي للولايات المتحدة الأميركية وحركة المطارات وتحويل خط سير الطائرات وغير ذلك.

ومثله خاله عبد الرحمن وشخصيات عدة من المجاهدين والقيادات الأفغان والأوزبك والعرب التي أطبقت شهرتها الآفاق. وتلتحق بهذا الركب شخصيّات نسوية عدة أيضا منها الشابة غولنار التي تقاذفتها أقدارها إلى مصائر متناقضة سلوكا وممارسة مع نفسها والعالم من حولها إلى أن تنتهي بالالتحاق مع المجاهدين والعمل مع عدد من النسوة في إعداد الطعام لهم. كما تبرز شخصيات نسوية تقوم بأدوار بارزة مثل زارينا، وبراخا .

شخصيّات رئيسة ( محورية) تستأثر بالتبئير السردي، وتوجه دقة تفاعلاته، مثل شخصية والدة محمد الأوزبكي «مريم» التي تُعدّ نقطة تبئير مركزية تنطلق منها وتتلاقى عندها مجمل الأحداث وشبكة العلاقات التي تربطها بمحيطها وامتدادات أسرتها من الأم والأب إلى أجداد أجدادها بما فيهم الأبناء والبنات مشكّلة بذلك دائرة واسعة من العلاقات التي تكاد تربك القارئ بحيثياتها. شخصيّات مرجعية: (تاريخية دينية سياسية): لهذا النوع من الشخصيات حضورها في الوعي الجمعي، وتأثيرها المسبق على التلقي وتوجيه مسار القراءة، مثل الملا عمر، أسامة بن لادن ترامب إسلام كريموف، رستم عنايتوف … إلخ.

تلك وقفة موجزة عن رواية تستدعي دراسة موسعة تلم بمجمل تقنيات خطابها وشخصياتها ودوائر الصراع فيها، حتى يفيها الدارس حقها.

بقلم: نذير جعفر
المصدر: جريدة البيان