المدونة

فصل من رواية : المرأة المتجلية لـ: غاييل نوا

في الأيام التالية، أحكم القلق خناقه عليّ حتى كادت تنقطع أنفاسي. وكانت الأرض تمور تحت قدمي، أنا لم أصبح «فيوليت» بعد وأيضاً أنا لست «إِلَيْزا» فعلاً، أنا لست أحداً، كان الدوار يصعقني. كنت كما لو أنني أسقط من دون توقف من جرف، وأن المناظر الطبيعية من حولي تتلاشى بعيدة، وليس أمامي سوى هذا السقوط اللامتناهي. كان الشيء الوحيد الذي يهدئني هو هذه الغرفة التي تهتز تحت صوت الخطوات، وصرير قاعدة السرير، وأصوات الأنين. أعتقد أنني أخيراً اعتدت ذلك. إن مأواي يصرخ ويعيش ويتنفس في الوقت الذي ينام فيه الشرفاء وهذا يطمئنني ويهدهد لي.
لم أعرف أبداً كيف أحدد منطقة القلق. عندما كنت طفلة، كان يجتاحني أثناء غياب والدي. كان حينا في «هايد بارك» مألوفاً جداً بالنسبة إلي حيث لم أكن أشعر بالخطر، على الرغم من انتشار شائعات الجرائم والحوادث الغريبة هناك بأسرع ما يمكن من أي مكان آخر، ما يؤدي إلى إحساسي بالقشعريرة والقلق، لكنني كنت ارتجف جزعاً أكثر على والديّ فور خروجهما من المنزل. كنت أخشى أن يقتلا في واحدة من تلك الأزقة الخطرة حيث يذهبان إلى عملهما. كنت أنا وأمي في ريبة دائمة إلى أنجاء شرطي يطرق بابنا. كان ظله يلوح تحت ضوء الرواق وسأعرف قبل أن يتكلم، سأعرف، ليتحطم بذلك قلبي.
كنت في الثامنة من عمري عندما تحدث والدي معي عن أعمال الشغب التي زامنت ولادتي. ما زلت أحافظ على الذاكرة حية. كنا نتجول في «غيتو برونزفيل». على الرغم من معارضة والدتي، غالباً ما كان يصطحبني إلى هناك. أستطيع أن أرانا ونحن نمازح بعضنا، كان طويلاً ومتعاظماً بلحيته المشذبة جيداً وقبعته، وأنا الصغيرة جداً في معطفي ذي ياقة الفرو، أجاهد لمتابعة إيقاع سيره، لكنني كنت مدركة تماماً هذه الهبة بأن تكون بجوار أبيك، هذا الامتياز ما كنت لأتخلى عنه مقابل أي شيء في العالم.
اعتقد والدي أنني سأكبر بشكل أفضل إذا أطلعني على حقيقة العالم. كان قد عقد العزم على إخباري منذ الطفولة عن أنواع معينة من الشر، تلك التي يمكن لعقلي الصغير استيعابها. أراني المباني المكونة من طابقين، التي تركها أصحاب العقارات البيض تتداعى، والساحات الخلفية حيث القمامة متناثرة ولم يتكبد جامعو القمامة عناء التقاطها. كان الأطفال يرتدون ملابس ممزقة، ليست على مقاسهم المناسب أبداً، والكلاب الصلعاء تعوي حتى الموت. أتذكر كم كنت مولعة بهذا المعطف الصغير، لكنه جعلني أشعر بالخجل من مشاهدة هؤلاء الأطفال وهم يركضون بقمصانهم الخفيفة في الرياح المتجمدة.
في «إلينوي»، يوضح لي والدي بصوت رزين أنه لا يوجد قانون يجبر السود على التجمع في «الغيتو».
رسمياً، يمكنهم الاستقرار أينما أرادوا. ومع ذلك، في كل مرة يعبر أحدهم حدود الحزام الأسود للانتقال إلى شارع قريب من أجل السكن، كان يخضع لتأديب شديد بما يكفي كي لا يعود أبداً. ثم تتكلف قنبلة بتحويل مسكنه إلى غبار، أو تضرم فيه النار بينما عائلته نائمة.
أدى تجاوز هذه الخطوط الوهمية إلى اندلاع أعمال عنف وأعمال شغب، فعاد أولئك الذين نجوا إلى ملجئهم في «الغيتو».
– ولدتِ في الصيف الذي جرفت فيه التيارات طفلاً أسود كان يسبح في البحيرة، مبتعداً عن الشاطئ المخصص للسود فقط، فلما اجتاز أحد تلك الخطوط غير المرئية، رماه أطفال بيض بالحجارة، فغرق؛ لذلك أصيبت المدينة بالجنون. استمرت أعمال الشغب أكثر من ستة أيام. هاجمت عصابات البيض مساكن السود، وأشعلت النار في المباني.. ورداً على ذلك، أشعل السود النار في أحياء البيض. كان هناك الكثير من القتلى والجرحى في المستشفى، فاضطررنا إلى وضع الجرحى على الأرض، كانت الأسرّة مملوءة عن آخرها.. وتطلب الأمر تدخل الحرس الوطني حتى يتوقف الأمر في النهاية. لهذا لم أكن موجوداً عندما ولدتِ يا يمامتي..
كان والدي طبيباً تحول إلى البحث الاجتماعي في جامعة شيكاغو، عاد والدي إلى الخدمة ليساعد المتدربين السود الذين حافظوا على دوام مستشفى هجره الموظفون البيض منذ بداية أعمال الشغب. كان يحب أن يقول إن علم الاجتماع سمح له بالتحقيق في جذور العنف أو المرض أو الفقر. كان يأمل من خلال عمله تنوير الضمائر وتحطيم الأحكام المسبقة. كان يحلم بالوقاية من الشر قبل أن تجتاح غرفة الطوارئ جثث مثقوبة بالرصاص أو الطعنات.
– طالما نجبر هؤلاء الأشخاص على التكدس كلهم في بضعة أميال محرومين من الحق في العيش حيث يريدون، والحصول على الفرص نفسها مثل الآخرين.. فسيرغبون في الهروب من سجنهم بأي وسيلة متاحة، ولا يهم إذا كان عليه أن يسرق أو يقتل للوصول إلى هناك. إنه إنسان، كما ترين، يتوق إلى الحرية، ولن يستطيع تحمل القفص.
نعم، إنه إنسان. وهذا سبب ضياعي في هذه المدينة الأجنبية، على الرغم من أنني أشعر وكأنني تائهة، إلا أنني بالكاد أستطيع دفع الفكرة المؤلمة لطفلي الصغير الذي يبحث عني في المنزل، يبحث عني ويتصل بي. أخشى أنه لم يتلقَّ أي رد، وأخشى الإجابات التي قد يتلقاها منهم. الحقيقة أنني اخترت أن أهرب قبل «تيم»، لأن اصطحابه معي كان محفوفاً بالمخاطر. هذا يتعارض مع كل ما تعلمناه؛ أن الأمهات يجبرن على التضحية بأنفسهن، وأن هذا هو مصيرهن منذ بداية الزمان. لم أطِع هذه الفرضية الفلسفية، ولكن غريزة عميقة أمرتني بعدم الالتفاف، وعدم السماح للحب بأن يمنعني. كان يوم سبت مشمساً، اصطحبته جدته من أبيه إلى درس في الإبحار، وكان والده يمارس عمله في برج لوب.
عندما عادا، لم أكن موجودة هناك. ما زلت أفكر في الرسالة التي تركتها لـ«تيم» والموضوعة في أحد مخابئنا السرية. أتمنى أن يجدها. وحتى إن لم يكن كبيراً بما يكفي لفهمها، فقد نقشت في قلبه أن مغادرتي لم تكن تخليّاً؛ لأنني تركته لأستعيد قواي ثم سأعود من أجله.
خلال اليومين الماضيين، كنت أسير بلا هدف عبر المدينة وأتجاوز كل هؤلاء الأشخاص المقيدين بحياة ووظيفة وأسرة. نظراتهم تتساءل عن سيمائي الحائرة، وتطمئن عند رؤية ملابسي الجميلة، وآلتي الروليفليكس حول رقبتي. أنا لا أبدو مثل هؤلاء المتشردين العجائز الذين يتسكعون في رفاتهم العائم ويخيفون الأطفال، ولا كرجال الأعمال الذين دمرهم انهيار عام 1929،والذين يبيعون التفاح في الجادات. تحدثنا عن ذلك كثيراً عندما كنت صغيراً، لكن بائعي التفاح الوحيدين، الذين قابلتهم في ذلك الوقت في شارع «ميشيغان»، بدوا كأنهم فقراء أبديون. وأتساءل عما إذا كانت قصص المليارديرات الذين نبذوا أو تنكروا في زي بائعي التفاح ليست سوى أساطير، روجها أولئك الذين أرادوا منا أن نصدق أننا لسنا الوحيدين الذين فقدنا كل شيء. لقد نجا أبطال المضاربات، «جو كينيدي» و«صموئيل إنسول»،من دون أن يصابوا بأذى. حالت المرتبة المريحة دون إمكانية السقوط، وفي أسوأ الأحوال كان مصيرهم المنفى رفقة حقيبة مليئة بالسبائك، وإجازة طويلة لمشاهدة غروب الشمس فوق البحر.
لا، أنا لا أفكر في هؤلاء، ولكنني أذكر والدي، الذي استثمر كل مدخراتنا في البورصة لإرضاء والدتي.
في تلك الأيام، كان الجميع يراهن على الفوز. حتى بائع التبغ في زاوية الشارع 47 كان يضارب في البورصة. كان كل واحد يعرف شخصاً من أبناء عمومته يتفاخر بسيارة ليموزين نتيجة ضربة حظ. قالت أمي: لكن، لماذا يتردد آرثر؟ الجميع يفعل ذلك! إن عمي «مايلز» يعمل في «وول ستريت»، ووعد بأن يقدم لنا بعض النصائح.. التقى أبي بالعم «مايلز» في «نيويورك» واقتنع في النهاية.
أتذكر أن موجة المد والجزر الصادمة لم تضربنا على الفور. ذات إثنين أسود، كانت أسهم «جنرال إلكتريك» والصلب الأمريكية سائرة في طريق التدهور، لكن تفكيراً عقلانياً مثل تفكير «آرثر بيرغمان» رفض الذعر، وكرر أن المصرفيين والحكومة سيجدون طريقة للحد من الانهيار، لكنه أدرك تدريجياً أن لا أحد يملك حلاً للتخفيف من الكارثة، فحبس نفسه في مكتبه لأيام عدة. كانت والدتي تطرق الباب في أوقات الطعام، فيجيب بأنه ليس جائعاً.
الآن أعرف شعوره. لم يكن يجهل كيفية التعامل مع انهيار حياتنا، وكيف يخبرنا أنه فشل في مهمته وفشل في حمايتنا من الإفلاس. كان يمشي وحده لساعات، حتى الإنهاك، ليجد معنى لهذا العبث. لكن الحقيقة أن هناك إخفاقات في حياتنا لا يمكننا الهروب منها إلا إذا تخلينا عن أجزاء من ذاتنا.
في المساء الثالث، عدت عند تاجر المجوهرات. سألني عن أمريكا، فكشفت له عن الحياة الخيالية لـ«فيوليت»، المتزوجة من رجل أعمال ثري يعمل في تجارة الأخشاب. حياة قاسية وسعيدة في بلدة صغيرة في الغرب الأوسط، حيث السهول تعصف بها الرياح، والشتاء القارس، والصيف الحار. لديها فتاتان صغيرتان وكلاب وخيول. تركته يتخيل هذه الحياة التي تتخللها الطبيعة وحرائق الخشب وأعياد الميلاد.
وفجأة، أعلنت المكالمة الهاتفية للسيدة «لي» أن زوجها أصيب بنوبة قلبية. المستشفى، ساعات الانتظار قبل التحدث إلى الطبيب الذي ينظر إليها وكأنه يشك في أنها تمتلك كل قدراتها العقلية، وشرع يكرر عدة مرات: زوجك مات، وصلت سيارة الإسعاف بعد فوات الأوان.. تنهمر دموع عيني، يوقظ الخيال ذكريات وفاة والدي، التي ما تزال تمزقني، الخمسة عشر عاماً، التي مرت منذ صباح ذلك اليوم من أبريل، لم تجد طريقها إلى النسيان.
أرى شارب التاجر يرتجف، أدرك أنه ليس رجلاً سيئاً، لكنه يجد صعوبة لرؤية الأشخاص الذين يقفون وراء المجوهرات. يحمي نفسه من تاريخهم ومن مصائبهم. كنا كاذبين يتصارعان في وسط كل هذه الأكاذيب، يلتقيان ويشاركان لحظة من الإخلاص لم نكن نتوقعها ولا نعرف ما يجب أن نفعل بها.
يمكن أن تكون الحياة قاسية يا سيدتي.. همس محرجاً. لكن عندما أنظر إليك، فأنت امرأة صغيرة وجذابة، وأنا متأكد من أنها تحتفظ لك ببعض المفاجآت اللطيفة. دعي «باريس» تسليك، وتلهمك. أبناء وطنك يحبون هذه المدينة، الآلاف منهم يستقرون فيها. ولم تتوقف «باريس» أبداً عن حب الأمريكيين، بجنودهم وخطة مارشالهم!
ثم يقدم لي عرضاً يعتبره «معقولاً ومفيداً» مشيراً بلباقة إلى أنه تأثر وتعاطف معي. كان العرض أقل مما كنت أخشى، بل أقل بكثير من قيمة السوار. لكنني لست في وضع يسمح لي بالرفض. أوقّع الإيصال مقابل مغلف من الأوراق النقدية الفرنسية. يخبرني الصائغ أن ذكرى «آدم» سوف تتألق على معصم زبون ثري يعاني من نقطتي ضعف: النساء والأشياء الأصيلة.
عندما رافقني الثعلب العجوز إلى الباب، كان شفق بنفسجي ينسدل فوق المدينة فشعرت أن قبضة القلق قد خفت. المال في حقيبتي سيمنحني القوة. قررت التوقف عند مقهى السلام، بالقرب من الأوبرا، الممغنط بروعة زمنه الجميل. اصطحبني نادل يرتدي ملابس رسمية عبر غرفة مليئة بالنساء ورجال الأعمال الأنيقين الذين يتجاذبون أطراف الحديث حول اللحوم النادرة والنبيذ الفاخر. طلبت طبق اليوم الذي أوصى به النادل يرافقه نبيذ «سامور شامبيني».كانت أول يخنة ممتازة أتناولها في حياتي. حصلت على مشروب آخر. شربت نصفه عندما شعرت بأنني مراقبة. كان شخص غريب جالساً في البار على بعد أمتار قليلة منّي يحدق فيّ. أسمر ونحيف، لديه ندبة على ذقنه. عندما التقت نظراتنا، لمحت في عينيه الغامضتين حبه للتسلية. رفع كأسه نحوي ببطء فجمدتني هذه اللفتة. أَهي الندبة، أم البشرة الزيتونية، أم تلك الطمأنينة الهادئة؟ فقدت رباطة جأشي، فدعوت النادل بيد مرتعشة.
في الحانة، الرجل لا يرفع عينيه عني. اتسعت ابتسامة على شفتيه الممتلئتين.
– هل أزعجك شيء يا سيدتي؟ سأل النادل.
– كل شيء على ما يرام، لكن يجب أن أذهب. الفاتورة من فضلك.
استغرق وقتاً طويلاً ليعود بالفاتورة. قدمت له ورقة مالية، لكن ليس لديه ما يكفي من الصرف.
-لا بأس، احتفظ بالباقي. قلت وأنا أنهض، التقطت الروليفليكس وغادرت الحانة من دون أن أنظر إلى الوراء، وبهدوء قدر الإمكان.
عندما خرجت، بدأت في الركض نحو «سان لازار» تتلوى قدميّ في حذائي، هربت كما لو كان رهط متكالب يتعقبني. لم أتوقف إلا في زاوية شارع «هافر» أتصبب عرقاً. قلبي ينبض حد الانفجار. لقد اختبأت تحت بوابة العربات وانتظرت، كانت حواسي كلها في حالة تأهب. لا ألمح من حولي سوى الكائنات المعتادة في الحي: الزبائن ذوو القبعات المائلة فوق أعينهم، والمومسات والمروجون، والظلال الملتبسة.
لا يطمئنني ذلك، لأن أولئك الذين يطاردونني يعرفون كيف يتخفون، يعرفون أيضاً كيف يتريثون ولا ينقضون على الفريسة بسرعة مفرطة مانحين أنفسهم الوقت الكافي لتخيل كل الكمائن، وكل الحيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *