فصل من كتاب مذكرات الشيخوخة | لـ: إرنستو ساباتو
يوم الجمعة
جئت إلى إسبانيا، وأخشى ما أخشاه من عدم العثور على ما أبحث عنه؛ حيث إنني وجدتها مُتغيرة إلى درجةٍ أنني أخاف ألا أتعرف عليها. أخشى أن يخونوا دون كيخوته، كما أنهم يريدون «إرضاء أنفسهم» بأشياء يشترونها، بأي ثمنٍ أيّاً كان هذا الشيء إنجليزياً
أو أمريكياً.
أرجوكم أخبروني! ما الذي سيبقى من الأيبيريين بلا كيخوته؟
لقد حذر ليون فيليبي قائلاً:
بِالْفِعْلِ لَيْسَ هُنَاكَ مَجَانِينُ
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَانِينُ فِي إِسْبَانْيَا
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَانِين.
مَاتَ مانتشيجو،
ذَاكَ اَلشَّبَحُ اَلصَّحْرَاوِيُّ اَلْغَرِيب.
عندما لا يتوق المرء إلى محاربة طواحين الهواء، فإن هناك شيئاً لا يمكن علاجه يهيمن على روح الإنسان.
وأنا لا أشير إلى السقوط الدائم لصراع الإنسان أمام الشر الذي يجاهد فيه. فأنا ضد اللامبالاة، والكسل، والأنانية، ولا سيما الكراهية.
بغض النظر عن كل شيء وأي شيء.
عندما بدأ ليوناردو في الشعور بالشيخوخة والعجز، وخوفه من الموت، كتب بحروفٍ صغيرة في دفتر ملاحظاته «لا ينبغي للمرء أن يتمني المستحيل»، وهو من دون شكٍّ ردٌّ حزينٌ على سعة رغباته اللانهائية. وعلى الرغم من كل شيء عاد مرة أخرى إلى عمله، وكتب ملحوظة «سأواصل الآن»؛ حيث كان شتاء سنة 1519 قاسياً، وحيث إن القدر قرر شيئاً آخر، لكنه قام ورسم أحلامه وجناحيه، وعرّى الزمان لهم.
إن حياة كل إنسان تتأرجح بين ذلك الإيهام بالمثل العليا، وكآبة الواقع؛ بذلك التسطيح الذي نسميه الواقع. بيد أن الوجود المُختزل في الماديات يسقط في فخ فاشية مبهمة تجهض أفضل ما في الوجود في سبيل الاستبداد «الواقع» الذي نهيم به بغباء في أيامنا الآن.
أتذكر أننا درسنا في الكلية «عملية التقدم» باعتبارها جسر العبور من أسطورة الشعارات إلى أسطورة السببية؛ وشعرنا أننا عباقرة بعد أن تخطينا العصور الظلامية القديمة والوسطى.
بلا أساطير لن يتحمل البشر تجربة ما قد يحدث. فلسوف نسحق لو لم يكن لدينا رابط يربط بيننا وبين جودنا. ودونما السرد تستحيل الحياة.
فكلما حاولنا أكثر للتخلص من الأساطير، ظهر من الأساطير المزيد. هذه الأساطير البديلة تخالف الدين بالكلية، ولقد تفترض عالماً من دون وجود الله فيه، ولكن لديها بنية دينية معينة واضحة.
نيتشه، العظيم نيتشه، المجنون نيتشه، هو ذلك الشخص الذي أظهر أن التاريخ ببساطة هو مجرد مجموعة من البيانات، التاريخية أو اليومية، التي لا تكفي للعيش، بل هي على العكس تماماً، إنها تكبلنا.
في وقتٍ لاحق
ذكرتني إلبيرا بشيء كتبته قبل خمسين سنة.
عندما كان الرجل نزيهاً عصامياً، وليس مدللاً بهذه الطريقة المُثيرة للشفقة كما صدرتها لنا العقلية المُعاصرة، كان الشعر والفكر تجسيداً واحداً للروحِ. كما ذكر ياسبرس – Jaspers، ومن سحر الكلمات الشعائرية إلى تمثيل المصائر البشرية، ومن الابتهال بالصلوات إلى الآلهة، تغلغل الشِّعر في التعبير الكامل للإنسان. ولم تكن الفلسفة الأولى -ذلك البحث البدائي في الكون من الشواطئ الأيونية- سوى تعبير جميل وعميق عن النشاط الشعري. لكن كان في هذا العصر الهدّام إزالة الغموض (الذي يتم الخلط بينه وبين إزالة الغموض، كما لو أن الأسطورة والدجل هما الشيء نفسه)، لقد زُعم أن التقدم يتسم بالإخلاء التدريجي للفكر الشعري: الفرويديون، والوضعيون، وكما حاول عدد كبير من الماركسيين استعمار الأراضي الجديدة بعد «تطهير مستنقعات اللاوعي».
يلوح لنا الفشل في الأفق.
كما أن هناك شيئاً آخر هو ما أسماه نيتشه «جو المحيط». إن ما يضفي على الحياة سحراً في الحب: الخيال، والعواطف، والحب، والقصص، والغضب الخيالي لدون كيخوتة، وعمليات البحث الخيالية، وأمنيات بعيدة المنال. قد لا تكون صحيحة لكنها تصبح حقيقية في حياة أولئك الذين يمتلكون الشجاعة لعيشها. ومن المفارقات أن أولئك الذين يجسدون هذه الأشياء غير الواقعية يتم تحميسهم من قبلهم.
يجب أن تستمر الحياة وتدعيمها بالخيال.
ما يهم ليس أن يحوي «الواقع الصادم المُر» هذا الشيء، بل ذلك الارتفاع الذي يشير إليه. حيث بفضل هذا المستحيل نرتقي فوق كل ما هو كائن؛ فالحماسة هي ما تبقينا على قيد الحياة.
قالوا لي بشكل عابر إن الحماسة تعني أن تكون مصدراً للإلهام من الآلهة. وهو شيء سيبدو رجعياً جداً لأبناء الرعية التقدمية.