المدونة

محمد سليم شوشة: أخلاق الحكاية في ثلاث روايات عربية بقلم: فاطمة أبو ناجي

محمد سليم شوشة: أخلاق الحكاية في ثلاث روايات عربية
بقلم: فاطمة أبو ناجي

هل يمكن قراءة الرواية بوصفها مساحة لاختبار القيم الأخلاقية بقدر ما هي فضاء للحكاية؟ هذا ما يحاول الناقد المصري محمد سليم شوشة الإجابة عنه في كتابه الجديد “الأخلاق والسرد: من منظور النقد الإدراكي” (دار العين، القاهرة، 2026) في مقاربة نقدية تبحث في كيفية تفاعل الأخلاق والذاكرة والانفعال مع البناء السردي، وتأثيرها في تشكيل الشخصيات وتوجيه مساراتها. ومن خلال قراءة ثلاث روايات عربية هي “وكسة الشاويش” لكمال رحيّم، و”زقاق المدق” لنجيب محفوظ، و”الاستدارة الأخيرة” لأحمد الزمام، يختبر شوشة إمكانيات النقد الإدراكي في مقاربة السرد العربي وكشف آليات اشتغال النص على وعي القارئ وتفاعله.

يندرج الكتاب ضمن مشروع شوشة النقدي الذي يهتم بتقديم النظريات الحديثة للقارئ العربي بلغةٍ واضحة تحافظ على دقتها المفاهيمية، ويعتمد فيه أدوات النقد الإدراكي، وهو حقل يتقاطع مع علوم اللغة وعلم النفس والعلوم المعرفية، بحثاً في العمليات الذهنية المرتبطة بإنتاج النص واستقباله، وأيضاً في أثر الخبرة الإنسانية في تشكيل القراءة.

ويتناول شوشة الأخلاق داخل السرد باعتبارها عنصراً بنائياً يشارك في تشكيل العالم الروائي، إذ تدخل في تكوين الشخصيات وعلاقاتها وصراعاتها ومسارات أفعالها. وتتحرك القيم داخل البنية السردية عبر اختيارات الشخصيات وانفعالاتها وطريقة رؤيتها للعالم، كما تؤثر في علاقة القارئ بالنص وفي فهمه دوافع الشخصيات وتحولاتها.

يرى أن القيم تساهم في فهم دوافع الشخصيات وتحولات الأحداث
في قراءته رواية “وكسة الشاويش” للروائي المصري كمال رحيّم، الصادرة عام 2023، يتتبع شوشة تشكّل الشخصية من خلال الذاكرة والتجربة والانفعال. ويمنح الراوي الطفل اهتماماً خاصاً، إذ تتحول التفاصيل المخزنة في وعيه المبكر إلى عناصر تؤثّر في بناء الرؤية السردية وفهم العلاقات داخل العالم الروائي. كما يتوقّف عند صورة الأُمّ، ودور الخبرة الأولى في تكوين موقف الشخصية من الذات والآخر، مستعيناً بمفاهيم مثل كفاءة الشخصية ومصداقية الراوي وفجوات السرد ودور الذاكرة في بناء الدلالة.

ويقرأ شوشة “زقاق المدق” لنجيب محفوظ، الصادرة عام 1947، من خلال أثر القيم في تشكيل عالم الحارة وشخصياتها. وتكشف المقاربة الإدراكية حضور الأخلاق في بناء الهوية الفردية والجماعية، وفي توجيه رغبات الشخصيات وانفعالاتها وصراعاتها. وتبرز شخصيات مثل عباس الحلو وحسين كرشة ضمن نماذج تكشف اختلاف التصورات حول القوة والمسؤولية والاختيار، كما يتوقف المؤلف عند دلالة أسماء الشخصيات ووظائفها داخل البناء الروائي والعلاقة الجامعة بين الشخصية والصوت السردي.

أمّا في رواية “الاستدارة الأخيرة” للروائي الكويتي أحمد الزمام، الصادرة عام 2024، فتسمح لشوشة متابعة تشكل الصراع داخل عالمٍ روائي تتحرك داخله الشخصيات ضمن تصوراتٍ متعددة للقيم. ويركز على الصراع الجندري وتمثلات الخير والشر، وأثر الذاكرة والخبرة في تكوين المواقف والميولات، إضافة إلى حضور البراءة والدهشة والتوتر العاطفي في بناء الشخصيات ومسارات الأحداث.

ويكتسب اختيار الروايات الثلاث دلالةً منهجية، إذ يجمع الكتاب بين نص لنجيب محفوظ ينتمي إلى منتصف القرن العشرين وروايتين معاصرتين، بما يسمح باختبار أدوات النقد الإدراكي في سياقاتٍ مختلفة من تطور الرواية العربية. وتستند هذه القراءات إلى مفاهيم من السرديات الإدراكية، من بينها مفهوم “الصلة” لدى دان سبيربر ودريدري ويلسون، المتصل بوجود خلفيةٍ معرفية مشتركة بين النص والمتلقي. ومن هذه الرؤية تساهم القيم في بناء التواصل مع العمل الروائي، ذلك أنها ترتبط بخبراتٍ إنسانية وتصورات مشتركة تساعد على فهم دوافع الشخصيات وتحولات الأحداث

المصدر: صحيفة العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *