المدونة

فصل من رواية الطاووس | لـ : نيكولاي ليسكوف

لو أن بافلين استفاد -بأي درجة- من الرأي الطيب عن شخصيته الذي ساد بيننا، فهو يدين بذلك إلى خالتي أولجا التي تعامل معها في كل لقاء بها باهتمام استثنائي، وقد نال استحسانها على ذلك. ضحكت أمي مازحة بشأن خالتي أولجا، قائلة إنها بإخضاع بافلين قد صنعت معجزة ترويض الوحوش التي صنعها دانيال، لكن هذه المزحة انطوت على قدر من الحقيقة. لقد بجَّل بافلين خالتي؛ لكن الأمانة تقتضي مني القول إنه أعرب عن تبجيله هذا لها مع حفظه الكامل لكرامته التي لا يمكن المساس بها. اعتاد الانحناء بالتحية أمامها بقدر أكبر من انحنائه للآخرين، كما اعتاد إفساح الطريق لها للمرور بقدر من الاحترام أكبر مما يفعله لآنا لفوفنا نفسها التي -بحسب ملاحظات الخالة أولجا- لم يكن يتحملها ويشعر تجاهها بالازدراء. لا أعرف إلامَ استندت في وصولها إلى هذه النتائج والاستدلالات دون أن تتحدث أبدًا مع بافلين، لكنها انطوت على قدر من الحقيقة. يمكنكم أن تدركوا من ذلك أننا -لسبب ما- اهتممنا دائمًا ببافلين؛ فقد أثارت شخصيته اهتمامنا، ولا أستثني نفسي، فقد اهتممت بثيابه الملونة، كما لا أستثني ماما التي بدأت تتعاطف معه بسبب الازدراء الذي لاحظته فيه الخالة أولجا تجاه آنا لفوفنا.
استمر الأمر على هذه الحال فترة طويلة؛ واصلنا العيش في منزل آنا لفوفنا، وراقبنا بافلين من بعيد حتى سنحت فجأة -وعلى نحو غير متوقع بتاتًا- فرصة للتعرف إليه من كثب. حدث الأمر على النحو الآتي؛ لم تشعر ماما بالرضا عن أحد الخدم، فاستأجرت شخصًا آخر. بدلًا من الخادم السابق بحثت عن غيره واستطاعت توظيفه، وكان من المفترض أن يصل الخادم الجديد ويتولى مهامه في اليوم التالي، لكن في مساء اليوم السابق استلمت الخالة أولجا من البواب ظرفًا مكتوبًا عليه اسمها. بدا الخط غير مألوف وغير منظم؛ خط واحد من العصاميين المنتشرين في روسيا ممن علَّموا أنفسهم بأنفسهم، وفي الظرف رسالة مكتوبة بعناية على ورقة نظيفة بالخط نفسه، وبقدر ما أتذكر كانت كلمات الرسالة كالآتي:
«صاحبة السعادة أولجا بتروفا! لقد عيَّنت السيدة أختك الخادم «فلان»، لكن هذا الشخص المُعيَّن إنسان طائش وغير جدير بالثقة؛ الأمر الذي يدفعني إلى إبلاغك بذلك كإجراء احترازي».
التوقيع: البواب بافلين بيفونوف.
أرت خالتي الخطاب لأمي، فقررت الأخيرة الاستماع إلى تحذيرات بافلين، وبعثت رفضها الخادم الطائش الذي سبق أن عيَّنته، وبينما تتجول أمي جولتها المعتادة في الفناء التقت ببافلين وشكرته على لطفه. خلع الرجل الغريب قبعته ذات شرائط الزينة وردّ على ماما بانحناءة صامتة، لكنها مهذبة. قالت ماما مساءً لخالتي أولجا بينما تشربان الشاي:
– لكننا في حاجة إلى خادم، لقد شوَّه السيد بافلين واحدًا، لكنه لم يرشدنا إلى واحد آخر.
أجابتها خالتي:
– هذا ليس شأنه.
– أعرف ولكن… كان في وسعه أن يُرشِّح لنا واحدًا لو أراد.
– وهل طلبتِ منه؟
– لا، يبدو أنه لا يريد التحدث معي؛ فهو ينظر إليّ نظرة عظيمة كأنه وزير مهم ثم يبتعد. (أضافت مازحة) ربما يختلف الأمر لو طلبتِ منه بنفسك؛ فربما حينها يعدّ تقديم هذه الخدمة لنا شرفًا عظيمًا.
قبلت خالتي المزحة ببهجتها المعتادة، وردت عليها مازحة هي الأخرى:
– حسنًا… سأطلب منه.
في اليوم التالي، في أثناء سير خالتي إلى مكان ما، وأنا بصحبتها، عرجت على شقة البواب حيث جلس بافلين كعادته، وحيدًا على كرسيه، منهمكًا في قراءة كتاب قبالة مصباح أخضر.
ما إن رأى خالتي حتى وضع كتابه على المكتب، وانحنى بأدب، ثم انتصب كاملًا، واتخذ الوضعية التي تجعله يشبه جوته.
أخبرته خالتي بطلبها، فعقد بافلين حاجبيه وفكر ثم قال:
– في هذه الأيام لم يعد يوجد خدم يقومون بواجبات وظيفتهم بدقة.
– ألا يمكنك إذن أن توصي لنا بأحد؟
– لا أستطيع يا سيدتي لأني لا أتوقع المطلوب من أحد.
انصرفنا دون جدوى، وعندما عدنا إلى شقتنا مزحت ماما مع خالتي كثيرًا قائلة إن سلطتها على بافلين بيفونوف لم تثمر شيئًا، وإنه ما زال ذئبًا وحيدًا وقحًا، لكن خالتي دافعت عنه في هذا الموقف أيضًا قائلة إنها لا ترى في رفضه هذا إلا دليلًا جديدًا على دقته وتعقُّله. قالت إنه حذر لأنه «إنسان دقيق»، ولو عرف شخصًا يمكنه أن يضمنه لأوصى به لنا بالتأكيد.
لم تخطئ خالتي في ذلك؛ فقبل أن نستيقظ في صباح اليوم التالي وصلَنا مجددًا خطابٌ قصير يطلب فيه بافلين بأسلوبه القصير والدقيق تأجيل مسألة توظيف خادم مدة يومين، فقد وصلته بعض المعلومات عن «خادم دقيق شهير عمل لدى السيد الذي عمل لديه بافلين سابقًا».
هنا بانت مشاعر ماما الحقيقية تجاه بافلين؛ فقد توقفت عن وصفه بالوقاحة، وابتهجت بشدة بإمكانية أن تحظى بخادم من نوعيته، وأعربت عن موافقتها انتظار الخادم الذي يوصي به بافلين مدة شهر كامل، لكننا لم نحتج إلى كل هذا الانتظار لأن الخادم المنتظر وصل إلينا في اليوم التالي، ووظفناه سريعًا، وبدأ عمله خادمًا متواضعًا في مسكننا المتواضع.
الشخص الذي عيَّنه بافلين كان أكبر منه قليلًا، ويفوقه بقدر كبير في بساطة التفكير والطيبة. يمكن القول إنه اتسم بالطيبة إلى أقصى حد ممكن، كما اتسمت شخصيته بالمرح والانفتاح والوداعة بدرجة استثنائية، علاوة على الكد في عمله؛ إذ نال ثقتنا وإعجابنا فورًا، وقد ساعده في نيلها بالتأكيد ترشيح بافلين له الذي قدَّم له بذلك خدمته الأولى.
وسرعان ما قدَّم الثانية؛ إذ عزمنا على قضاء الصيف في الريف، وشعرنا بالحزن لأننا سنضطر إلى ترك خادمنا المحبوب في الشقة، فماذا حدث في ظنكم؟ لم نكد نتحدث عن الأمر في شقتنا مساءً في أثناء تناول الشاي، حتى وجدنا صباحًا رسالة من بافلين مرة أخرى إلى خالتي، كتبها بأسلوبه المعتاد الموجز والدقيق، يوضِّح فيها أننا غير مضطرين إلى ترك أي شخص على الإطلاق في شقتنا صيفًا لأن «بإمكانه العناية بها بنفسه دون أي صعوبة». بدا لنا قبول هذه الخدمة شديد الإغراء؛ فبهذه الطريقة يمكننا تسوية شؤوننا تمامًا، والسؤال الوحيد الذي تبادر إلى أذهاننا وقتها هو: كيف يمكننا مكافأة بافلين على ذلك؟ سمحنا لخادمنا بالاشتراك معنا في مناقشة هذا السؤال، لكننا لقينا منه اعتراضًا حاسمًا. قال:
– بافلين بيتروفيتش رجل طموح؛ إنه يُقدِّم هذه الخدمة بدافع من الشرف، ومكافأته عليها بالمال يمكنها أن تسيء إليه إساءة بالغة.
بقي الأمر على حاله إذن، فلم تستطع ماما أو خالتي أولجا أن تتوصلا إلى طريقة يمكنهما بها مكافأة رجلنا الطيب بافلين على صنيعه.
أصبح بافلين يُسمى عندنا «الرجل الطيب»، هكذا غيَّر تصورنا عن شخصيته على مشارف زمن قادم سينبغي له فيه أن يدلف إلى صراع المشاعر، وهو أمر ليس من سماته على الإطلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *