فصل من كتاب: النساء اللواتي يصنعن رواياتنا | بعنوان: ديميترا فاكا
ديميترا فاكا
إنها ممارسةٌ جديرة بالثناء، لكنها ليست مثمرةً دائماً لدار النشر التابعة لشركة هاوتون ميلفين، بوسطن، أن ترسل ملفاً إلى جميع مؤلفيها يطلب مثل هذه التفاصيل الخاصة بحياتهم، والتي يمكن أن تكون ذات أهمية مناسبة لعامة الناس. في عام 1914، أو ما يقارب ذلك، ذهب أحد طلبات الحصول على الحقائق إلى المؤلفة ديميترا فاكا، بطريقة أخرى السيدة كينيث براون، وفي الوقت المناسب، عاد إلى بوسطن محملاً بالبيانات التالية، منقوشةً بيد أنثوية لا يمكن لأيّ مدير مدرسة أن يمدحها بضمير حيّ:
الاسم الكامل: ديميترا كينيث براون.
المهنة أو العمل الرئيس: زوجة.
عنوان السكن: غرين لين كَتِج، ماونت كيسكو، نيويورك.
مكان الولادة: جزيرة بويوك أدا، بحر مرمرة.
تاريخ الميلاد: 1877.
التعليم، متى وأين جرى تلقّيه بالتفصيل: أولاً بشكل خاص، ثمّ في مدرسة أثينا الخاصة. باريس. الأديرة المختلفة. دورات في جامعة السوربون. سنة واحدة في جامعة أثينا. سنة واحدة في جامعة نيويورك. مدارس مختلفة في القسطنطينية، وهي كثيرة جداً على أن أتذكرها. أستخدم المدارس كما تستخدم النساء العابثات الملابس فهنّ يتخلّصن منها عندما لا تكون مناسبة.
تاريخ الزواج: 1904، 21 نيسان/ أبريل.
السجل العسكري والسياسي والمدني: لا توجد سجلات أياً كانت باستثناء المزاج السيئ.
مديرة أو وصية للمؤسسات التعليمية أو العامة الآتية: لم يُقدَّم أيّ منها قط، باستثناء المؤسسة المفترضة لتربية زوجي.
السياسة: بالنسبة للرجل الأفضل على هذه التذكرة.
الطائفة الدينية: أرثوذكسية يونانية.
الجمعيات المهنية والجمعيات العلمية والفنية، الأوسمة… إلخ: لا يوجد.
عضو في المؤسسات الإنسانية أو الخيرية التالية (إذا كنت صاحب أيّ منصب فاذكر ذلك): ليس لديك أيّ أموال لتدخريها.
النوادي الاجتماعية: ليس لدي ما يكفي من المال باستثناء نوادي الغولف والتنس أينما كنت، وإذا جرى احتسابها فستتطلب مساحة أكبر مما يُسمح لي، حيث نتجوّل في جميع أنحاء الأرض.
السجل التجاري أو المهني: في هيئة تحرير الصحيفة اليونانية أتلانتيس مدةَ ستة أشهر تقريباً في مدينة نيويورك. مدرسة لغة فرنسية في مدرسة كومستك، مدينة نيويورك، لسنوات عدة حتى عام 1903. كاتبة منذ عام 1904.
المركز أو المنصب الذي تشغلينه: زوجة.
عنوان الكتاب (الأول): السكرتيرة الأولى.
سنة النشر الأولى: 1907.
الناشر: دبليو بي دودج وشركاه (توقفت عن العمل).
يجب استكمال هذا الاستجواب المسلّي في عدة نقاط، وسيكون القارئ أكثر استنارة إلى حدّ ما بما يلي.
ديميترا فاكا يونانية عاش أجدادها في القسطنطينية لأكثر من 700 عام. كان كثيرون منهم مسؤولين حكوميين أتراكاً، وبالتالي حياة السيدة براون المبكرة جعلتها على اتصال مستمر ووثيق مع الأتراك. لعبت مع الأطفال الأتراك، وتمكّنت من رؤية الشعب التركي من دون أيّ تحيّز ديني على الإطلاق، لكنها ولدت، كما تقول، بروح أمريكية. ظروف معيّنة جعلتها تثور، ليس أقلها نظام الزيجات المرتبة مسبقاً. هرباً من مثل هذا الزواج هربت من المنزل، قادمةً إلى الولايات المتحدة مع عائلة أحد الأقارب. ومع ذلك، حال وصولها، سرعان ما تُركت لتعتمد على نفسها.
وحيدة، مفلسة، لم تبلغ الثامنة عشرة بعد، وجدت أن الحصول على عمل ليس أمراً سهلاً ولا رومانسياً. عندما انضمت أخيراً إلى طاقم العمل في أتلانتيس، وجدت أنها تحب العمل الصحفي، لكنها فهمت بوضوح أنها لن تتعلم الإنكليزية بهذه الطريقة أبداً، وفي ذلك الوقت أرادت اللغة الإنكليزية؛ لأنها كانت تأمل أن تدرس الطب؛ لذلك عملت معلمة في مدرسة خاصة للغة الفرنسية، وفي غضون عامين غدت مسؤولة قسم اللغة الفرنسية في المدرسة.
في عام 1901، بعد ست سنوات من وصولها إلى أمريكا، عادت إلى تركيا. حافظت بعناية على تذكرة عودة إلى أمريكا في جيبها. لم تنوِ أن تبقى في القسطنطينية. حالما وصلت إلى تلك المدينة، بدأت الدعوات من صديقات الصبا تصل إليها. لقد أصبحن عندئذٍ نساء متزوجات. وهكذا، وبفضل وجهة نظر جديدة وأمريكية، دخلت الحريم التركي كزائرة مرحب بها ولا داعي لإخفاء الأسرار عنها. بعد ثماني سنوات، نشرت عشر دراسات عن النساء التركيات، تجسّد ما رأته وسمعته في 1901-1902، في كتاب الحرملك (Haremlik)، الذي يعني “مكان الحريم”، لكن لنتمسك بترتيب الأحداث:
عادت ديميترا فاكا إلى أمريكا، ودرَّست اللغة الفرنسية لكن ليس لفترة طويلة. في عام 1904 تزوجت من كينيث براون، الروائي، وحصلت أخيراً على التشجيع المستمر والمساعدة المهنية اللازمة إذا كان عليها أن تصبح كاتبة باللغة الإنكليزية. لقد حُثَّت مراراً وتكراراً على الاستعداد لنشر تجاربها الخلابة. بعد يوم واحد من زواجها، أرسلت إلى محرر إحدى المجلات سرداً لتجربة أثناء زيارتها لروسيا. جرى قبوله. وقد حسم ذلك الأمر. ستكتب.
كان الحرملك (Haremlik) كتابها الثاني. لقد ترك انطباعاً واسعاً وعميقاً. كانت هناك ترجمات فرنسية، سويدية، ألمانية، إيطالية، دنماركية، هولندية. إنه ليس خيالاً، وليس كتاب السيدة براون الأخير، طفلة من الشرق (A Child of the Orient)، الذي يحكي قصة طفولة المؤلفة وحياتها المبكرة في القسطنطينية، لفتاة يونانية مع أصدقاء وزملاء أتراك. نكهة ألف ليلة وليلة تملأ صفحات الحرملك وطفلة من الشرق. تعطي الفصول الأخيرة من الكتاب الثاني انطباعات ديميترا فاكا الأولى عن أمريكا، والتأثير على فتاة في سنّ المراهقة من أرض مختلفة تقريباً عن باريس، كما كانت باريس مختلفة عن القسطنطينية وأثينا.
الكتاب الأحدث للسيدة براون كتاب في مسألة الحرب، لكنه ذو طابع استثنائي للغاية. لفهم نشأتها، يجب أن تتذكّر أنها، على الرغم من زواجها من مواطن أمريكي، يونانية حسب العرق. كُشِف عن حبها لليونان وآمالها في مستقبلها، بوضوحٍ، في الفصل الافتتاحي من الحرملك. وهكذا عندما مرت الحرب الأوروبية بمراحلها الأولى، وتطور الوضع السياسي في اليونان إلى صراع بين الملك قسطنطين وفنيزيلوس، وهو صراع هدد فيه موقف الملك بالعار الوطني، قررت ديميترا كينيث براون الذهاب إلى اليونان، ومقابلة قادة الفصيلين، وإنقاذ اليونان من أجل الحلفاء- على الأقل مسعى لرؤية أن اليونان تفي بالتزاماتها التعاهدية، مثل تلك المبرمة مع صربيا.
بالنظر إلى المشروع الآن، السيدة براون نفسها أول من اعترف بأنه خيالي، ولا أمل فيه، وسخيف منذ البداية. ومع ذلك، أثبت قيمته الهائلة بطرق غير متوقعة. ذهبت إلى لندن، ونجحت الروائية في الوصول إلى لويد جورج؛ بعد ذلك تمكنت من الوصول إلى شخصيات رفيعة أخرى في دول الحلفاء. بالإضافة إلى الفرنسية، هي تتكلم الإيطالية. في أثينا كانت جميع الأبواب مفتوحة لها. لقد قابلت، ليس مرة واحدة بل مرات عديدة، الملكَ قسطنطين نفسه وجنرالاته. بعد ذلك ذهبت إلى سالونيكا، وتحدثت مع فينيزيلوس. عندما فعلت ذلك، تمكنت، كمراسلة تماماً، من كتابة كتابها في قلب المؤامرة الألمانية (In the Heart of German Intrigue)، أحد الكتب الأبرز التي كشفت أسرار الحرب. أدانتهم من أفواه قسطنطين ومساعديه. أسفرت سلسلة المقابلات المتشابكة التي أجرتها عن كشف كامل وكارثي لما كانت ألمانيا تخطط لفعله بالتواطؤ مع حكومة قسطنطين.
إن عمل السيدة براون كمراسلة للأسر الملكية وغيرها، وحتى كتب سيرتها الذاتية مثل طفلة من الشرق والحرملك يُعدّ، بدقة، خارج نطاق هذه الصورة الأدبية الوصفية، فيما يتعلق بها في المقام الأول كروائية وامرأة أمريكية. كروائية لديها كتب عديدة في رصيدها بالإضافة إلى كتابها الأول السكرتيرة الأولى (The First Secretary). سعر الدوق (The Duke’s Price)، الذي كتبته مع زوجها؛ وفينيلا في أرض الخيال (Finella in Fairyland)، وفي ظل الإسلام (In the Shadow of Islam)، وقبضة السلطان (The Grasp of the Sultan)، التي نُشرت أول مرة تحت اسم مجهول (“تأليف؟”)، كلها لها، بالإضافة إلى قلب البلقان (The Heart of the Balkans). من بين كل تلك المؤلفات، تعدّ قبضة السلطان، التي نُشرت بشكل متسلسل، وبيعت جيداً حتى قبل الكشف عن هوية المؤلف، الأكثرَ إثارة للاهتمام والأكثرَ استحقاقاً للتفكّر التفصيلي في هذا المجال.
نُشرت الرواية في عام 1915 (وكـَ كتاب في حزيران/ يونيو 1916)، وتمثّل مهارة ديميترا فاكا بعد نحو عشر سنوات من التدريب المهني في الكتابة باللغة الإنكليزية. شاب إنكليزي بدَّد ثروةً ينتقل إلى القسطنطينية، ويعين، بواسطة مواطن ما صار أميرالاً تركياً، مدرساً للأمراء العثمانيين. الأمير الأصغر الذي كان في عهدته هو الأمير بيازيد وقد كان عمره 4 سنوات، ووالدته فتاة يونانية جميلة من الحريم. تجرأت على تحدي السلطان، الذي أخفق في استجدائها، وسعى إلى كسر إرادتها بإبعاد ابنها عنها. بخدعة رئيس المخصيين، تستردّ طفلها، وتحصل على تعهد من السلطان بعدم التدخل مدة خمس سنوات.
هذه هي خلفية القصة الرومانسية. يقع مدرس اللغة الإنكليزية الشاب في حب الفتاة اليونانية، ويخطط للهروب معها ومع الأمير الصغير بيازيد.
تُروى القصة بخبرة، وبلا مراوغة، مع تحكمٍ جيدٍ في التشويق وإثارةٍ بعد إثارة. الأفضل في الأمر هو اكتشاف القارئ المستمر لمعرفة المؤلفة الشاملة بشخصياتها ومكانها. بافتراض أنّ أمريكياً كتبها، يجب أن تكون قد سبقت ذلك أسابيعُ من الدراسة تُستكمَل بالسفر إلى الخارج؛ إذا ما كان يمكن لشخص لم يولد ويُربّى مثل ديميترا فاكا أن يكتبها، حتى بعد “التوثيق” الشامل، يبدو مشكوكاً فيه. يجب أن نقول إن هذا الشيء سيكون مستحيلاً تماماً إذا لم نضع في اعتبارنا الراحل ف. ماريون كروفورد، الذي تذكرنا حكاياته البارعة والمقنعة بحكايات السيدة براون. هو أيضاً كتب رواية واحدة أو أكثر عن القسطنطينية بدقةٍ تاريخية لا يمكننا التكهن بها. من المحتمل أن السيدة براون يمكن أن تلتقط فيها مئةَ فجوة فيما يتعلق بالحقائق! ومع ذلك، كان لها، بالنسبة إلى القارئ الأمريكي، تأثير محاكاة الحقيقة الكاملة، وهذا هو التأثير على وجه التحديد الذي اغتنت به قصص السيدة براون. فقط، في حالتها، نعلم أن التشابه مع الحقيقة محسوس، لأن الحقيقة موجودة. يجب أن تفعل من أجلنا فيما بعد، إذا سمحت روحها المضطربة، ما فعله كروفورد. أعطتنا رومانسيات ديميترا فاكا أعطتنا الشرق. ابقي معنا، اكتبي لنا رواية بعد رواية من النوع الذي اعتاد أن يأتي، كلّ سنة أو سنتين، من تلك الفيلا في سورينتو، حيث عاشت طويلاً، وصنعت بإخلاص الدكتور إسحاق وتاريخ شجعان الأمير ساراتشينيسكا!