سطوة الخيال: كيف تشكّل القصص الذاكرة والهويّة | بقلم : ڤنسنت فان ترجمة : زينب بني سعد
سطوة الخيال: كيف تشكّل القصص الذاكرة والهويّة.
اكتشف كيف يشكّل الخيالُ ذكرياتِنا وهوياتِنا وأحلامَنا، مموهًا الفاصل بين الخيال والواقع.
بقلم : ڤنسنت فان
ترجمة: زينب بني سعد
الذكريات غير مأمونة الجانب؛ ففي كل مرة نستحضر فيها تلك اللحظة المتلفعةَ بلون الحنين، تتزحزح اللحظةُ ذاتُها وتُعيد صياغة نفسها. فالذكرياتُ هي ما يجعلنا على ما نحن عليه؛ إذ إنها تذكرة بما كنّاه، وبما نرغبُ في أن نصيرَ إليه. وفي حين تُعدّ ذكرياتُ حياتنا الخاصة محوريةً لفهم ذواتنا، فإن ثمة ذكرياتٍ أخرى تحظى بالأهمية عينِها — ألا وهي ذكرياتُ الخيال.
جذور الخيال وسطوته
يعود الأصلُ اللغوي لكلمة “الخيال” (Fiction) إلى الكلمة اللاتينية القديمة fingere، التي تعني “يُشكِّل” أو “يصوغ” (أو “يَبْدَع”). أمّا في الإنكليزية الحديثة، فتقاربُ في معناها مفردتَي “المُبتَكَر” أو “المتخيَّل”. نعم، لقد كانت “إستر غرينوود” في رواية “الناقوس الزجاجي” شخصيةً خيالية، لكنها عاشت تجاربَ تماثلُ إلى حدٍّ كبير التجاربَ التي خاضتها الكاتبة “سيلفيا بلاث” نفسها.
لا يكتبُ الكُتّاب من عدمٍ قطّ؛ إذ إن ذكرياتِنا غالبًا ما تحدد معالم الشخصيات التي نكتبُها والحيوات التي تخوضُها. ويُدركُ القُرّاء أن بطل الرواية قد يصفُ أحيانًا تجربةً تُلامسُنا وكأنها تمسُّنا شخصيًا. إن الذكريات التي نختبرُها أثناء قراءة الأدب الخياليّ قد تبدو ذاتيةً وشخصيةً، وكأننا عشناها بأنفسنا. ولربما كنّا قد عشناها حقًا؛ إذ وجد علماء النفس في قراءة الأدب الخيالي قُدرةً على توسيع آفاق هويّتِنا الذاتية. فتجربةُ قراءة نصٍّ أدبيٍّ آسرٍ قادرةٌ على تغيير من نكون، وتوجيه مسارنا بالقدر ذاته الذي تفعلُه تجربةٌ حقيقيةٌ مُعاشة.
كُتُبٌ تُصاغُ بها حيواتُنا
تتركُ الكتب أثرًا عميقًا في نفوس القُرّاء؛ وثمّة مقالاتٌ تستعرضُ بالتفصيل كيف غيَّرت الأعمال الأدبية حيوات مَن قرؤوها تغييرًا جذريًا. فقد كانت الكاتبة كريستال هانا كيم — مؤلفة رواية إذا تركتَني (If You Leave Me) — على ارتباطٍ وثيق بشخصية “آن” في رواية آن في المرتفعات الخضراء للكاتبة لوسي مود مونتغومري؛ وهو ما ألهمها كتابة روايتِها الخاصة، المليئة بشخصياتٍ نسائيةٍ أخرى تتسمُ بالتعقيدِ والذكاء.
لكلِّ فردٍ منا أسبابه الخاصة لعيش الحياة على النحو الذي يحياه؛ وسوف يُدهِشُنا أن نكتشفَ كم من أحلام الناس تغذّتْ من أعمال الأدب الخيالي. فعندما نقرأُ عن أطباءَ أبطال، أو روائيين أصحاب بديهة، أو علماء نفسٍ يُنقذون الأرواح، يستقرُّ شيءٌ ما في نصابِه داخلَ نفوسِنا. إن الشعورَ بأن هناك من يَرانا ويَفهمُنا بحقّ لَأمرٌ نادر، وكثيرًا ما يكونُ الخيالُ هو الفضاءَ الأكثرَ احتضانًا وقبولًا لهذا الشعور.
لحظاتٌ لا تُنسى في عالمِ الأدب
لو قُدِّر لي أن أسألك عن مقاطع أو اقتباسات لا تزالُ حَيّةً في ذاكرتِك، لَما ساورَني الشكُّ في أنك ستجدُ ما تقولُه. فتلكَ مشاهدُ لم تَقِف عند حدودِ الورق، بل نقَشَت أثرها عميقًا في أفئدتنا وذاكرتنا.. ولو كنت شخصًا عاطفيًا، فلربما كانت تلك اللحظة هي إفصاح “السيد دارسي” عن حبّه لـ “إليزابيث بينيت”، أو تلك الخاتمة التي يمتزج فيها الحزن بالفرح لشخصيتي “نوح” و”آلي” في رواية دفتر الملاحظات.
وليس غريبًا أن تقرأ شيئًا يحرّك في داخلك مشاعرَ جليلة، فتظلُّ تُطارد هذا الشعور بقية حياتك، أو على الأقل في كل كتاب تقرأهُ بعد ذلك. يُعبّر مصطلح “رجالٌ بقلم النساء” عن نمط العُشّاق والخُطّاب الذين تخلقهم الكاتبات في رواياتهن؛ فهم في الغالب وسيمون، ولطفاء، وأذكياء، ورومانسيون بلا انقطاع، وهو النمط الذي تبحث عنه كثيرٌ من النساء في حياتهن الواقعية. إن للخيال الأدبي — اعترفنا بذلك أم لم نعترف — سلطةً عميقة على حياتنا، وطموحاتنا، وذكرياتنا.
الهروبُ إلى عوالمَ خيالية
أصبح الهروب الأدبي مطلبًا منشودًا اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. فقد أرهقَنا واقعُ العالم وتعلُّقُنا الشديد به، وتحتَ وطأة تدفُّق المعلومات المتواصل، نلوذُ إلى واحات الخيال. وسواء كان ذلك العالم هو أرض “إيرثسي” الخرافيةَ لدى إرسولا لوغوين، أو “أراضي الأحلام” عند لاڤكرافت، فقد أتاحت لنا العوالمُ الخياليةُ هروبًا هنيئًا من صخبِ الواقع.
إن هذه العوالمَ المُتخيَّلَة — بما تحويه من لغاتٍ وتواريخ وثقافاتٍ خيالية — غدت جزءًا لا يُنْكَر من هويةِ البشر، واستطاعت أن تصمدَ أمامَ اختبارِ الزمنِ بفضلِ عمقِ أثرِها.
الخيالُ في الثقافةِ الشعبية
يرصد المسلسل الكوميدي الأمريكي نظرية الانفجار الكبير (The Big Bang Theory) حيواتِ مجموعةٍ من علماء الفيزِياء الذين يَفتقرون للخبرة الاجتماعية، وهم يحاولون التأقْلُم مع العالم الواقعي. ومهما كان رأيُك في المسلسل، فلا يُمكن إنكار أن أولئك الشبّان المُغرمين بالخيالِ العلميّ والأدَب الخياليّ، حينَ تخونُهم الشجاعةُ في بعض المواقف، يستحضرون الأفعال البطولية للشخصيات الخيالية التي يُحِبُّونَها ويحترمونها أشدَّ الاحترام. وحتى لو لم تكنْ تُصنِّف نفسَك ضمنَ “مهووسي الأدبِ والتكنولوجيا”، فلعلَّك تأثَّرْتَ — دونَ أن تدري — بعملٍ خياليٍّ ما. وفي اللحظات التي نحتاجُ فيها إلى الإلهام، نستحضر صور الشخصيات الخيالية التي نُجلُّها. فالشخصياتُ الخياليةُ تُستلهَمُ من أشخاصٍ كان الكاتبُ قد أُعجِبَ بهم أو راقبَهم. وتلك الخصال التي يمنحُها إياها هي ما رآه خَيّرًا أو جديرًا بالاهتمام على الأقل، وهي ذاتُ الخصالِ التي تجعلُ لـ أبناء الخيال أثرًا حقيقيًا يلمسُ القرّاء.
تلاشي الخيطِ الفاصلِ بين الخيالِ والواقع
ورغم أن هذه العوالم الخيالية تعكس في كثيرٍ من الأحيانِ ما نعيشُه من صراعاتٍ سياسيةٍ واجتماعية، إلا أنها تظلُّ نائيةً عنا بقدرٍ يكفي ألا نرزَح تحت ثِقْلِها. فبوسعِنا استكشاف تلك القضايا بمسافةٍ آمنةٍ من البُعد والانفصال، لكونِها لا تُمثِّلُ عالمنا الذي نعيش فيه بشكلٍ مباشر.
إن ذكريات الشخصيات داخل العمل الأدبيّ، أو حتى ذكرى قراءة العمل نفسه، تبدو حقيقيةً تمامًا كالأحداث التي نعيشُها في واقعِنا. وسواء أَقْرَرْنا بذلك أم لم نُقِرّ، فإن ما نقرؤُه يغدو مرتبطًا بأسلوبٍ خفيّ وعميق بالشخصية التي نَصيرُ عليها، حتى يَصعُبَ علينا الفصلُ بين الخيال والواقع.